أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .















المزيد.....

مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 10:35
المحور: الادب والفن
    


مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي :

يقول الكاتب والمؤرخ محمد حسنين هيكل في اقتباس شهير أورده في كتبه مثل كتاب (( المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل )) وفي بعض لقاءاته التلفزيونية : (( بسيفك لا بسيف الإنجليزِ دخلت الشام إيزي ثم إيزي )) , في لمحة ذكية من هذا الصحفي العروبي وأشارة الى انه يمكننا ترتيب وتنسيق هذا الطرح التاريخي الغني , ثم تحليله بنيوياً , وصولاً إلى إسقاطه بدقة وعمق على واقع العراق بعد غزو عام 2003 , ان الترتيب التاريخي للموضوع (( سياق إيزي ثم إيزي )) والبحث في الكواليس البريطانية ولعبة (( تعدد الولاءات )) عام 1915م , ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد مستغلةً رغبة العرب في التخلص من الحكم العثماني , كانت تلعب على حبلين متوازيين وبمراكز قرار متنافسة داخل الإمبراطورية البريطانية نفسها .

كان مكتب القاهرة (( الخارجية البريطانية )) قد قاد المفاوضات مع الشريف حسين بن علي (( عبر مراسلات حسين - مكماهون 1915 )) لتفجير (( الثورة العربية الكبرى )) , بينما حكومة الهند البريطانية (( مكتب دلهي )) , كانت ترى في الهاشميين حلفاء غير موثوقين لتأثرهم بالحياة التركية في إسطنبول , ففضلت دعم أمير نجد عبد العزيز آل سعود ((عبر النقيب وليم شكسبير )) , ومدّته بالمال والسلاح لقتال آل رشيد (( حلفاء العثمانيين )) , وعندما دخل الأمير فيصل بن الحسين دمشق عام 1918 وتأسست الحكومة العربية بدعم مالي وعسكري بريطاني مباشر (( تحت إشراف لورنس العرب )) , أثار ذلك حفيظة الأمير عبد العزيز آل سعود بسبب العداء التاريخي مع الهاشميين , هنا , وفي إطار الحرب الإعلامية والسياسية آنذاك , ألقى شاعر البلاط السعودي (( وهو الدبلوماسي والكاتب اللبناني فؤاد حمزة )) بيتاً شعرياً ساخراً يمزج العربية بالإنجليزية , متهكماً على سهولة النصر الهاشمي المستند إلى دبابات الإنكليز: (( بِسَيْفِكَ لا بِسَيْفِ الإنْكِلِيزِ دَخَلْتَ الشَّامَ إِيزِي ثُمَّ إِيزِي )) , حيث استخدم الكلمة الإنجليزية Easy للدلالة على الهزل والسهولة المطلقة التي وفرها المستعمر.

نأتي الى العِبرة التاريخية التي يقصدها هيكل ليقول : من جاء به الأجنبي , يملك الأجنبي قرار بقائه أو عزله , وبالفعل , لم يدم حكم الملك فيصل في دمشق سوى عامين تقريباً (1920) , إذ تخلت عنه بريطانيا بموجب اتفاقية (( سايكس بيكو )) لتقع الشام تحت الانتداب الفرنسي بعد معركة ميسلون , مما يثبت القاعدة الذهبية: ((الاستقواء بالخارج على أبناء الوطن عاقبته السقوط ومزبلة التاريخ )) .

تكمن أهمية هذه الحادثة التاريخية في تفكيك ثلاثة مفاهيم أساسية في العلوم السياسية , الأول , شرعية (( الإيزي )) او الشرعية المستعارة , او السلطة التي تنشأ في ظلال دبابات غريبة تفتقر إلى (( الشرعية المحلية الحقيقية )) , هذه السلطة تولد هشّة , لأن قوتها ليست نابعة من تماسك مجتمعها , بل من رغبة الراعي الخارجي في إبقائها , والثاني ازدواجية وتناقض صانع القرار الخارجي بريطانيا عام 1915 (( بين مكتبي القاهرة ودلهي )) تشبه أي قوى عظمى حديثة تتعدد أجهزتها الاستخباراتية والدبلوماسية , وتصنع لنفسها عدة حلفاء محليين متناقضين , وتدير اللعبة بينهم لضمان مصالحها هي فقط , وليس مصلحة أي طرف عربي , والثالث صدمة التخلي والاستبدال, لأن المستعمر لا يملك حليفاً دائماً بل مصلحة دائمة , الأمير فيصل الذي طُرد من دمشق بأمر فرنسي وتواطؤ بريطاني , أُعيد توظيفه لاحقاً في العراق عام 1921 لتهدئة ثورة العشرين وإيجاد صيغة حكم تضمن مصالح بريطانيا هناك.

يريد هيكل من متابعيه إسقاط معادلة (( بِسَيْفِكَ لا بِسَيْفِ الإنْكِلِيزِ.. دخلتَ الشام (أو بغداد) إيزي ثم إيزي )) على المشهد العراقي بعد عام 2003 , حيث يكشف تطابقاً مذهلاً في السلوك السياسي والنتائج , فمثلما دخل الأمير فيصل دمشق بدعم (( لورنس العرب )) ومدافع الإنكليز , دخلت النخبة السياسية العراقية المعارضة إلى بغداد عام 2003 على متن الدبابات الأمريكية وبقرار من المحافظين الجدد في واشنطن (( النسخة الحديثة من الإنكليز )) , وقد تم احتلال بغداد (( إيزي )) - بسهولة بالغة عسكرياً - لأن النظام السابق كان قد أُنهِك تماماً وتآكلت بنيته بفعل سنوات الحصار الطويل والحروب, وتوهم القادمون الجدد أن السلطة استتبت لهم بفضل (( السيف الأمريكي )) متناسين أن هذا السيف لم يُشْهَر لسواد عيونهم , بل لمصالح جيواستراتيجية أمريكية بالكامل.

وهكذا وتماماً كما كانت حكومة الهند البريطانية تدعم ابن سعود بينما مكتب القاهرة يدعم الشريف حسين , عاش العراق بعد 2003 تضارباً هائلاً بين مراكز القوى الخارجية , واشنطن (( بمؤسساتها المتصارعة: البنتاغون , السي آي إيه , والخارجية )) صممت نظاماً سياسياً مشوهاً (( المحاصصة الطائفية )) , والقوى الإقليمية (( وعلى رأسها إيران )) دخلت على خط النفوذ مستغلة الفراغ , ليتكرر مشهد تعدد (( الرعاة )) الدوليين وتضارب أجنداتهم , الذين يتصارعون على أرض العراق , ويدفع الشعب العراقي ثمن تصفية الحسابات بينهم.

برزت أزمة الشرعية والتبعية للخارج , فالسياسيون الذين تسلموا دفة الحكم بعد 2003 عانوا من نفس (( عقدة فيصل الأول في دمشق )) , أي غياب الشرعية الداخلية الحقيقية, وبدلاً من بناء جسور الثقة مع الشعب العراقي وبناء دولة مواطنة , استمر أغلبهم في (( الاستقواء بالخارج )) أمريكياً تارة , وإقليمياً تارة أخرى للبقاء في السلطة , وقد أدى هذا الاستقواء إلى نشوء طبقة سياسية معزولة تماماً عن واقع ومعاناة المواطن العراقي , تفتقر لسيادة القرار , وتتحرك بإشارات تأتي من عواصم القرار الخارجي.

إن العِبرة التي صاغها التاريخ في دمشق عام 1920 (( خروج فيصل بعد تخلي بريطانيا عنه )) تجلت بأشكال مختلفة في العراق بعد 2003 , تخلّي الراعي الخارجي عندما قررت أمريكا تقليص وجودها أو سحب قواتها في فترات معينة , اهتزت العملية السياسية بعنف (( كما حدث إبان اجتياح داعش عام 2014 , أو الاضطرابات السياسية المستمرة )) , لتبقى المعادلة لا تتغير فأي نظام سياسي يرتكز على (( سيف الخارج )) يظل مهدداً بالسقوط في أي لحظة يقرر فيها هذا الخارج سحب سيفه , أو تغيير قواعد اللعبة , أو المساومة مع قوى أخرى.

يريد هيكل ان يقول إن عبارة (( إيزي ثم إيزي )) ليست مجرد دعابة تراثية شاميّة , بل هي قانون سياسي صارم صاغه الوجدان الشعبي العربي الساخر تلخيصاً لعواقب الاعتماد على المحتل , وما حدث في العراق بعد 2003 هو التطبيق المعاصر والأكثر مأساوية لهذا القانون , فالسلطة التي تُقدّم على طبق من ذهب بدعم خارجي , تُسلب سيادتها , وتفقد كرامتها الوطنية , وتتحول إلى رهينة بيد صانعها , ليظل الوطن يدور في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار حتى يدرك الفاعل السياسي أن (( سيف الوطن وشعبه )) هو الوحيد الذي يحمي الأرض ويبني الدولة , أما سيف (( الإنجليزي أو الأمريكي أو الإقليمي )) فسرعان ما يُغمد أو يُوجه لصدر من استعان به.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .


المزيد.....




- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
- مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل
- في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال ...
- شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .