أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حسجة المراسم .














المزيد.....

مقامة حسجة المراسم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 13:26
المحور: الادب والفن
    


مقامة حسجة المراسم :

يقول بيت (( الأبوذية )) : (( مرة بحبل جتفني مرا سيم , مرة حنضل يصبلي مرا سم , عدل وجفاك سوالي مراسيم , دفن وجنازة ويشيعون بيه )) , وهو لوحة شعرية شعبية عراقية تجسد قمة الألم , القهر , واللوعة العميقة, حيث يصف الشاعر فيه مرارة العذاب الذي يتلقاه من الحبيب أو الزمان , حين تفنن في تعذيبه بشتى الطرق حتى أوصله إلى الموت حسرةً , (( مرة بحبل جتفني ومرة سيم )) , هنا يشكو الشاعر من قسوة الحبيب/الزمان , فتارة يقيد حريته وحركته بحبل , وتارة أخرى بـ (( السيم )) وهوالسلك المعدني الذي يقطع الجسد ويضاعف ألمه وضيقه , (( مرة حنضل يصبلي )), هنا يصف مرارة الهجران والألم الذي يتجرعه , مشبهاً إياه بشرب (( الحنضل )) وهو نبات شديد المرارة , (( مراسم عدل )) , يقصد أن الحبيب عامله بقسوة شديدة وهو على قيد الحياة , حيث أذاقه ألوان العذاب النفسي والجسدي , (( وجفاك سوالي مراسيم )) يقصد الهجران والصد - الجفاء - من الحبيب , والذي أوصل الشاعر إلى حالة اليأس التام , (( دفن وجنازة ويشيعون بيه )) نتيجة لهذا العذاب المستمر والقهر , مات الشاعر كمداً , لدرجة أن الحبيب أقام له مراسم الدفن والجنازة والتشييع , في إشارة إلى القسوة المطلقة التي لم تتوقف إلا بموته.

يستعرض الشاعر أنواع العذاب المختلفة التي تعرض لها , والتي تدرجت من القيد والتعذيب إلى تجرع المرارة , لتنتهي بوفاته وقيام من عذبه بمراسم تشييعه وجنازته , في صورة تراجيدية تعبر عن الحب القاتل أو الظلم الكبير , ويمكن تحويل هذا النص الإنساني والوجداني الشاعري إلى قراءة سياسية وإسقاط واقعي يصف عذابات الشعب العراقي جراء الاحتلال وذيوله لتكون مقاربة بليغة جداً , فالأدب الشعبي العراقي (( لا سيما الأبوذية )) طالما كان لسان حال المظلومين , وحمال أوجه يدمج بين لوعة العشق وقهر السياسة.

وفي إعادة تفسير وصياغة لهذا البيت تخرجه من فضاء (( الغزل والزمان )) إلى فضاء الوطن المستباح والاحتلال , نجد قراءة سياسية في أبوذية (( المراسم )) تشرح عذابات العراق بين قيد الاحتلال وسموم الذيول , وينقلب بيت الأبوذية في هذا السياق من شكوى العاشق إلى صرخة وطن محتل , وتتحول مفرداته إلى توثيق حي للمأساة العراقية بعد الاحتلال , حيث يمثل (( المعذِّب )) هنا قوى الاحتلال و(( الذيول )) التي تسلطت على رقاب الشعب.

عند تفكيك الأبيات وإسقاطها على واقع الاحتلال , (( مرة بحبل جتفني, مرة سيم )) , وتلك هي قيود الاحتلال وسلب الحرية , هنا تجسيد حي لظلم الاحتلال وسحقه لكرامة الإنسان العراقي , و (( الحبل والسيم )) - الأسلاك المعدنية ليست مجرد أدوات تقييد , بل هي إشارة مباشرة إلى مشاهد الاعتقالات العشوائية , التكبيل , السجون المظلمة - كأبو غريب وغيره - وجدار الأسلاك الشائكة التي قطعت أوصال المدن العراقية وسلبت المواطن حريته وأمانه في وطنه.

(( مرة حنضل يصبلي مرا سم )) , تجريد العيش وسلّط السموم , ينتقل الشاعر لوصف ما بعد الأسر , وهو العيش المرير , و (( الحنضل والسم )) يرمزان إلى الواقع المزري الذي جلبه الاحتلال وذيوله , من حرمان , وفقر , وضياع للثروات , وتجريد المواطن من أبسط حقوقه - الماء , الكهرباء , الأمان - كما تشير عبارة (( يصبلي مرا سم )) إلى السموم الطائفية والسياسية التي حقنتها ذيول الاحتلال في جسد المجتمع لتمزيق نسيجه.

(( عدل وجفاك سوالي مراسيم )) , الموت السريري للوطن والجفاء الممنهج , (( الجفاء )) هنا ليس هجران حبيب , بل هو جفاء الوطن الذي غُرب فيه أهله , وتنكر (( الذيول )) لانتمائهم العراقي وولائهم للخارج , لقد جعلوا المواطن يمر بـ (( مراسيم )) الموت وهو لا يزال على قيد الحياة - ميت سريرياً ونفسياً - بسبب القهر والاقصاء والتهميش , وكأن العراقي يعيش جنازته اليومية وهو يرى بلده يُنهب أمامه.

(( دفن وجنازة ويشيعون بيه )) , وتلك قمة التراجيديا والنفاق السياسي , هذه الصورة هي الأشد إيلاماً وتطابقاً مع واقع (( الذيول )) بعد أن تسبب الاحتلال وأتباعه في قتل الشباب , وتدمير المدن , وتصفية الكفاءات , يسيرون اليوم في (( جنازة )) هذا الوطن , إنها إشارة إلى النفاق السياسي , حيث يقتلون القتيل ويمشون في جنازته , يتباكون على دماء الشهداء في العلن , وهم الأدوات الفعلية التي حفرت القبر لهذا الشعب.

ورغم قتامة هذه اللوحة التراجيدية التي حيكت بخيوط الألم , ورغم أن المشهد ينتهي بمراسم دفنٍ ونفاق سياسي يحاول إعلان موت الوطن , إلا أن في عمق هذه (( الحسجة )) الشجية يكمن سرّ المقاومة والخلود العراقي , فالشعب الذي يمتلك الوعي الكافي لتحويل وجعه التاريخي إلى أدب بليغ يُعرّي به جلاديه , هو شعبٌ يرفض الموت الحقيقي , ويرفض أن يطويه النسيان , وإن توثيق الجريمة بالشعر هو أولى خطوات الرفض , والذاكرة الحية هي العدو الأول لكل احتلال وذيل , والتاريخ العراقي يُثبت دائماً أن هذا الوطن قد يمر بمراحل من (( الموت السريري )) بفعل المؤامرات , لكنه لا يموت نهائياً , ومهما أحكموا وثاق (( الحبل والسيم )) , ومهما تمادوا في صبّ سمومهم , فإن المشيعين لن يفلحوا في دفن وطنٍ ينبض أبناؤه بالحياة , العراق - كطائر الفينيق - يحمل في طيات جراحه بذور القيامة والانبعاث , فمن يملك الإرادة والجسارة لتوثيق مرارة موته بهذا الكبرياء , يملك حتماً القوة لصناعة فجر حريته من جديد , ولو بعد حين .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .


المزيد.....




- الإقبال على موسيقى البوب الروسية يقفز سبعة أضعاف في ثلاثة أش ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حسجة المراسم .