أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي .















المزيد.....

المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 11:10
المحور: الادب والفن
    


الحلمنتيشي : هو فن أدبي وشعري فكاهي ساخر يمزج بين اللغة العربية الفصحى واللهجة العامية , مع الالتزام بقواعد الوزن والقافية , يهدف عادةً إلى نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية بأسلوب هزلي , وقد ابتكر هذا الفن في أوائل القرن العشرين الشاعر حسين شفيق المصري , ويُعزى اسم (( حلمنتيش )) إلى فرقة كانت تعرض هذا النوع من الفكاهة , أو هو مصطلح منحوت من (( حلا من تيشي )) , النتش الحلو أو الفشر , ومن أشهر رواده الذي عارض (( المعلقات )) بقصائد سماها (( المشعلقات )) , وقد لمعت أيضاً أسماء مثل بيرم التونسي , أحمد قنديل وشوقي أبو ناجي وعبد العليم القباني و مصطفى رجب , ومن المعاصرين ياسر قطامش وعمرو قطامش .

يعتبرالشعر الحلمنتيشي نوعا من الشعر المعاصر , يمزج فيه الشاعربين الفصحى والعامية , ويعتمد على الفكاهة والسخرية وينتشر في مصر والسودان , ومن خصائص هذا الشعر المعارضة الشعرية , حيث يقوم على معارضة قصائد التراث العربي المعروفة ولكن بشكل مقلوب ومضحك , والمفارقة باستخدام ألفاظ فصحى رصينة في سياق كوميدي مع إدراج كلمات عامية أو أجنبية , والهدف هو التنفيس عن هموم المجتمع , محاربة الفساد , ومناقشة قضايا الحياة اليومية .

إنَّ تهجين اللغة العربية الفصيحة مع اللهجة العامية , جعل هذا الأدب مميزا من خلال تشكيله واستخدام التنوين ووصله مع ضمائر الفصحى وأدواتها وإبقائه على لفظها العادي , فالموضوع في القصيدة الفصيحة يطغى عليها طابع الصناعة اللغوية الفصحى , أما في الأدب (( الحلمنتيشي )) فالقصيدة تؤدي غايتها مهما كان هدفها , لكن في إطار جاد وكلماتها معبرة لجعل النص أكثر جدية في زمن أصبحت فيه السخرية جزءا من الحياة اليومية التي لا يمكن أن يمر يوم بلا سخرية , ولا يُمكن اعتبار الشعر (( الحلمنتيشي )) خارجا عن الضرورة في زمن ظهوره وتطوره , ويعتبر جزءًا من الحياة اليومية في ظرف أصبحت فيها السخرية اليومية جزءًا من الحياة التي لا يمكن أن تمر بلا سخرية , باعتبارها تنتمي إلى الفئة البسيطة والهامشية.

يعد تحويل مفهوم الشعر الحلمنتيشي وتطبيقه على أدب ما بعد غزو العراق (2003) مقاربة نقدية ذكية جداً , فالبيئة العراقية بعد عام 2003 , بما شهدته من مفارقات سياسية , واجتماعية , وتردٍّ في الخدمات , وظهور طبقة سياسية هجينة , شكّلت أرضاً خصبة جداً لـ(( السخرية السوداء )) , وهي الجوهر الحقيقي للحلمنتيشية ولكن بثوب عراقي مأساوي , وإذا كان الشعر الحلمنتيشي قد انطلق في أوائل القرن العشرين بمصر والسودان كفنٍ فكاهي يمزج الفصحى بالعامية لمعارضة المعلقات ونقد المجتمع , فإن هذا الفن قد شهد (( إزاحة دلالية ووظيفية )) كبرى عند سحبه على المشهد الأدبي العراقي بعد عام 2003 , لم يعد الحلمنتيشي في العراق مجرد (( تفكيك مضحك )) للتراث , بل تحول إلى أداة تشريح سياسي واجتماعي لاذع , يعكس حجم المفارقة الصادمة بين شعارات (( الديمقراطية والتحرير )) وواقع (( المحاصصة والفساد والانفلات الأمني )) .

نرى ذلك جلياً في هذا النموذج : (( بَانَتْ سُعَادُ فَإِفْسَادِي وَإِيفَادِي وَقَدْ رَكِبْتُ جِكْسَاراً بِلَا هَادِي , قَالُوا التَّقَشُّفُ قَدْ حَلَّتْ عَقَارِبُهُ فَقُلْتُ: مَهْلاً , فَمَا تَعْطِيلُ أَمْجَادِي؟ أَنَا المُوَظَّفُ فِي الخَضْرَاءِ مَرْتَبَتِي وَالكَوْسَجُ العُودُ فِي تَعْيِينِ أَوْلَادِي , لَا تَعْذِلِينِي فَإِنَّ المَالَ مُقْتَسَمٌ بَيْنَ الكُتَلْ , وَالمَعَاشُ اليَوْمَ بِالضَّادِ )) هنا يقوم الشاعر بمعارضة القصيدة التراثية الشهيرة , لكنه يسقطها على مسؤول عراقي نال منصباً بعد الغزو , ويمزج فصحى التراث بمصطلحات المعاملات والسيارات الحديثة , والمفارقة الحلمنتيشية هنا استخدام البنية الكلاسيكية لقصيدة كعب بن زهير , وإقحام كلمات مثل (( جكسارة/جكسار )) , (( المنطقة الخضراء )) , (( الكوسج - للإشارة للحوت الكبير أو الحامية )) , والتلاعب بلفظة (( الكتل السياسية )) و(( المعاش )) .

وفي نموذج آخر يجسد مأساة الخدمات والكهرباء عبر معارضة المتنبي في الشكوى : (( أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ وَمِلْيُونُ (أَمْبِيرْ) وَالحَرُّ يَشْوِي رَعَايَا ذَلِكَ المِيرْ , بُعِثَ (المُوَلِّدُ) فِي الحَيِّ لَنَا مَلِكاً يُطْفِىءْ وَيُشْعِلُ فِي وَقْتِ التَّصَاوِيرْ , نَامَتْ خُطُوبِي وَلَمْ تَنَمْ صَاعِقَةٌ تَقْطَعْ (سِلِكاً) فَنَبْكِي كَالعَصَافِيرْ , يَا أَيُّهَا الوَطَنُ المَسْكُوبُ فِي قَدَحٍ هَلْ لِلْمُكَيِّفِ بَعْدَ اليَوْمِ تَدْوِيرْ؟ )) , هذه معارضة المتنبي في الشكوى (( مأساة الخدمات والكهرباء )) , في هذا النموذج , يتم استعارة كبرياء المتنبي وأنفته الفصيحة , وصبها في قالب مضحك ومبكي يعالج أزمة (( المولدات الأهلية )) والأمبيرات في حر الصيف القائض , والمفارقة الحلمنتيشية في تحويل مطلع المتنبي الغزلي الفلسفي (( أرق على أرق ومثلي يأرق )) إلى شكوى بنيوية لغوية مريرة عن الأمبير وسلك المولد , مع الحفاظ على التشكيل والتنوين الفصيح لإكساب المعاناة اليومية البسيطة هيبة ملحمية ساخرة.

لقد تميز الأدب الحلمنتيشي العراقي بتوليد لغة هجينة تمزج بين رصانة الفصحى (( لغة الخطابات السياسية الرسمية والبيانات والمحطات الفضائية )) وبين العامية العراقية الدارجة المليئة بالوجع واليوميات , فضلاً عن إقحام مصطلحات أجنبية دخلت مع الغزو (( مثل: بريمر , الحواسم , المنطقة الخضراء , السيطرات , الجكسارة ....الخ )) , هذا التمازج يخلق مفارقة لغوية تُسقط الهيبة عن الخطاب السلطوي , وبدلاً من معارضة المعلقات الجاهلية بغرض الفكاهة المحضة , عارض الشعراء العراقيون قصائد المديح الفخمة وقصائد الانتماء القومي الكلاسيكية , ليعيدوا إنتاجها في سياق كوميدي باهت يصف طوابير البنزين , وانقطاع الكهرباء , وهرب المسؤولين بجوازاتهم الأجنبية , ومن جماليات المفارقة والسخرية السوداء , استخدام التنوين , وأدوات النحو الفصيحة , ووصلها بضمائر وعبارات عامية عراقية قحة (( مثل: رأيتُهُ مَبحوحاً من اللطمِ , وجيب ليل واخذ عتابا )) , لتبدو القصيدة جادة وبنيوية من الخارج , لكنها تحمل في أحشائها تهكماً لاذعاً يشرّح الواقع المرير.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...
- مقامة فلسفة الشعر: حين يصبح البقاء هو السفر الحقيقي .
- مقامة الحب المالح .
- مقامة الرومانسية السوداء .
- مقامة لميعه خاتونة الشاعرات : في الذكرى الخامسة لرحيلها .


المزيد.....




- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي .