أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الشفاء الروحي .














المزيد.....

مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الشفاء الروحي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 10:51
المحور: الادب والفن
    


مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الشفاء الروحي.

(( أصل الغرام نظرة )) , من أشهر )) الأدوار)) في التراث الموسيقي والغنائي العربي , وقد بُني هذا الدور على مقام الراست , وهو من المقامات الأساسية التي تعطي طابعاً فيه الكثير من الطرب والأصالة , وتقول كلمات الدور : (( أصل الغرام نظرة يا شبكتي يا عيني من العين , الوعد كان يجرى للعين هو ده كان غايب فين , يللي كويت الفؤاد ارحم أسباب ضنايا العين , الوعد كان يجرى يا عيني هو ده كان غايب فين )) , تحفة فنية خالدة , تمس وتراً حساساً في الوجدان , وتفتح نافذة على زمن كان فيه الطرب صلاةً فنية تُقام في محراب النغم الأصيل ,وطربية جميلة تفسر سر تعلق الأجيال الأصيلة بهذا الإرث الرفيع .

ثمة ألحان لا تمر على السمع مرور الكرام , بل تتسلل إلى الروح كنسيم بارد في ليلة صيفية , وتستقر في خلايا الذاكرة لتصبح جزءاً من الهوية الوجدانية , وفي طليعة هذه الروائع يقف دور (( أصل الغرام نظرة )) ذلك الأثر الفني الخالد الذي صاغه صانع النهضة الموسيقية , الموسيقار المصري العبقري محمد عثمان , وشدا به رفيق دربه وقيثارة عصره عبده الحامولي , ليتناقله من بعدهما عمالقة الغناء العربي , وفي مقدمتهم الراحل الكبير صباح فخري , كأمانة نغمية عابرة للأجيال.

لا يمكن فهم عبقرية هذا الدور دون التوقف عند الأساس الذي بُني عليه , وهو مقام الراست , والراست في الموسيقى الشرقية ليس مجرد سلم نغمي , بل هو (( ملك المقامات )) وأصلها , يحمل في ثناياه وقاراً وهيبة , وفي الوقت ذاته يفيض بالحنين والشجن والبهجة الممتزجة بالوقار , وفي (( أصل الغرام نظرة )) يطوع محمد عثمان هذا المقام ليخلق معماراً لحنياً يتميز بالحوارية النغمية (( الآهات والهنك )) حيث يبدأ الدور بمذهب هادئ يمهد للنص الحسي , ثم يتصاعد تدريجياً ليفسح المجال للمطرب لكي يرتجل , ويحاور العازفين والبطانة عبر (( الآهات )) الرنانة التي تهز القلوب وتنتزع الآهات من صدور المستمعين , ويتوهج جلال مقام (( الراست )) في التطريب الذكي للحن الذي لا يفرض نفسه قسراً , بل يمنح المؤدي مساحة للتنفس والتطويح بالسامعين بين القفلات الطربية المحكمة والتموجات النغمية الدقيقة (( الميكروتون والربع تون )) التي تميز هويتنا الشرقية.

رغم بساطة كلمات الدور الظاهرية , الا انها تلامس الحقيقة الإنسانية الأولى للحب (( أصل الغرام نظرة يا شبكتي يا عيني من العين )) , إنها صياغة بليغة للاختلاج الأول , للمصادفة التي تصبح قدراً , حيث (( الوعد كان يجرى )) والعين هي المبتدأ والمنتهى , هذا المزاوجة بين الكلمة الرشيقة واللحن الرصين تخلق حالة من السلوى الروحية , فالشكوى هنا ليست صراخاً , بل هي مناجاة مهذبة وعتب شفيف (( يللي كويت الفؤاد ارحم )) , يترفع عن الابتذال ويسمو بالمشاعر إلى فضاءات التسامي والتجلي.

ونتسائل , لماذا يستهوي هذا الفن جيل الأصلاء ؟ إن انحيازجيل الكبار الذي خبر الحياة وعاش زمن التحولات الكبرى إلى هذا اللون من الغناء ليس مجرد حنين عاطفي عابر (( نوستالجيا )) , بل هو انحياز قيمي وجمالي واعي , تكمن أسبابه في النضوج الإنساني والوجداني , لأن تذوق الدور يحتاج إلى (( أذن مدربة )) وروح هادئة تستطيع تتبع مسارات اللحن الملتوية وفهم الصمت والوقفات اللحنية بين الجمل , ان الجيل الذي نشأ على القراءة الرصينة والأدب الرفيع يجد في تعقيدات الدور الموسيقي متعة عقلية وروحية توازي متعة قراءة رواية كلاسيكية محكمة البناء , على عكس الإيقاعات السريعة المعاصرة التي تخاطب الأجساد لا الأرواح .

يمثل دور (( أصل الغرام نظرة )) بحثا ومعقلاً عن الأصالة والهوية والتراث في عالم سريع التغير تلاشت فيه الكثير من الملامح الثقافية , سماع هذا الدور بلفظ مخارج الحروف السليم , والتلوين النغمي , والأداء المتمكن , يعيد إلى الذاكرة صورة (( الصالونات الثقافية )) واللقاءات الفكرية الراقية , حيث كان الفن رسالة والكلمة مسؤولة , ويعيد الارتباط بـ (( طقس )) السلطنة , بالنسبة لجيل الفن الراقي لم يكن الاستماع إلى الموسيقى يوماً نشاطاً هامشياً أو خلفية ضوضائية أثناء العمل , بل كان (( طقساً )) مقدساً يتطلب خلوة البال , واجتماع الأحبة , والإنصات التام لمتابعة تجليات المطرب وهو ينتقل من مقام إلى مقام ومن جواب إلى قرار , هذا الطقس يمنح الروح السكينة والهدوء , ويشفيها من صخب الحياة اليومية وضوضائها المعاصرة.

يعجبني الغناء خصوصا مايطرب منه , تلك صفة رافقتني منذ أيام الصبا , ومع تقدم العمر وتطور الفهم بدأت أحس ان روحي تتفاعل معه بفرح يصل لدرجة البكاء , وهذه الاغنية من مثابات القلب , بل هي بيرق الأشواق في ميدان القلب , لها عدا ما فيها من حساسيات طربية وتعبيرية ذكريات لاتزال تنبش في الفؤاد , كم كان الامر بحاجة الى حميمية هامسة منفردة تقطع كل وحشة الزمان , حميمية عزّت على الواحد منا في زمن الانكشاف اللزومي , فعاد لكل همسةٍ صدى ولكل آهةٍ كومبارس ولكل نجوى مكبر صوت , (( وإذا صَفا لكَ من زمانِكَ واحِدٌ , فهو المُراد وعِش بذاكَ الواحدِ )) , باسل ٌ ومغوار ٌ أنت يا ابن الفارض , إن سماع دور (( أصل الغرام نظرة )) بصوت صباح فخري , وهو يتلاعب بالآهات وكأنه يرسم لوحة في الفضاء , يعيدنا دائماً إلى حقيقة أن الفن العظيم لا يموت , وأنه كلما عتق كالنبيذ , زاد حلاوة وعمقاً في قلوب من يعرفون قيمة النغمة الحرة والكلمة الصادقة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .
- مقامة العبارة التي أستدعت مقالا : كيمياء الذاكرة , حين تصبح ...


المزيد.....




- مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
- أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون ...
- شركة الكهرباء في جزيرة كيش: عودة التيار الكهربائي إلى المناط ...
- محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات ...
- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...
- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الشفاء الروحي .