أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.














المزيد.....

مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:38
المحور: الادب والفن
    


في أواخر خمسينيات القرن الماضي , لم تكن بغداد مجرد عاصمة للشعر واللوحات , بل كانت مرجلاً يغلي بالصراعات الأيديولوجية الطاحنة , في ذلك الزمن القاسي , تحولت الأفكار السياسية إلى مقاصل تذبح في طريقها أسمى قيم الإنسانية , والصداقة , والوفاء , وفي قلب هذا الإعصار , ولدت قصة هي الأكثر شجناً ووجعاً في الذاكرة الثقافية العراقية , قصة رواها الفنان التشكيلي الراحل نوري الراوي بمرارة اعتراف متأخر , ظل ينهش ضميره حتى الرمق الأخير.

بدأت الحكاية حين قرر الشاعر بدر شاكر السياب أن يخلع عباءة الحزب الشيوعي العراقي وينشق عنه , لم يكن خروج السياب حدثاً عادياً , بل كان زلزالاً معنوياً أصاب جسد الحزب , خاصة بعد أن شرع الشاعر في كتابة مقالاته الشهيرة (( كنتُ شيوعياً )) , هنا , تحركت الآلة الحزبية الصارمة , لا لمناقشة الفكرة , بل لتدمير الإنسان , صدرت الأوامر الحتمية لرفاق الأمس بمقاطعة (( المنشق )) واستفزازه وعزله عن العالم .

كان نوري الراوي حينها مثقفاً محاصراً بين مطرقة الالتزام الحزبي الأعمى وسندان ميثاق الصداقة , والسياب لم يكن غريباً عنه , فقد جمعتهما زمالة السنين في وزارة التجارة (( مديرية الاستيراد )) , وتقاسما معاً أحلام الشباب , ونشرا مقالات مشتركة تدمج الفن بالشعر , وساهما في ترجمة سير الفنانين الانطباعيين , لكن الأيديولوجيا حين تعمي البصائر , تحوّل الصديق إلى عدو لدود , كُلف الراوي بمهمة قاسية : أن يذهب ويهين رفيق دربه علناً .

توجه الراوي إلى مقهى (( حسن عجمي )) ذلك الفضاء البغدادي العتيق المضمخ برائحة الشاي والتبغ وقصائد الجواهرسي والسياب , في زاوية منزويه , كان السياب جالساً في خمرة عصاري بغداد , نحيلاً , متعباً , يرتشف الشاي في عزلة بدأت تفرضها عليه الأيام والمرض العضال الذي بدأ يتآكل معه عموده الفقري .

اقترب الراوي , ولم يكن يحمل في جيبه تحية الصداقة , بل سوط التقريع , كال للسياب الشتائم والتوبيخ لبراءته من الحزب , ولم ينتهِ المشهد عند حدود الكلام , بل امتدت يد الراوي , مدفوعة بجهل الموقف الحزبي , لتصفع خد السياب أمام رواد المقهى. لم يستطع السياب رد الصفعة , لم تسعفه قواه الجسدية الخائرة , ولا جسده النحيل للمواجهة , اكتفى بذهول الصديق المخذول , وصمت العبقري الذي تتكالب عليه الأيديولوجيا والمرض في آن واحد , نظر إلى صديقه بنظرة عتاب طعنت روح الراوي إلى الأبد.

عاشت تلك الصفعة عقوداً طويلة , لكنها لم تدم على خد السياب الذي رحل مبكراً , بل ارتدت لتستقر ثقلاً جاثماً على صدر نوري الراوي , وفي خريف عمره , كان الراوي يستعيد هذه الحادثة , لا ليوثق موقفاً سياسياً , بل ليغسل بدموع الندم خطيئة (( الالتزام الأعمى )) , وكان يقول والأسى يعتصر كلماته :(( أنا إلى اليوم أشعر بتأنيب الضمير )) .

إنها مأساة جيل كامل , جيل انتصرت فيه العقيدة السياسية مؤقتاً على الإنسانية , لتبقى تلك الصفعة رمزاً لمرارة الندم الثقافي , وشاهداً على أن السياب لم يمت بفعل مرض الجسد وحده , بل نهشته أيضاً قسوة رفاق الأمس الذين ضحوا بعبقرية شاعر من أجل وهم أيديولوجي زائل .
الدروس والعبر المستنبطة من القصة :

1. خطورة الالتزام الأعمى وإلغاء العقل . تثبت القصة أن تسليم القياد الفكري والإنساني لأي جماعة أو أيديولوجيا (( سياسية , دينية , أو فكرية )) دون تحكيم للضمير والإنسانية يحول الإنسان إلى أداة لارتكاب الفظائع , الالتزام الحزبي الأعمى ألغى عقل الراوي وإنسانيته , وجعله يرى في صديقه (( عدواً )) يستحق الإهانة.

2. الأيديولوجيات تزول والإنسانية تدوم . ذهبت الأحزاب , وتغيرت الأنظمة السياسية , وتلاشت الصراعات الفكرية لتلك الحقبة , ولم يتبقَ في الذاكرة سوى شعر السياب وإنسانيته , وثقل الندم في صدر الراوي , هذا يؤكد أن أي موقف يُبنى على حساب القيم الإنسانية هو موقف خاسر في محكمة التاريخ .

3. الصداقة ميثاق أخلاقي لا يجوز تسييسه . العلاقات الإنسانية , والزمالة , والوفاء هي روابط مقدسة يجب أن تترفع عن الخلافات الفكرية , اختلاف السياب في رأيه السياسي لم يكن يبرر بأي شكل من الأشكال خذلانه من قِبل أصدقائه , فالأفكار تتغير لكن المواقف الأخلاقية لا تتجزأ.

4. عبء الندم المتأخر وعذاب الضمير. الجرح الذي يلحقه الإنسان بالآخرين قد يمر عليه زمن طويل , ولكنه لا يموت , عاش الراوي عقوداً طويلة يعذب نفسه بندم متأخر , فالضمير الإنساني قد ينام تحت تأثير حماس الشباب أو ضغط الجماعة , لكنه يستيقظ حتماً ليحاسب صاحبه بقسوة عندما تنقشع الغشاوة.

5. هشاشة المثقف أمام طغيان (( القطيع )) . تكشف الحادثة عن مأساة المثقف عندما يتخلى عن دوره كحامل لمشعل التنوير والإنسانية , ويتحول إلى (( منفّذ أوامر )) في قطيع حزبي , القوة الحقيقية للمثقف تكمن في قدرته على قول (( لا )) عندما تتصادم التوجيهات مع مبادئه الأخلاقية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...
- مقامة غربة : اللوعة حين صار الوطن (( تعللاً )) .
- مقامة السرديات .


المزيد.....




- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...
- بعدما خطفت الأنظار في كأس العالم.. صورة لاعب الرأس الأخضر وح ...
- -الأوديسة- في صالات العرض، ماذا نعرف عن فيلم كريستوفر نولان ...
- شجرة البتولا... الرمز الذي لا تكتمل صورة روسيا من دونه
- مبادرة شبابية في غزة توظف الذكاء الاصطناعي لكسر الحصار الرقم ...
- نزع صور الفنان اللبناني محمد إسكندر في يبرود قبل حفله بوادي ...
- وفاة -سيدة الحمام- الشهيرة
- -مينيونز والوحوش-.. رسالة في حب السينما الصامتة
- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.