أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .















المزيد.....

مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


يتأوه الناس في أوقات الحزن والطرب والشجن , والآه سرٌّ يعيش في منطقة لها مكمن خاص في القلوب , ولكل آه درجة ترفعها أو تخفضها مناسبة الانفعال وقوته , أغنية (( آه من لقاك في أول يوم ونظرتك لي بعينيك )) كتبها بيرم التونسي ولحنها زكريا أحمد وغنتها أم كلثوم , تشارك الثلاثة في آه واحدة , لكنها كانت شجرة لها فروع وأوراق ونتح ملون من المشاعر , بيرم التونسي شاعر له تكوينه الاجتماعي واللغوي والبيئي الفريد , صاغ قاموسه الشعري الغنائي الخاص , وكلماته تفوح عطراً وشجناً وعشقاً وحنيناً , آهته التي كتبها تحولت في لحن زكريا أحمد إلى ابتهالات عاطفية تسري في القلب كأنها نسمة غروب , تهب على عاشق يتحرك في قلبه نبض يرسم لون العيون التي أسرته , وعندما صارت الآه البيرمية الزكرية صوتاً يرفرف في وجدان العاشقين , تعانق الحب والشجن والأمل في العيون والأرواح والقلوب , زكريا أحمد , ملك مقام الصبا , ورسم بنغماته التي تجعل من الشجن آهات تلامس كل ما يسكن في النفوس من مشاعر تائهة.

آه من الآهات كم تحمل من عواصف وهزَّات , تقول في صمت وتفعل في سكون , مع من لهم علاقة مع شعيرة البوح الإنساني الطبيعي , فهم لا يرفعون الغطاء عما يستطيل ويستدير ويتمدد في دخيلة كل واحد منهم من مشاعر الحزن والضيق وحتى الفرح , الغناء بكل أنواعه لا تمنعه حصون او بوابات من الوصول إلى القلوب في تعبير علني عن كل ما يجيش في النفوس من مشاعر , والآهات وما يرافقها من عُرب غنائية تفيض شجناً , يجد فيها المتنصت المثقل بالهموم كوة يناجي منها نفسه , آه من الآهات , كم فيها من مناجاة وجدانية مع الذات , والآهات المرة كثيراً ما تكون لها حلاوة خاصة.

(( الآهات )) من روائع أم كلثوم , (( آه من لقاك في أول يوم , ونظرتك ليا بعنيك , خاصم عيوني ليلتها النوم , وبت اسأل روحي عليك , يا هل ترى راح يعطف على فؤاد متلهف ؟ تقول لي روحي آه , وأقول لقلبي يا قلبي حبه يعادل حبي , يقول لي قلبي آه )) , تلك هي مقدمة واحدة من روائع أغنيات أم كلثوم التي شدت بها عام 1944, ويؤكد مؤرخون وأكاديميون أنه رغم كتابة كلمات الأغنية باللهجة العامية , فإن بيرم وصل فيها إلى القمة , وارتقى بها إلى مستوى الشعر الفصيح , وأن اللحن جاء من خلاصة الغناء العربي الأصيل , أما الأداء فجاء بشكل يعجز الآخرون عن تقليده أو الاقتراب منه , واللافت أنه رغم تقديم الأغنية قبل 72 عاماً فإن نسبة مشاهداتها على موقع المشاهدة (( يوتيوب )) تتزايد بشكل مطرد , ويتسابق جمهور أم كلثوم في تحميل تسجيلات نادرة للأغنية , ويجمعون على أنها من أفضل ما غنت , وأن صوتها حين اجتمع مع كلمات بيرم وألحان زكريا أحمد , جعل عشاقها يعيشون في عالم آخر , حيث تذهب بهم الأفكار وتخطفهم الأحلام وتدغدغ مشاعرهم لتسرح في خيال الكون بعيداً , مملوءة بالآهات والشجون إلى ماض قد سلف وخطف أجمل لحظات العمر , وأن ما حافظ على بقاء هذه الأغنية خالدة إلى الآن هو توفر مربع كامل لا يصلح أن ينقص منه ضلع , ويتمثل في بيرم وزكريا وأم كلثوم وجمهورها من السميعة الذين لديهم قدرة عالية على التذوق.

وفي وقفة مطولة مع أحد أعجب ألحان زكريا وأخطرها نجدها في هذا القالب الذي وضع في الأساس للتعبيرعن لحنه الكلثومي الفذ (( الآهات )) , لقد تصدى زكريا بهذا المونولوج الفريد الغريب في فكرته وكلماته لمهمة شاقة , إذ إن النص وكما يبدو من عنوانه , يتمركز حول لفظة (( آه )) التي بدأ بها الاستهلال : (( آه من لقاك في أول يوم )) وبها كان الختام (( آه من رضاك وصدودك آه )) , ومن الاستهلال إلى الختام تكررت لفظة آه نصياً في هذه الأبيات أو الشطرات , لكن هذه الآهات هي آهات النص المكتوب , ما يعني أنها ستتكرر تلحينياً لتكون بضع عشرات , ولا سيما مع أسلوب زكريا المعروف في التقطيع والتكرار , وهو ما يعني أيضاً أنها ستتجاوز المئة مع الغناء الكلثومي وإعاداته , وهذا الشكل من الآهات المتكررة فيه مخاطرة كبيرة , لأنها تُظهر الست وكأنها نائحة , وفي رواية لم تتأكد , أن بعض مستشاري أم كلثوم حذروها من غناء هذا المونولوج , وذهب بعضهم بهواجسه حد الهلع , فقال لها : (( قد تكون فيها نهايتك )) .

استهل زكريا لحنه بمقام الهزام , واختار إيقاع الواحدة الكبيرة , وبدأ اللحن هادئاً رصيناً , تكسوه الرتابة الموحية بالإعياء والتعب , وكأن المحب المتألم يجد مشقة وعناء لإخراج شكواه وإظهار ما به من أسى ووجد , وفي التسجيل التجاري الشائع للأغنية , تكرّر أم كلثوم لفظة آه في الاستهلال 24 مرة قبل أن تنتقل إلى الكلمة التالية في الشطرة , بعضها تكرارات تلحينية , وبعضها تكرار غنائي , لكن لا تطول هذه الأجواء , إذ إن اللحن يأخذ طريقه إلى التصعيد التدريجي , وهو تصعيد يوازن فيه زكريا بين التعبير والتطريب موازنة دقيقة , لا يطغى فيها جانب على الآخر , وينهي زكريا أحمد المقطع الأول كله بمقام الهزام , ويستمر في نفس المقام مع دخوله إلى المقطع الثاني , ويلحن به السؤال: (( وأقول لقلبي يا قلبي.. حبه يعادل حبي؟ )) لتأتي الإجابة بمقام البيات الشجي : (( يقول لي قلبي آه )) ثم يعكس ما فعله , فيستمر مع البيات في السؤال التالي : (( وأرجع وأسأل عقلي.. هو الزمان هيروق لي؟ )) لتأتي الإجابة بالهزام : (( يقولي عقلي آه )) مع استمرار جمل الهزام المؤثرة الموجعة إلى نهاية المقطع.

ومن دون تغيير مقامي , يبدأ زكريا أحمد المقطع الثالث المكون من خمسة أبيات , أولها : (( وآه لما بلغت آمالي )) , ومع بداية البيت الرابع يأتي الانقلاب المقامي إلى البيات , من أول قول بيرم : (( بات السرور كله.. بيني وبينك متقسم )) , ليصل زكريا بالمستمع إلى ذروة النشوة الطربية , وكالعادة , يسمح لحن زكريا لأم كلثوم بتصرفات بالغة الجمال والبراعة , ولا نعني هنا بالتصرفات تلك الارتجالات التي يتوقف فيها اللحن تماماً , وإنما أعني التصرف أثناء السيرورة اللحنية , فتتمهل أم كلثوم مع غنة الميم في (( متقسم )) , وتكرر لفظة (( ويانا )) في قوله : (( والزهر ويانا ينظر لنا ويتبسم )) , ثم تتمهل أيضاً مع غنة (( ويتبسم )) , ثم تكمل : (( والطير يغني لي.. والموج يقول وياه )) , فينتظر الجمهور أن تتم البيت : (( والموج يقول وياه آه )) , لكنها بعد (( وياه )) ترجع إلى (( بات السرور كله )) بأسلوب يتدفق طرباً أخاذاً يكاد يحرك الحجر الساكن , ويزداد هياج الجمهور مع كل إعادة. لتأتي القفلة بالعودة للهزام وبتكرار لفظة (( آه )) تكرارات رشيقة جداً وحماسية للغاية تنتهي بآه حراقة في غاية القوة والإطراب.

وفي المقطع الرابع والأخير (( وآه لما منعت ودادك )) , ينطلق زكريا من مقام النهاوند , مع ملامسات سريعة للبيات ثم الراست , وأيضاً , يسمح اللحن لأم كلثوم بالتفنن في عبارة (( تعال شوف )) , مع مواصلة الغناء المؤثر الذي يبلغ حد الحسرة والألم مع كلمات : (( دا الأنس كان أنت.. والانسجام أنت.. والزهر كان أنت.. والابتسام )) , وبعد توالي الجمل الهادئة , يتصاعد زكريا , ويدوي صوت أم كلثوم بالاستفهام المستنكر: (( ما تقول لي فين أنت؟ )) ثم تتوالى الشطرات القصيرة المبدوءة بلفظة آه : (( آه ياللي أسست وهديت.. آه ياللي عمرت وأخليت.. آه ياللي أضحكت وأبكيت )) , لتختم الأغنية بشطرة أولها آه وآخرها آه : (( آه من رضاك وصدودك آه )) وباستقرار واضح على الهزام.

وهكذا , لم تكن (( الآه )) في هذه التحفة مجرد لفظة شجية تتردد على الألسن , بل كانت بوحاً إنسانياً شامخاً استطاع زكريا أحمد أن يستلّ من أوتاره فلسفة الشجن , وسكب فيها بيرم التونسي عصارة روحه , لتبث فيها أم كلثوم الحياة وتجعلها عابرة للزمن , إنها الآه التي ترتقي بالمشاعر من لحظة العبرة إلى ذروة النشوة , وتبقى شاهدة على أن الغناء الأصيل لا يشيخ , وأن جمر الشجن الحقيقي يظل يتوهج في أبدية الوجدان , لقد أثبت هذا المربع الخالد - شاعرٌ يغزل الشجن , وموسيقارٌ يزن الآهات بميزان الذهب , وسيدةٌ تجعل الصمت طرباً , وجمهورٌ يتقن فن الاستماع - أن المبدعين لا يموتون , وستبقى تلك الآهات الكلثومية نافذةً يطل منها كل محبٍّ مثقل بالهموم , ليجد في رجع صداها سلوى لقلبه , وحلاوةً تستعذب المرار , وأثراً لا يُمحى من ذاكرة الروح .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...


المزيد.....




- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .