أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات عاطفية.















المزيد.....

مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات عاطفية.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 10:18
المحور: الادب والفن
    


نشرت الكاتبة نغم عبود نصا شاعريا يتجاوز اللغويات التقليدية ليدخل في مناطق (( السريالية البيولوجية )) , حيث أخذت مفردات علمية جافة وحولتها إلى مجازات عاطفية وإنسانية شديدة العمق والذكاء حيث تتخذ الشاعرة من الجسد - الدم , الشرايين , الجينات , السكر , التخدير- مسرحاً للتعبير عن الخيبة , الحب , والألم , فلم يعد الجسد مجرد وعاء فيزيائي عندها , بل أصبح مختبراً انفعالياً , نزع القدسية عن الروابط , عندما تبدأ المقطوعة بعبارة حادة (( سأثبت لكم أن لا صلة دم تربطنا )) , لتفكك مفهوم القرابة التقليدي وتختزله في (( بنوك دم صناعية )) في إشارة جافة ومؤلمة لاغتراب العلاقات الإنسانية عن جوهرها.

تستحق هذه المعزوفة الشعرية للشاعرة نغم الإسهاب والتفكيك العميق , لأنها لا تكتفي برصف الكلمات , بل تبني (( معماراً أسلوبياً )) قائماً على هدم الجدار الفاصل بين الأدب المترسّخ في الوجدان وبين العلوم الطبية المحتكرة في المختبرات , ويتجلى ذكاء الشاعرة في قدرتها على التقاط المفارقات اليومية وتحويلها إلى قفزات شعرية مباغتة , مثل إطراء طبيب التخدير (( دمك خفيف , أول إطراء مخيف )) , هنا وظفت التعبير الشعبي الدارج (( دمه خفيف )) - بمعنى خفيف الظل - وضادته بالمعنى الطبي الحرفي (( سيولة الدم تحت التخدير )) , مما خلق حالة من الرعب الممتع , واستخدمت الحيل الطبية للأحلام (( أحلامي تؤرقني , سأناولها حبوبا مميعة كي تستحي على دمها )) تمزج هنا بين التعبير الفلكلوري (( استحِ على دمك )) وبين الأدوية المميعة للدم في صورة متهكمة ساحرة.

في القراءة الإسعافية المطوّلة التي تغوص في طبقات هذا النص السريالي , نجد البنية المفاهيمية ل(( تشريح الروح بمشرط بيولوجي )) , فقد اعتاد الشعر العربي والعالمي أن يقدم الحب والخذلان عبر مجازات طبيعية (( الزهور , الندى , الليل , الغيوم )) , لكن الشاعرة هنا تقلب هذه الطاولة كلياً , إنها تطرح (( مانيفستو )) مادي سريالي , في تفكيك لقدسية القرابة , حين تبدأ بـ (( سأثبت لكم أن لا صلة دم تربطنا , نحن مجرد بنوك دم صناعية )) , هي لا تنفي النسب الحيوية فقط , بل تمارس نقداً اجتماعياً لاذعاً , الإنسان في عالمها المعاصر فقد حرارة الروابط , وأصبح مجرد (( خزان )) يتم سحب المشاعر والخدمات منه دون مقابل عاطفي حقيقي , ثم نأتي الى الاختزال في تحويل الجينات الوراثية - التي تشكل هويتنا وحضارتنا كبشر- إلى (( مجرد هلاميات تسبح في شبكة شريان )) وهو تجريد قاسم , وكأنها تقول : كل ما نتوارثه من أمجاد وكبرياء ليس سوى مادة غروية عابرة لا تضمن لنا النبل أو المحبة.

يعتمد النص على شفرات الصور والجماليات المباغِتة , وعلى تقنية (( الصدمة الشعرية )) حيث تسير الصورة في اتجاه مألوف ثم تنحرف فجأة نحو منطقة غير متوقعة , كما في (( زمرة دم O+ طيبون ومكتوب عليهم إعطاء الجميع , لكنهم ماكرون , يسبحون في شراييني )) , ومن المعروف طبياً أن زمرة O+ تُسمى (( المانح العام للفئات الموجبة )) , وقد وظفت الشاعرة هذه الحقيقة العلمية ببراعة: هؤلاء الذين يمنحون الجميع دون مقابل يتصفون بـ (( المكر الروحي )) يتغلغلون في الشرايين ولا يمكن الفكاك من أثرهم.

نتابع الحركة والتضاد بين الحلاوة والألم , حيث تتحرك السطور بين العذوبة المفرطة والنزيف الحاد , (( رفع معدل السكر )) للمقارنة بين الرسائل الحلوة وعلبة (( البون بون )) التي تمنح الشغف حساً تجسيدياً , لكنه شغف غير آمن كونه يرفع سكر الدم , مما أدى بها في المقابل إلى (( عشقت بائع السكر)) كتعويض عن الحمية , وأيضا (( اللون والنزيف )) , عندما تقول : جف دمي وأنا أحاول أن ألون جلد هذا الحب , لتكشف هذه اللقطة عن استنزاف الذات في سبيل إنعاش حب ميت أو باهت , عندما يصبح الدم هو المادة الخام للتلوين بدلاً من الحبر.

تخثر الموسيقى بانغلاق الشريان , (( لو تكتب قصيدة من ثقوب ناي حزين , سيتخثر دمك في مضيق شريان )) , هذه الصورة تتجاوز البلاغة التقليدية إلى الجسدنة , فاللحن الحزين المحمّل عبر ثقوب الناي لا يطرب الأذن فحسب , بل يتحول إلى كتلة فيزيائية تجري في مجرى الدم , وبسبب حزنه الشديد يتجلط وتتوقف الحياة في (( مضيق )) الشريان , هنا تصبح القصيدة سبباً للجلطة القلبية , وان (( دمك خفيف , أول إطراء مخيف من طبيب التخدير )) , ويُعد هذا المقطع من أذكى مقاطع النص , فالتعبير الثقافي المتداول (( دمه خفيف )) يرمز للبهجة والدعابة , لكن حين ينطق به (( طبيب التخدير )) في غرفة العمليات , يتحول المعنى إلى كابوس: نزيف حاد وسيلان في الدم يهدد الحياة , هنا تبرز قدرة الكاتبة على تحويل الإطراء الاجتماعي إلى حالة ذعر طبي تعكس حساسية عالية جداً تجاه اللغة.

هذا النص ينتمي لما يمكن تسميته (( قصيدة الشريان )) , لم تكتبه الكاتبة نغم بحبر , بل بمشرط جراحي فيه جرأة على اللغة وفيه تصالح مدهش مع الألم , واستطاعت عبره أن تجعل الحزن شأناً بيولوجياً يمس كل جهاز في جسد القارئ , لا مجرد فكرة تجول في الخاطر , وفي المقطوعة الأخيرة (( في ساعة فعل ناقص )) , تنتقل الشاعرة إلى تجريد لغوي وزمني رفيع , اذ ان استخدام مصطلح نحوي (( فعل ناقص )) لربطه بحادثة مرور رمزية (( إشارة مرور تقطر دماً أخضر )) , والنتيجة كانت الدهس من قبل (( الوقت )) لتصبح الاستقالة النهائية هي الرقود في سرير الماضي , والحقيقة ان نص (( كروموسوم )) للمبدعة نغم هو نص عالي التكثيف , يعتمد على صدمة الصورة الشاعرية , استطاعت فيه الكاتبة ببراعة أن (( تأنّث )) العلوم الصلبة , وأن تجعل من أدوات الطب والبيولوجيا مرايا مكبرة لهشاشة الروح الإنسانية وانكساراتها .

صباح الزهيري .

كروموسوم
**********
سأثبت لكم ..
أن لاصلة دم تربطنا
نحن مجرد بنوك دم صناعية
بغير حساب
.....................
الجينات الوراثية..
مجرد هلاميات
تسبح..في شبكة شريان
..................

زمرة دم O+
طيبون .. وماكرون
يسبحون..
في شراييني
.....................
لو تكتب قصيدة
من ثقوب ناي حزين
سيتخثر.. دمك
في مضيق شريان
....................
سأمنح ..فرصة
للبعوضة
لتنقل لك ..
خفة.. دمي
.................
بين رسائلك الحلوة
وعلبة البون بون
ثمة صلة
كلاهما رفع معدل السكر
في دمي
..................
دمك.. خفيف
أول إطراء مخيف
من طبيب التخدير
..................
ك تعويض عن الحمية
عشقت..
بائع السكر !
................

جف.. دمي
وأنا أحاول أن ألون
جلد.. هذا الحب
..............
أحلامي.. تؤرقني
سأناولها حبوب مميعة
كي تستحي.. على دمها
......................
الألم..
مرض غير معد
تعال.. والثم جروحي
......................
في ساعة فعل ناقص
تجاوزت..
إشارة مرور مصابة بعينها
تقطر دماً .. أخضر
دهسني.. الوقت
الآن.. أرقد
في سريرالماضي !
...............
نغم






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .


المزيد.....




- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات عاطفية.