أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شعر الاحتجاج .














المزيد.....

مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شعر الاحتجاج .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 10:00
المحور: الادب والفن
    


لطالما كان الشعر في العراق أكثر من مجرد أوزان وقوافٍ , لقد كان دائماً ديوان الاحتجاج , والوثيقة العاطفية والسياسية التي تُسجل خيبات الأمة وانكساراتها قبل انتصاراتها , وحين يضيق الواقع وينسد أفق الحلول الدبلوماسية , تنبثق الكلمة الشعبية الساخرة كالرصاصة , لتهدم جدران الزيف وتعرّي المشهد , في هذا السياق , تأتي أبيات الشاعر مأمون النطاح لتشكل صدمة واعية , مستخدمةً سلاح (( الجناس التام )) لتفكيك شفرات المعاناة العراقية المعاصرة في أربعة أشطر اختزلت عقوداً من الألم : (( القلق لبراسي طول الليل نواب , سهرت وماروتني اشعار نواب , بلد تاريخي هيچ تحكمه نواب , تبوگ اللگمة من حلگ الرعيّة )) .

يبدأ النص من سيكولوجية القلق الجمعي وسهر العراقيين , وهي نقطة شديدة الحميمية والذاتية , لكنها سرعان ما تتحول إلى همّ جمعي: (( القلق لبراسي طول الليل نواب )) , إن القلق هنا ليس عارضاً صحياً أو أرقاً عابراً , بل هو حالة (( تناوب )) مستمرة للأزمات على رأس المواطن , إنه قلق الهوية , وقلق المعيشة , والخوف المزمن من القادم المجهول , الليل العراقي في القصيدة ليس للراحة , بل هو مسرح لمواجهة الأسئلة الوجودية الصعبة التي تفرضها تقلبات السياسة والأمن , حيث يتحول الفكر إلى ساحة حرب لا تهدأ.

في الشطر الثاني , حين يعجز الفن عن مداواة النزيف , يرمي الشاعر بحجر ثقيل في ركود النخبة الثقافية: (( سهرت وماروتني اشعار نواب )) , والإشارة هنا واضحة وصريحة إلى أيقونة الشعر الثوري العراقي , الراحل مظفر النواب , الذي طالما كانت قصائده ملاذاً للأحرار وسياطاً تلهب ظهور الطغاة, لكن المفارقة المؤلمة التي يطرحها النص هنا , هي أن الواقع العراقي المعاصر قد تجاوز في سرياليته وقسوته حتى سقف الخيال الثوري لمظفر النواب , لقد أصبحت الأزمة أعمق من أن تطببها قصيدة , وأكبر من أن يستوعبها مجاز , وحين يعجز (( شعر النواب )) بكل عنفوانه وعمقه عن (( رَيّ )) عطش الطمأنينة لدى المواطن , فهذا مؤشر خطير على أن الجرح قد وصل إلى العظم , وأن الخيبة استوطنت الأرواح.

ينتقل الشاعر في الشطر الثالث إلى صدمة المفارقة بين عظمة التاريخ وهزالة الحاضر , والى مقارنة حضارية موجعة: (( بلد تاريخي هيچ تحكمه نواب )) , هنا تبرز الكوميديا السوداء في أبهى صورها وأكثرها إيلاماً , العراق - مهد الحضارات الأولى , أرض سومر وبابل وآشور , ومشرّع أولى القوانين الإنسانية في مسلة حمورابي - يُقاد اليوم بواسطة طبقة سياسية تفتقر إلى الأفق الاستراتيجي أو الحس الوطني الرفيع , هذه الفجوة الهائلة بين (( الماضي التليد )) و(( الحاضر السياسي الهزيل )) تخلق حالة من الاغتراب داخل الوطن , حيث يشعر المواطن بأن تاريخ بلاده العظيم يُختزل ويهمش في دهاليز المحاصصة والمصالح الضيقة.

يصل النص إلى ذروته النقدية في الشطر الأخير , خيث الفساد البنيوي والارتداد إلى مفاهيم الإقطاع , موجهاً اتهاماً مباشراً وصادماً: (( تبوگ اللگمة من حلگ الرعيّة )) , إن المفارقة اللغوية والسياسية هنا تكمن في تحول مفهوم (( النائب )) , فالمعنى المفترض للنائب في النظم الديمقراطية هو أنه (( صوت الشعب )) , والمدافع الأول عن لقمة عيش الفقراء وحقوقهم , لكن الشاعر يقلب الصورة , ليصبح النائب هو السارق لتلك اللقمة, ولعل استخدام الشاعر لمفردة (( الرعية )) بدلاً من (( المواطنين )) أو (( الشعب )) يحمل تهكماً سياسياً عميقاً , فهو يشير إلى أن الممارسات السياسية الحالية قد أفرغت الديمقراطية من محتواها , وأعادت البلاد - سلوكياً - إلى عهود الإقطاع والتبعية , حيث تملك السلطة كل شيء , بينما لا تملك (( الرعية )) سوى الفتات الذي يُسرق منها أيضاً.

لقد اختزل الشاعر في أربعة أشطر فقط كتاباً كاملاً في علم الاجتماع السياسي للعراق بعد عام 2003 , إنها صرخة احتجاج مغلفة بقالب شعري شعبي قريب من وجدان الشارع , تكمن قوتها في أنها لا تجامل , وتضع الإصبع على الجرح مباشرة , أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمسؤول , وفجوة لا تردمها الشعارات بين تاريخ مجيد وواقع مرير , وتكمن عبقرية هذه الأبيات في قدرتها على اختصار مجلدات من التحليلات السياسية والاجتماعية في قالب (( السهل الممتنع )) , لقد نجح مأمون النطاح في تحويل كلمة واحدة (( نواب )) من أداة لغوية (( الجناس )) إلى مبضع جراح يفكك به أزمات العراق , من أرق المواطن , إلى عجز الثقافة , مروراً بصدمة التاريخ , وصولاً إلى تغول الفساد , إن هذا النص لا يقف عند حدود البكاء على الأطلال , بل هو صرخة احتجاج وتنبيه تضع الجميع أمام مسؤولياتهم , ويبقى السؤال المعلق في فضاء القصيدة والواقع العراقي , متى يستفيق هذا (( البلد التاريخي )) من ليل قلقه الطويل , ليعود (( النائب )) مشرعاً يحمي اللقمة , لا يداً تمتد لتسرقها من أفواه المتعبين؟ فمتى يتحول (( النائب )) من مصدر للقلق وسارق للقمة , إلى مشرّع يعيد للبلد التاريخي هيبته ؟

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...
- مقامة سماءٌ في قفص : تجليات الحرية بين بيتي ألفير والتراث ال ...
- مقامة روزنامة الرحم الفانية : تفكيك تابو (( العنوسة )) في قص ...
- مقامة الشيخ والبحر : جيلنا الذي شاخ وهزم ولكنه لم يقهر.
- مقامة سُوَيْفُ خَلَفْ : تشريحُ جمهوريةِ الوعود , دِهْنُ اللِ ...
- مقامة الكفكفة والفكفكة .
- مقامة عربة (( موباسان )) والمنطقة الخضراء : قراءة في نفاق ال ...
- مقامة الجَلَد .
- مقامة فلسفة اليد وجدلية الوجود: قراءة في نص ((عناقٌ صغير )) ...
- مَقَامَةُ بَارِحِ البَهْرَزِي : عَنِ العَتَاوِي وَشَحْمَةِ ا ...
- مقامةُ الحب السقراطي : من فناء الجسد إلى خلود المعنى .
- مقامة الخمروتاريخ الكأس : من (( سحر بابل )) إلى ((عرگ البيت ...


المزيد.....




- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شعر الاحتجاج .