أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغناء .















المزيد.....

مقامة الغناء .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 15:37
المحور: الادب والفن
    


مقامة الغناء :

في أصبوحةٍ رقيقة ثقافية مميزة أثثتها نغمات الشجن , استضاف ملتقى مقهى (( أبو رقية )) الأستاذ عبد المطلب العزاوي حيث أطلّ فيها بموضوع يلامس الوجدان تحت عنوان (( الأغنية بين القديم والحديث )) , وليتلو علينا (( مقامة الغناء )) , ويبحر في مقارنةٍ شجية بين الأغنية بين القديم والحديث , ولأن الشوق للموضوع كان غامراً , فقد جاء حديثه عذباً شاملاً على عمومه , إلا أن سوط الوقت وحكم الملتقى أجبره على الإيجاز والاقتضاب , في مقامٍ كان يقتضي الإطناب والاسترسال ليرتوي منه الحاضرون , وقد أتحفنا الأستاذ بأصبوحة ممتعة , وحقيقة الأمر أن الباحث غطى أبعاد الموضوع ببراعة , لكنّ عتبنا الوحيد كان على الوقت , إذ داهمنا الملتقى بحدوده الزمنية ليأتي الحديث قصيراً يوجع الشغف , بينما كان المأمول والمنتظر إطنابٌ يغوص في تفاصيل هذا الفن , (( والغناء حشيشتُنَا الْمُنْتقاةُ , رسائلنا الى مستوطني القلوب , سيّارةُ إسْعافٍ تُنْقذُنَا منَ السّكْتةِ الدّماغيّةِ وحسرة المستحيل , عصير القلوْبٍ التي تحبُّ الْحياةَ , الا ولّيْتُ وجْهِي صوْبَ الغناء لِأموتَ شعْراً , فلْنحب الغناء مَااسْتطعْنا, ونحن نعرف ان المغنين يتْبعُهُمُ الْغاوونَ , والمغنيات هنَّ الْغوايةُ )) .

يقول أحد أباطرة الطغيان في قديم الزمان : (( عندما يكف الشعب عن الغناء أعرف أنني قد أحكمت قبضتي عليه )) , والغناء هنا يمتد الى كل ضروب الابداع , فالشاعر يصنع أغنيته بالكلمات , والراقص يرسم أغنيته بجسده , والرسام بريشته , وكذا المسرحي والسينمائي والروائي , كل يصنع أغنيته بطريقته , فما الذي يفعله الابداع في حياة البشر؟ انه يصنع الفرح ويبعث الامل ويدافع عن الجمال ضد القبح ويحرض على الحياة , لذا يبغضه الطغاة في كل زمان ومكان , إنهم لا يستطيعون أن يحكموا شعبا , الا اذا عاش عيشة الطحالب , حياته لا تعرف الالوان ولا الفرح ولا التفاؤل , قانع وراض ومستسلم.

لا يمكن تتبّع مسار الحضارات البشرية دون أن نلمح خيطًا موسيقيًا يمتد في أعماقها , فالموسيقى لم تولد كلعبة ترفيهية ولا كزينة جانبية للحياة , بل جاءت مبكرًا بوصفها إحدى أولى الوسائل التي اهتدى إليها الإنسان ليشرح للعالم ما يشعر به , إن تجاهل هذا التاريخ الطويل , هو تجاهل لطبيعة الإنسان نفسها وللدور العاطفي والثقافي الذي حملته الموسيقى عبر العصور.

أزعم ان جانبا من حيوية الشعب العراقي التي تدفقت في ثورات متتالية , يعود الى ان فنون الموسيقى والغناء والرقص والشعر والسينما أصبحت جزءا من نسيجه المجتمعي , وكلها عناصر تقاوم شيخوخة الشعوب وتحرضها على التمسك بالحياة والتمتع بمباهجها ,
والحديث هنا ليس عن المدن وحدها , إنما يمتد الى أبعد القرى في الريف وأكثرها فقرا وأمية , لكنها ظلت على امتداد تاريخ طويل تغني وتصنع الشعر وتصغي الى قصص الأساطير وترقص بلا إحساس بالحرج , بل ان ظاهرة فريدة تنتشر هناك وهي ما تدعى بالانشاد الديني , وهو غناء مدائحي , لكنه تطريبي بامتياز , وكان من يقود فرق الانشاد (( الدراويش )) , فترى واحدهم يؤم الصلاة في النهار وينطلق في المساء حاملا دفه الضخم ليقيم لأهل القرية حفل إنشاد ديني .

لا توجد قوة على وجه الارض تستطيع أن توقف المبدع عن الابداع , إذ مازال الشعراء يكتبون الشعر والموسيقيون يصنعون أغنياتهم والتشكيليون يرسمون لوحاتهم والمسرحيون يبذلون المستحيل كي لا يموت المسرح على هذه الارض , لكن هناك قوى تستطيع أن تصنع مصدات تمنع وصول النتاج الابداعي الى الناس , فتعزله داخل دائرته الضيقة , بعدها يمكن للمغني ان يشدو بأغنية لا يستمع لها غيره , تلك اللعبة الخبيثة تريد أن تنزع عن الحياة الوانها البهيجة فتنشر في النفوس الكآبة والاحباط واليأس , لقد انطفأ الغناء في أجزاء عديدة من عراق مابعد 2003 , وبات الرسم والنحت محرما ورسمت للشعر حدود لا ينبغي تجاوزها وترك الناس بلا اسلحة يدافعون بها عن هويتهم ونمط حياتهم , قاوموا بالابداع , فانه من أكثر أدوات التحريض على الحياة فاعلية .

كتب فلاح المشعل تحت عنوان (( موت البنفسج )) : (( لقد مرت عدة سنوات دون قدرة الساحة الموسيقية العراقية على تقديم أغنية واحدة راقية مترعة بالعذوبة والجمال والصدق الفني , سواءً كانت عاطفية أم وطنية , وإذا سلمنا بما يقوله الفلاسفة وعلماء الجمال بأن الموسيقى والغناء ترجمة للحالة الثقافية والحضارية ومدى فاعلية الوعي الاجتماعي وثرائه الفني وانعكاسه في إبداعات الشعراء والموسيقيين , فهذا يعني أننا نحيا بلا ثقافة ولا قيم جمالية أو أدبية معبرة عن روح الشعب ومسرح انفعالاتها )) , سنوات طوال لم نسمع سوى نقيق الضفادع , وتلك (( السخافات )) المبتذلة التي يسمونها أغاني عاطفية , أو نواح يرافق إطلاق النار في أصوات فجة وكلمات لأقزام (( الشو..عراء )) تسمى وطنية أو حربية , لكنها تكرس الخيبة , وتحفز على الانكسار , ولنا الحق ان ننكر هذه النفايات التي تدعى أغاني.

‏‎حين استمع لأغاني أشقائنا المصريين وهم ينشدون لمصر, ويقاومون التخلف - الإخواني - بالأغاني التي تغازل النيل والأهرامات وأمجاد تاريخ البلاد وأهلها , وحين يسخرون من الفساد ببلادهم بأغنية (( احترامي للحرامي )) لآمال ماهر , أشعر أن المؤسسة الثقافية والفنية المصرية ما زالت متجانسة مع شعب يتساءل ببسالة ومروءة , وتغذيه بأسباب الرفعة والإحساس بالأمل والثقة بالمستقبل , مؤسسة لم يحرثها الإسلام السياسي كما يحدث في بلادنا المستباحة للجهل والأمية , ان شح الأغاني وفسادها يبدو مترابطا جدليا مع تصحر الواقع الثقافي وفساد المؤسسة الثقافية وانهيارها , ولأن الأغاني ترتبط بالشعب ومشاعر الناس المتلونة فهي قادرة على التعبير خارج أسوار المؤسسة الحكومية , لكن هذا لم يحصل في البلاد , باستثناء يثير العجب؟

شعب بلا أغاني يعني أنه يعيش ظاهرة انفصام الشخصية , وخصوصا شعب العراق , فالعراق أول من غنى في التاريخ الإنساني , اسألوا صفحات التاريخ ودولة سومر, وتلك الأناشيد التي تغازل جلجامش وصديقه أنكيدو , كانت لنا أغاني مثل (( ما هو منا يا شعبنا )) و(( لاحت رؤوس الحراب )) و (( نحن الشباب لنا الغد )) و(( تكبر فرحتي بعيني )) و(( سلامه ياوطن )) و(( عراق الكرامة )) و(( الشمس شمسي والعراق عراقي )) وغيرها كثير ممن تجعل الأنفاس تحتبس ويرتفع ضغط الشرف الوطني عند من يسمعها.

أما الأغاني العاطفية فلنا فيها نهر ثالث يمتد من ليل الناصرية وأنين داخل حسن وحضيري أبو عزيز وخضير حسن ناصرية وناصر حكيم , يحملون تحت عباءاتهم نشوة (( الهيوه )) الصاعدة من البصرة , نهر تغذيه الروافد كلما يمر بمدينة عراقية , فيحمل نجواها ولوعة روحها ونشيجها , حتى يفيض ببغداد , ويغرقها بحلاوة الإحساس الذي جعلها أكثر مدن الوجود رقة وبهاءً , ويزاحمك الأسى الشفيف حين تبلغ ذروة ذلك الغناء الجميل في سبعينات وثمانيات الجمال العراقي الدافق بالعذوبة وطاقات مشاعر لا تنتهي.

‏‎الآن غادرنا زمن (( غريبة الروح )) و(( حن وانه أحن )) , انقرض عصر (( البنفسج )) ومضى رياض أحمد برحلة نعي على إيقاع (( مره ومره )) ولم يزل فاضل عواد يحصي (( كطرات النده )) , وينتظر موعد مرور (الريل على السدة )) , لنسمع الشاعر الكبير سعدي يوسف يقول : (( كل الأغاني انتهت , إلا أغاني الناس , والصوت لو يشترى , ماتشتريه الناس )) , ومن هذا الصوت الذي لا يُشترى , ومن رحيق تلك الأغاني التي لا تنتهي , نتقدم بآيات الشكر والامتنان والتقدير العالي للأستاذ عبد المطلب العزاوي , الذي نفض في أصبوحته الغبار عن أوتار قلوبنا , وأعاد ببحثه الرصين وطرحه الراقي تسليط الضوء على هويتنا التي يحاول الجهل طمسها , شكراً له لأنه فتح نافذة للضوء والجمال في زمن النقيق , وشكراً لملتقى مقهى (( أبو رقية )) الذي يصر على أن يبقى حاضنة للوعي والفكر , ولتظل (( مقامة الغناء )) شاهداً على أن شعباً يمتد عمقه إلى سومر , لن يكفّ يوماً عن ترتيل لغة الحياة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...
- مقامة حسجة المراسم .
- المقامة الحلمنتيشية : تشريح المشهد العراقي بلسان فصيح وعامي ...
- مقامة تخريبٌ مقصود للمنطق : قراءة في سريالية لينا الأتاسي .
- مقامة د. فياض ومختبرات مينيسوتا : هل نصنع الحياة ونفقد شروطه ...


المزيد.....




- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...
- نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى ...
- فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
- رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم ...
- ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الغناء .