أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر.














المزيد.....

مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 08:50
المحور: الادب والفن
    


تعود كلمة (( الهرير )) في أصلها اللغوي إلى الصوت الذي يصدره الكلب مع كشرة أنيابه دون أن ينبح , وهو صوت يخرجه من قلّة صبره وضجره , لاسيما عند اشتداد البرد , وقد ارتبط هذا المصطلح تاريخياً بأحداث مفصلية , أبرزها : ليلة الهرير في حرب صفين (38 هـ) , كانت خاتمة المعركة , وسميت بذلك لأن المحاربين انخفضت أصواتهم من شدة الإعياء والتعب , فصارت همهماتهم تشبه الهرير , بعد أن تكسرت الرماح وتثلمت السيوف , وفي شواهد التراث , وُصف هذا الصوت أيضاً في مشاهد أخرى مثل معركة القادسية أثناء مقتل رستم , لتعبير الكلمة عن أقصى درجات الضغط والإنهاك , اما في شواهد الرجز فقد ورد ذكره في موقف الوليد بن جابر الطائي عند وفوده على معاوية بن أبي سفيان , إذ ذكّره الأخير برجزه المرتفع في تلك الليلة وهو يمتدح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله : (( شدوا فداء لكم أمي وأب فإنما الأمر غدا لمن غلب , هذا ابن عم المصطفى والمنتجب تنميه للعلياء سادات العرب , ليس بموصوم إذا نص النسب أول من صلى وصام واقترب )) .

استعار الوزير والمحامي العراقي الأسبق أحمد الحبوبي هذا العنوان التاريخي ليطلقه على كتاب يوثق فيه ما عاشه وشاهده في ليلة كابوسية استثنائية 20-21 كانون الثاني/يناير 1970 داخل معتقل (( قصر النهاية )) ببغداد , شارحا تجربته بسردية سماها (( ليلة الهرير )) , حيث ربط الحبوبي بين الهرير التاريخي الناجم عن قسوة البرد والإعياء , وبين مشاعر الخوف الشديد والبرد القارس الذي نزل به وبالمعتقلين , حيث يصف حاله بأنه كان يهرّ من البرد والترقب كما يهرّ الكلب , وسط انعدام الرؤية وتداخل أصوات الفزع , وقد عكس الحبوبي من خلال كتابته حسّاً أدبياً وتصويراً دقيقاً للحظات الانتظار المرعبة بين الحياة والموت , واستحضر في تلك الساعات مراجعات نقدية لذاته , متذكراً طفولته ونادماً على أي إساءة صدرت منه تجاه الآخرين في غمرة الصراعات السياسية , وشاءت الأقدار أن ينجو الحبوبي من المعتقل بخروج مفاجئ , ليحمل تجرّع تلك التجربة في ذاكرته طوال حياته التي قضاها لاحقاً في المنفى (( ولا سيما في القاهرة )) , متفرغاً للكتابة والعمل الوطني المستقل , وتجلت روح الحبوبي الوطنية والنقدية في إصداره لاحقاً كتاباً بعنوان (( رسالة اعتذار إلى الشعب العراقي2018 )) , مقدماً فيه اعتذاراً رمزياً باسم الجيل السياسي الذي وعد الشعب بالحرية والكرامة ولم يتمكن من تحقيق آماله بسبب تقاطع الظروف وتوازنات القوى.

إذا كان الهرير في أصله اللغوي صوتاً ينبعث من شدة الألم والبرد وقسوة الظروف حين تعجز الألسن عن صريح الكلام , فإن ما عاشه الشعب العراقي بعد عام 2003 يمثل الصورة الأشد عمقاً لهذا المفهوم , لقد تحول الهرير من مجرد تجربة فردية في معتقل أو ليلة تاريخية عابرة , إلى حالة جمعية مستمرة تتجرعها أجيال بأكملها تحت وطأة الواقع المعقد , وتلاشي الأمل بين الفساد والإهمال , حين استبشر الكثيرون بخير متوقع مع التحولات الجديدة , لكن سرعان ما استحالت تلك الآمال إلى أنين مكتوم , أغرق البلاد في دوامات الفساد المالي والإداري , وتراجعت الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة وتعليم , ليجد المواطن نفسه يصارع يومياً للحصول على أبسط مقومات العيش الكريم في بلد يمتلك أثرى الموارد وأعرق الحضارات.

ثم عاش الشعب عذاب الترقب وفقدان الأمان , فلم يكن العذاب مقتصرًا على العوز المادي , بل تعداه إلى الرعب النفسي وتداعيات الانفلات الأمني والنزاعات التي حصدت أرواح الأبرياء , عاش العراقيون سنوات طويلة في حالة من (( الانتظار المرعب )) شابهت ليلة الهرير التاريخية , ينتظرون المجهول , ويترقبون الفاجعة التالية , حاملي غصصهم في صدورهم دون أن يجدوا مجيباً لنداءاتهم , بعد استباحة الكرامة وضياع الفرص , ثم أثقلت البطالة والتهميش كاهل الشباب , ودفعت بكفاءات الوطن إلى الهجرة والغربة بحثاً عن الأمان , بينما ظل الداخل يكتوي بلظى المحاصصة والزبائنية السياسية التي قدمت المصالح الضيقة على حساب الوطن والمواطن , مما يعكس أعلى درجات الازدراء لكرامة الإنسان التي طالما نادى بها الأحرار.

إن (( هرير )) العراقيين اليوم ليس دليلاً على الاستسلام , بل هو صدى للوجع المتراكم وتعبير عن ألم شعب خُذلت تطلعاته وتوالت عليه الخيبات , وكما انقضت ليالي الهرير عبر التاريخ وطُويت صفحاتها القاسية , يظل الرهان دائماً على وعي هذا الشعب وإرادته الحية في انبعاث الحق والكرامة , لتتحول تلك الهمهمات والمآسي إلى طاقة تصنع الغد الأفضل وتستعيد للعراق مكانته التي يستحقها بين الأمم.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .
- ‏مقامة اللهم ونحن : سُؤل العراق المؤجل على أعتاب معجزة موسى ...


المزيد.....




- معرض في بطرسبورغ يستعيد تاريخ دير يعود إلى القرن الثاني عشر ...
- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر.