أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة في سبعينيات أم النوه .














المزيد.....

مقامة في سبعينيات أم النوه .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 09:53
المحور: الادب والفن
    


مقامة في سبعينيات أم النوه :

في سبعينيات (( أم النوه )) تتزاوج حيوية الشباب وصخبها الملتذ بالضحك والبكاء , مع حكمة الكبر ورقّة الحب حين يتخفف من جنونه الشاب ليصبح رعايةً صامتةً وافتقادًا نبيلاً , بستان (( موسى الحداد )) , لوحة وجدانية باذخة تختزن جغرافية المكان ورائحة الزمن ودفء الرفقة , ضحكةٌ تنفجر , تتبعها شهقة , وجهٌ يُدفنُ في كتف , ثم أغنيةٌ تفتحُ بابًا لبكاءٍ جماعي , وإغلاق دائري سريع ومؤثر ,على دراجة بخارية , نغنّي فوقَ الأغنية , نضحكُ في وجهِ البكاء , نبكي في حضنِ الضحك , ونعانقُ مَن تصلُ إليهِ أذرُعُنا , وعند باب نادي النقابة يقابلنا وجه حسين علي المبارك , الخمرُ في العيون , الخمرُ على الشفاه , يثقل اللسان ليتسائل مستغربا : (( أين الجي أل ؟)) , وعلى حافّةِ الكأس , وعلى حافّةِ القبلة , نغنّي فتبكي امرأةٌ , نضحكُ فيبكي رجلٌ.

ثمّ , في أم النوه , يتعانقُ الباكيان , كأنّ البكاءَ قرابة , والعاشقة تضحكُ في كأس , والعاشق يبكي في كأس , والكؤوسُ تتعاقبُ على أفواهِنا كأنّها قبلاتٌ زجاجية , غناءٌ يتعثّرُ في السكر , ثم ينهض , كأسٌ إلى فم , وفمٌ إلى قُبلة , وقُبلةٌ إلى ضحكة , وضحكةٌ تنتهي بدمعةٍ لا يفسّرها أحد , وفي غياب (( ابا عقيل )) نتعلم شكلنا الأخير.

علمتنا (( أم النوه )) معنى الرفقة والوفاء للغيّاب , فما يمنحُ العمرَ جمالَهُ الحقيقي ليس السنوات التي قطعناها , بل أولئك الذين قاسمونا العثرات والمشاوير , وفي ذلك الزمن الجميل , كنّا نركضُ دون أن نلتفت خلفنا , واليوم , نلتفتُ لنرى كيف استقرت الوجوهُ والأرواحُ في أركان الذاكرة , حتى الغائبون منا , أبا عقيل والراحلين , لم يتركوا أماكنهم فارغة , بل تركوا فينا قدرتَهم على الضحك وسط البكاء , وصار كلّ بيتٍ أو بستانٍ نمرّ به , يحملُ نبضًا منهم وضحكةً لم تُكمل صداها.

هلوسات تتلاحم مع مجرى الشطوط والنبوءة , ربما كان ذلك هو (( العمر الجميل )) حقًا , زمنٌ لم نكن نحسب فيه الأيام بل الكؤوس , ولا نقيس فيه المسافات بل عدد المرات التي تعانقنا فيها عند حافة الشط , لم نكن نعرف أنّ تلك اللحظات العابرة كانت تبني في داخلنا ملجأً نلوذُ إليه بعد السبعين , لقد تحوّل العمرُ من نهرٍ هادرٍ يطلبُ البحر , إلى جدولٍ وادعٍ يرغبُ فقط في أن ينساب ببطء تحت شجرةٍ في بستان العبيدي تعرفُ أسماءنا جميعًا .

في المراجعات المؤجلة , وفي التكويعات الأيديولوجية , ونضج المشاعر وتبدّل مفهوم الزمان , وباتجاه سوداوية أقل , لازلنا نحب , ويمكن هذه المرة الحب صار أوضح , ما عاد يتطلب عمر جديد , مانريده ونتمناه أن نكمل هذا اليوم سوية , في بستان العبيدي , الآن , بعد السبعين ما عدنا نقول : اشتقنا لذلك الضحك والبكاء , نقول: وينك؟ رغم انا قاعدين جنب بعض تحت نفس الشجرة في ذلك البستان الوديع , لازلنا نحب , لكن الحب تغيّر , صار يسأل عن دواك , ويغطّيك إذا بردت , ويترك لك آخر كأس , ويدّعي إنه بقايا نفسه المبذولة فيها.

أتذكر أن عرّافة في روما قالت لي ذات مرة , وأنا أصغي إليها بابتسامة , إنني , ابن برج الميزان , سألتقي فتاة من برج الأسد عند حافة بحر بعيد , سألتها يومها : أي بحر؟ فأنا لم أكن أعرف من الشطوط سوى شط ديالى , قالت : شط تلتقي عنده ثلاثة شطوط , مهروت وسارية وأمهما , نصف العالم يمر من هناك , ضحكت كثيرًا من كلامها , لكنني , كلما رفعت الكاس , دمعت عيناي , وصحت ضاحكا لقد تحققت النبوءة , ومع ذلك , فهي عرّافة , لا أكثر.

لا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن لشخص أن يعيش بعيدًا عن (( أم النوه )) ولا يشتاق إليها , فالمسافاتُ لا توجدُ إلا في أذهانِنا , وإلا فكيف لشطوطِ (( ديالى )) و(( مهروت )) و (( سارية )) أن تجري في عروقنا كلّما قلّ الماءُ في الأكواب ؟ تحكّمنا الجغرافيا , وتفرّقُنا التكويعات , لكنّ العرّافة - دون أن تدري - كانت صادقة , لقد التقينا بالحبّ الذي وعدت به , ولم يكن بحراً غريباً , بل كان هذا المكان , وهذه الوجوه التي تعتقّت كالنبيذ , وما زالت تجلسُ إلى جوارنا تقتسمُ معنا الدفءَ والذكرى , أمّا (( أمّ النوه )) فليست بقعةً على خريطةٍ تُطوى , بل هي حصتنا من العمرِ الأوّل , والندبةُ الجميلةُ التي تركتها الأيامُ على قلوبِنا , يمكنكَ أن تبتعدَ كما تشاء , لكنّكَ في كلّ مرّةٍ ترفعُ فيها كأساً , أو يُغافلكَ فيها سُعالُ المَشيب , ستسمعُ الدراجة البخارية وهي تطوي الليلَ نحو ذلك البستان , وسيترددُ الصوت ذاته : (( وينك؟ )) , ونحنُ ما زلنا هناك , لم نبرح الشجرة , ولم يغادرنا الشط , فكلُّ طريقٍ يسلكهُ العقلُ مبتعداً , تعودُ بنا الروحُ فيه حافيةً إلى (( أمّ النوه )) , هناك حيث لا شيءَ ينتهي , حتّى الدمعةُ التي لم يفسّرها أحد , أصبحت اليوم هي النصيبَ الأجملَ من كلّ هذا الفرح , فأيّ الدروب ترى أنه الأقرب لنفسك ؟.

العمرُ الجميلُ لم يكن فقط في ذلك الصخب الذي كان يملأ صدورَنا بالموسيقى , بل في هذا الهدوء الذي صار يملؤها بالامتنان , كنّا نظنّ في أمّ النوه أنّ المسافة بين القبلة والدمعة هي كلّ التاريخ , واليوم نكتشفُ أنّ أجملَ ما في العمر ليس الشغَف المشتعل , بل ما يتبقى منه بعد أن يهدأ الدخان , اليدُ التي تمتدّ لترممُ غطاءك في الهزيع الأخير من الليل , والأنفاسُ التي تتسامرُ دون حاجةٍ للحديث , لقد تعتّق العمرُ حتى صار يشبه خمرةً قريبةً من حافة الكأس , أقلّ هدرًا , وأشدّ صفاءً .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...
- مقامة تلميح هيكل ودخول الأيزي .


المزيد.....




- ما وراء الستار.. معرض روسي يفتح الباب الخلفي للمسرح ويكشف مه ...
- بوتين يكرّم عددا من الفنانين الروس بأوسمة وألقاب فنية
- هل كان لومونوسوف ابنا سريا لبطرس الأكبر؟.. وثائق تفنّد أسطور ...
- وفاة مرشح لمجلس الشيوخ مؤيد لترامب انتحارا.. وعائلته تشكك في ...
- مقابر جماعية وتماثيل نذرية.. تفاصيل كشف أثري مهم في الواحات ...
- -هُرّبت منذ 15 عاما-.. سوريا تستعيد قطعا أثرية من فرنسا وتعر ...
- شاهدة على مقاومة المحتل الفرنسي.. اكتشاف رصاصات في مئذنة جام ...
- من التوبيخ إلى قمة النجاح.. كيف صنعت الممثلة ريهام عبد الغفو ...
- كولومبيا: عاملون في السينما يسخرون معداتهم للبحث عن ناجين
- أفلام تستعيد معارك الحرب العالمية الثانية في ذكرى ميلاد الما ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة في سبعينيات أم النوه .