أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أريج التهجدات .














المزيد.....

مقامة أريج التهجدات .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 12:20
المحور: الادب والفن
    


مقامة أريج التهجدات :

عند هبوب أريج الدرويش قال : (( ماااا أوفاك ايها الرجل , يسعدني دوماّ وجود نبعك في صحرائي )) , وفي قلق عاطفي كتب المريد قصيدةً عصيّةً على النسيان : كَشجرةٍ فقدَتْ أوْراقَهَا , الرّيحُ كسرَتِ الْجذوعَ , انْحنَتْ تُقبِّلُ الْجذورَ كيْ تنْبتَ منْ جديدٍ وتخْضرَّ , كمَا حمامةٌ افْترشَتْ ريشَهَا حينَ خانَهَا الْهديلُ , ماتَتْ دونَ ضجّةٍ فِي قناةٍ مفْرومةٍ , كذلكَ قلْبِي , فقدَ أعْصابَهُ , فأتْلفَ نبْضَهُ , وتوقّفَ ينْتظرُ الْخفقانَ , كلّمَا سالَ النّهْرُ مطرًا أوْ تحوّلَ الْمطرُ جدْولَ ضرْبٍ فِي الْفراغِ .

يشعر المريد بآلام الدرويش الذي تهافت جبينه على جمر النار , كطبقات ألم متراكمة , قلبه مملوء بالأسرار حتى أخمصه , ورجات شعورجمر وريده مكبلة به مدارات الحلم , بزخرفة لهفة , أما عبق الذاكرة المنبعث من أحتراق الأرواح هو لغة الضوء , التي تولد شذاه حين يرتد في أركان الحقول , دندنات همهمة , والذبولُ لا يليقُ بسُمعةِ الورد , كيفَ لملامحِ النهر أن تستعيرَ شحوبَ اليباب ؟ وكيفَ للذي اعتادَ أن يسكبَ الضوءَ في رئة العطر أن يلملمَ أطرافَهُ , ويمضي في صمتٍ رهيب ؟

يراه المريد في أبديته المترفة , يمضي نحو حدائق الكرز , فالربيع هنا لمسةُ شمسٍ دافئة , وفكرةٌ بيضاء تشقّها النوارس في الأفق ,ها هي أصواتُ اصطِفاقِ الأنخاب تتعالى من الحانات المجاورة التي تكتظ بالمارة , غابةُ الأحلام تتسع للمباهج , كأنه يحيا في أبدية مترفة ليرمم ما تبقى من جسده القليل , بينما يترك لمخيّلته أن تتفتح لنداء الأجساد المصمخة بالعطور المتصاعدة من أباريق خفية ,حيث الرغبة كنسيمٍ دافئ بين براءة الكرز الأولى التي تطرق باب القلب , فيصيح المريد توددا : عاشقٌ لحدّ التّيه , واثقٌ لحدَّ الضَّمان , متأكدٌ لدرجةِ اليَقين , مَلِيءٌ مُمْتَلئٌ فارِهٌ مَرفَّهٌ بأملِ اصطحابك في جنات الله .

المسافة بين الشك واليقين يعتريها الدوار, والصمت يلوك العبارات , وأنا , اكتمل في ليلي بدرًا , وكل أشيائي , باتت رهنًا , للإسراء إليك , والكلمات بعضها يقف في داخلنا , وتسكننا حد حشرجة الروح , وأخرى تُلقى علينا , كحجارة من سجيل , الحروف تتهافتني , كصدى يردد الأنا , بصمت وهي تتسكع , كي تعيد ترتيب نبضها , حيث الأبجدية تبحث عن بعضها , وأنا أبحث عن بعضي , وفي فمي قبضة من عويل الشتات وبكاء السنين .

يقول الدرويش : أنا خيال شاعر , تستهويه كُحلة الحرف , في صدري استرضي الكلمات , وأتلذذ بكل حروف أخيلتي , وأرددها قصيدة , وذات غُربة رد عليه المريد متذللا : أفضلُ أن أخسركَ , على أن تُدجنني كسماء أخرى , تُقلص بها حدود وقتي واقامتي , ولا أن أربحك بذاك التقسيط القاتل , فالوقت مصيبتي , وللقصة ذاكرة , ففي الصمتِ , بين الرؤيا وتباعد الكيانات مسافات عميقة , تنهنه الدرويش : ذلك هو أنا , حرف لا يَنزح ولا يُنزح , وإن نفدني البصر , فأنا لا أكتمل , أمشي في جملةٍ لم تُكتبْ , وأتعثّرُ بفاصلةٍ كانت تنتظرُ فكرةً لتتعلّقَ بها .

رغم آلامه , يستمر الدرويش في قراءة مرايا الاكتمال , مرددا : حين يصبح الصدى كينونة , الزمنُ هنا ليس وقتًا , بل جرحٌ يُعيدُ نفسَه بأشكالٍ مختلفة , أمدُّ يدي , فألمسُ ظلَّ فكرةٍ , أحاولُ القبضَ عليها , فتتحوّلُ إلى معنى , ثمّ تهرب , وأنا لستُ عابئا , بل أنا خطأٌ جميلٌ في نحوِ الكون , وفي صدري نصٌّ يرفضُ أن يُقرأ , كلّما حاولتُ فهمَه كتبني من جديد , والصمتُ عندي ليس غيابَ الصوت , بل ازدحامُه إلى حدِّ الانفجار في الداخل ,

أقولُ هنا , فتتحرّكُ الإشارة , أقولُ الآن , فيتأخّرُ الحدوث , أقولُ أنا , فأختفي , كلُّ شيءٍ يحدثُ وكأنّه لم يحدثْ , وكلُّ ما لم يحدثْ يصرخُ , كأنّه الحقيقة .

ظل المريد متحيرا , وفي النهاية حيث لا نهاية تسقطُ النفس من نفسِها , وتبقى كفكرةٍ تبحثُ عن قارئٍ يجرؤُ أن لا يفهم , حيث الدرويش , ذلك الذي قال : أنا , فاختفى وتركَ النفس المشرأبة تبحثُ عنه .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.


المزيد.....




- -أثينا- و-أوديسيوس- بين الأسماء غير المألوفة لمواليد موسكو ب ...
- -بوحشية مروعة-.. كيف أنشأ النازيون مفوضية الرايخ في أوكرانيا ...
- انطلاق المنتدى الثقافي الدولي الخامس للأطفال في موسكو بمشارك ...
- أفلام -الفراشة الماسية- الفائزة بالدورة الأولى تعرض في بكين ...
- السجن 6 سنوات لوكيل وزير الثقافة الأسبق بملف كنز النمرود
- اللوح والدواية في خلاوى القرآن.. إرث تعليمي وروحانية تتوارثه ...
- -اسأل صهيوني-.. حين تتحول الرواية إلى مواجهة مع الرواية الأخ ...
- فلسطين بين إدارة الأزمة وحرب الرواية
- الروس يختارون شخصياتهم المفضلة في أعمال الأطفال.. فيني-بوخ و ...
- صنع الله إبراهيم: الروائي الذي كتب الحرية بمداد الحقيقة


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أريج التهجدات .