أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) : أثر الإسرائيليات في تشكيل التاريخ الحميري .















المزيد.....

مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) : أثر الإسرائيليات في تشكيل التاريخ الحميري .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) : أثر الإسرائيليات في تشكيل التاريخ الحميري .

بإهداءٍ كريم من الدكتور تحسين الأفندي , وقع بين يديّ كتاب ((التيجان في ملوك حِمْير)) المروي عن وهب بن منبه برواية ابن هشام , وهو النص الذي يُعدّ واحداً من أبرز وأشهر النماذج للتاريخ الممزوج بالأساطير , والسير الملحمية , ومأثورات (( الإسرائيليات )) في التراث العربي , لم يكن الهدف الأساسي للعمل سوى إبراز مجد العرب القدامى - ولا سيما أهل اليمن وحِمْير - ولتحقيق غايته , اعتمد وهب بن منبه على المأثورات الشفهية والقصص التي تأثرت مباشرة بالتوراة والمدراش والخيالات الشعبية , مما أسبغ على الكتاب طابعاً مفعماً بالمبالغات والتهويلات التاريخية والجغرافية والعددية.

كان وهب بن منبه يمثل مرحلة الشفاهية المتأثرة بالإسرائيليات في كتابة التاريخ , فلم يكن مؤرخاً بالمعنى النظري والمنهجي الحديث (( مثل الطبري أو ابن خلدون )) , بل كان جامعاً للقصص والوعظ والتراث , لذلك جاء كتاب (( التيجان )) مزيجاً فريداً بين الملحمة الشعبية , والأسطورة التوراتية , والوعظ الديني , مما جعله نصاً أدبياً وثقافياً زاخراً بالخيال , ولكنه ضعيف الاعتبار من الناحية التوثيقية التاريخية , ويتميز الكتاب بالمبالغات والتهويلات , يمكن تقسيمها حسب طبيعتها :

المبالغات في (( أعمار الملوك )) وسنوات حكمهم , حيث اعتمد الكتاب منهجاً يمنح الملوك والتبابعة أعماراً خيالية تتجاوز الحدود البشرية , فمعظم ملوك حمير وطسم وجديس في الكتاب تقاس أعمارهم بالقرون , يعيشون ويحكمون لمئات السنين (( مثلاً: ملك يحكم 300 أو 400 سنة )) , والملك (( لقمان بن عاد )) يُصوّر في الكتاب بأنه عُمّر عمر سبعة أقتاد (( أي عمر 7 نسور )) , حيث كلما مات نسر كفل نسراً آخر حتى مات السابع , وتذكر الروايات أنه عاش ما يقارب 3500 سنة .

المبالغات في (( الفتوحات الجغرافية )) والجيوش , يصور الكتاب التبابعة والملوك الحميريين كأنهم فاتحون للكرة الأرضية بأكملها قبل الإسلام بقرون طويلة , فعن فتح الصين والشرق يُذكر أن التُبّع (( مثل شمر يهرعش أو أسعد الكامل )) سار بجيوشه حتى بلاد الصين وهدم سورها , أو بنى مدناً في أطراف أسيّا الغربية والشرقية , او الوصول إلى ظلمات المغرب وإفريقيا , تُنسب للملوك فتوحات تنتهي عند (( البحر المحيط )) أو (( أرض الظلمات )) في أقصى المغرب , وإخضاع أمم لا وجود لها في السجلات التاريخية , أو أعداد الجيوش الخيالية , عندما تُذكر أعداد الجيوش بـ (( مئات الآلاف )) أو (( الملايين )) من الفرسان والرجّالة , وهي أعداد لا تستطيع الموارد الاقتصادية واللوجستية للعالم القديم حشدها أو إطعامها.

المبالغات في (( العمران والكنوز والآثار )) , يُبالغ الكتاب بشكل كبير في وصف الثراء والضخامة العمرانية , مثل وصف قصر غمدان بأنه كان يتكون من عشرين سقفاً (( أو طبقة )) , بين كل سقف وآخر أربعون ذراعاً , وأن رأسه كان عليه تمثال نسر من شبه (( نحاس )) إذا هبت الريح صفّر وصوّت , وأن الغرفة العليا كانت من رخام شفاف يُرى من خلاله السحاب والسماء , اما البناء والكنوزفقد وصف مدن وضخامة السدود والقصور وكميات الذهب والفضة بطريقة تُشبه قصص ألف ليلة وليلة.

المبالغات ذات الطابع (( العجائبي والأسطوري )) ودخول الخوارق والأحداث غير الطبيعية كأحداث تاريخية حقيقية , كالتعامل مع الجن والوحوش , الاستعانة بهم في الحروب والبناء , أو تحكيم الملوك على مخلوقات غريبة وعجيبة , والاعتماد المفرط على نبوءات الكهان والساحرات (( مثل زرقاء اليمامة وسطيح وشق )) للتنبؤ بالتاريخ بدقة متناهية والتأسيس للفتوحات , والأقوام الأسطوريون في الحديث عن عمالقة (( مثل قوم عاد وثمود )) بأطوال وبنية جسدية تتجاوز نطاق العقل البشري (( كأن يقتلع الرجل منهم الجبل بيده )) .

الرؤية الدينية في إسقاط النبوءات والإسلام على التبابعة , وهي من أضخم المبالغات المعنوية في الكتاب , اذ جرى تصوير التبابعة وملوك حمير وكأنهم كانوا مسلمين موحدين على دين إبراهيم أو موسى , وتضمين أشعار تُنسب إليهم تنبأت بمبعث النبي محمد بالاسم والمكان قبل بعثته بقرون طويلة , مثل بيت الشعر الشهير المنسوب لـ (( تبّع )) : (( شهدتُ على أحمدَ أنهُ ... رسولٌ من اللهِ باري النَّسَمْ )) .

يتجلى أثر منهج وهب بن منبه والخبر الإسرائيلي في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) بصورة هيكلية ومفاهيمية , إذ لم يقتصر التأثير على مجرد استيراد قصص ثانوية , بل امتد ليعيد تشكيل السرد التاريخي العربي القديم برُمته وفق رؤية مأخوذة من التراث التوراتي والمدرشي الشفاهي اليهودي , ويمكن تلخيص هذا الأثر المحوري في الأبعاد الخمسة التالية:

دمج (( التاريخ الحميري )) بـ (( المشجر التوراتي )) - الرؤية العبرانية للأنساب - فقبل الإسلام , كانت الأنساب العربية تُحفظ شفاهاً عبر التفاخر والقبائل , لكن وهب بن منبه أدخل عليها النسق السامي والتوراتي , وربط قحطان ويعرب بأبناء نوح , حيث صاغ وهب أخبار ملوك حمير بربط أنسابهم المباشرة بسلسلة الأنبياء والآباء الأوائل في التوراة (( مثل سام بن نوح , وإرم , وفالغ )) , وإسباغ الشرعية الدينية القديمة , وأصبح الملك الحميري في الكتاب جزءاً من السلسلة الإلهية المقدرة لإعمار الأرض , متأثراً بأسلوب سفر التكوين في سرد السلالات والنسل .

استعارة (( النموذج الملحمي )) - قصص الأنبياء والملوك العظام - اذ تأثرت طريقة صياغة سيرة الملوك الحميريين في (( التيجان )) بملامح القصص التوراتي والمدراشي المليء بالمآثر والخوارق , واستنساب نموذج (( سليمان )) , عندما صُوّر بعض ملوك حمير (( مثل ذي القرنين الحميري أو التبابعة )) بصورة تماثل الملك الممنوح لداود وسليمان , حيث يُسخّر لهم الريح أو السحاب , أو تُبنى لهم الصروح بمساعدة الجن والكهان , واستنساب نموذج (( الخروج والفتوحات )) بصياغة رحلات التبابعة إلى أطراف الأرض تُشبه قصص الأسفار في العهد القديم , حيث تحرك الشعوب والقبائل بإشارات إلهية أو بنبوءات غيبية.

الإفراط في التفاصيل العددية والدقيقة (( تقنية الوعظ والإخباريين )) , من أبرز سمات (( الإسرائيليات )) تقديم أرقام وتفاصيل محددة جداً لأسماء وأعمار وأبعاد قد لا تتوفر في الشفاهيات العربية , ففي الأعمار والمدد تحديد أعمار الملوك بـ 300 أو 400 سنة يُحاكي أعمار الآباء الأوائل في سفر التكوين (( مثل متوشلخ وآدم ونوح )) , والتفاصيل العمرانية والدقيقة كتحديد أبعاد السدود , وعدد طبقات القصور (( كقصر غمدان )) , وأعداد الجنود والقتلى بصفة جازمة ودقيقة , وهي ميزة حكواتية الهدف منها إضفاء (( مصداقية موهومة )) على الخبر وتشويد الخيال لدى المستمع.

التفسير الأسطوري والغيبي للأحداث (( الغيبوبة والكهانة )) , لقد أحلّ وهب بن منبه السببية الغيبية والأسطورية محلّ السببية التاريخية والسياسية , نبوءات الكهان والكتب القديمة فلا يتحرك ملك حميري في الكتاب للفتح أو بناء صرح إلا بناءً على رؤيا أو كتاب قديم أو نبوءة كاهن (( مثل سطيح وزرقاء اليمامة )) , وحضور رؤية أحداث آخر الزمان بصياغة الأخبار بحيث تصبح فتوحات حمير تمهيداً لبعثة النبي محمد أو ربطها بأحداث آخر الزمان وزوال الأمم , وهو أسلوب نصوص (( الرؤى والوحي )) المنتشرة في الأدب اليهودي والمسيحي غير الرسمي .

أسلمة التراث الحميري , لعب منهج وهب دوراً في إسقاط المفاهيم الإسلامية والأخلاقية على الملوك القدامى , والتوحيد المبكر بإظهار التبابعة في صورة الحنفاء أو الموحدين الذين حاربوا الوثنية وكسروا الأصنام , وتنسيب أشعار دينية وتوحيدية لهم تماثل أسلوب القران والحديث , وإثبات النبوة بالبشارات حين جعل التاريخ الحميري كاملاً موجهاً نحو غاية واحدة , وهي التبشير بالنبي العربي المنتظر، لإعطاء أهل اليمن أسبقية وفضلاً دينياً ومجد تاريخي يضاهي مجد قريش وعدنان في الصراع القبلي السياسي (( القيسي اليماني )) الذي اشتد في العصر الأموي.

يُعدّ وهب بن منبه الحكواتيَ والإخباريَ الأبرز في العصر الأموي , ولعبت خلفيته المعرفية الثرية بكتب أهل الكتاب (( التوراة , والتلمود , والمدراش , والقصص الشعبي اليماني )) الدور الأساسي في إعادة صياغة التاريخ الحميري , ويتجلّى تأثير وهب بن منبه (( ت 114هـ أو 110هـ )) وروايات الإسرائيليات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) بصورة هيكلية ومفصلية , إذ لا يقتصر الأثر على مجرد سرد قصص جانبيّة , بل يشكّل الركيزة الفلسفية والأدبية التي بُني عليها الكتاب بأكمله , وقد نقد ابن خلدون كتاب (( التيجان )) وكتابات وهب بن منبه بشدة في مقدمته , واعتبر الأخبار الواردة عن أعداد الجيوش وفتوحات التبابعة في الصين والمغرب من المحالات العقلية والتاريخية , أما المؤرخون المحدثون فهم يعتبرون الكتاب وثيقة أدبية وفلكلورية هامة جداً لمعرفة كيف كان العرب في العصر الأموي والعباسي ينظرون إلى تاريخهم القديم , لكنه لا يُعتبر مصدراً تاريخياً موثوقاً للحقائق عن العصر الحميري .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...


المزيد.....




- لوحة بـ50 مليون يورو.. معركة قانونية لاستعادة -فان غوخ- من م ...
- الخارجية والاتصال الحكومي يتابعان تنفيذ خطة لتعزيز حضور الرو ...
- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير )) : أثر الإسرائيليات في تشكيل التاريخ الحميري .