أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن الأبوذية .














المزيد.....

مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن الأبوذية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


يقول الشاعر عطا السعيدي : (( تدنَّالي اعله بختك تشتهيك الروح.. خل تنزع حزنها وتلبس مرصّع.. تدنَّالي أرد أعصرك وانعصر وياك.. وأحرك برد روحي بنارك التلسع )) , نداءٌ يعتصم بالرجاء , يختصر حنين العاطفة حين تشتهي الجسد والروح معاً , لتخلع عن كاهلها ثوب السواد وتكتسي جمر اللقاء , وما إن يعبر هذا النداء محطة الوجدان , حتى يوقظ جرحاً قديماً , فيتردد صدى قول مهيار الديلمي : (( قتلتني وانبرت تسأل بي : أيُّها الناسُ لِمَن هذا القَتيلُ؟ )) , ولأن الجرح يوقظ الجرح , وجدتني أنتفض بحسرة : آهٍ يا مَن (( تَعْتَلُّ بِالشُّغْلِ عَنَّا مَا تُكَلِّمُنَا.. وَالشُّغْلُ لِلْقَلْبِ لَيْسَ الشُّغْلُ لِلْبَدَنِ )) , وأنا الذي حين أنظر في عينيها تكتمل القصيدة , وهي التي لها قلبٌ رتّبته أيادٍ غريبة , وصنعت له أجنحةً بنفسجية.

ولمّا كانت كلُّ الدجاجاتِ ماكرةً إذا كان كاتبُ الروايةِ ثعلباً , فدعوني أقولُ إنَّ المتنبي خرجَ - على غيرِ عادته في شعرِ الحكمةِ والمدحِ والفخرِ- ليعزفَ بيتينِ من أعذبِ وأرقّ أدبياتِ الغزلِ على الإطلاق : (( لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ ... ولا لقاءُ عدوِّي مثلَ لُقياكِ , لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي ... ما نالَ مِنِّيَ ما نالتْهُ عيناكِ )) , ورغبةً في الجسرِ بين دروبِ الكلماتِ والمعاني , وتحقيقاً لتقابلٍ مجازيٍّ شفيف , أستحضرُ هنا ما قرأتُه من شعرِ المتصوفة : (( أخاطرُ في محبتِكم بروحي ... وأركبُ بحرَكم إمّا وإمّا وأسلكُ كلَّ فجٍّ في هواكُم ... وأشربُ كأسَكم لو كانَ سُمّا ولا أصغي إلى من قد نهاني ... ولي أذنٌ عن العذّالِ صُمّا أخاطرُ بالخواطرِ في هواكم ... وأتركُ في رضاكم أباً وأمّا )) .

يقولُ مؤيد عبد القادر في رسالةٍ سريعةٍ إلى امرأةٍ اسمها الحلم : (( تجاعيدُكِ أوسمةُ مقارعتِكِ للأزمنةِ الصعبةِ . وعنوانُ طغيانِ أنوثةٍ تمخرُ عبابَ محيطاتِ السنواتِ , وملامحُ مراهقةٍ أزليةٍ أدمنتِ المشاكسات )) , وكأنه لم يستمعْ لمن كان يحذرُنا قائلاً : (( نحنُ لا نمتلكُ قدرةً على عضلةِ قلوبِنا , ولكن بالإمكانِ تحريكُ عضلاتِ القدمينِ , وبإمكانِنا أن نلوّحَ بأيدينا مودّعين.. فإيّاكم وميلَ القلب )) , وأنا أعرفُهما , كانا اثنينِ -هي وهو- يعشقانِ بعضَهما بصمت , كان يعشقُ حروفَها وهي تترقبُ كلَّ جديدٍ بحذر , وكانت تعشقُ مرورَ طيفِه بجوارِ كلماتِها , وتترقبُ رسائلَه المكتوبةَ على الملأ , تعشقُ الادعاءَ المتبادلَ بينهما , فهو يدّعي أنه لا يراقبُها , وهي تدّعي أنها لا تنتظرُه , هي قالت : (( مُذ فارقتُ سحركَ غادرتُ جغرافيةَ الوجدِ , أبحثُ عن طريقٍ للقاءِ طيفِكَ.. لماذا نستمرُّ في هذا الطريقِ من الوجعِ الذي يمتدُّ على حافةِ الانهيار؟ ونحنُ حينما نستريحُ يأكلُ العشبُ أقدامَنا )) , بينما أردّدُ أنا خلفَها : تبرد وأدفّيك بحرَك روحي .

يقولُ الشاعرُ العراقيُّ أبو معيشي (جمعة معيشي داود الشمري) ملوّعاً : (( عيونَه سيوف من يخزرْ وسَلْهَا , هذا اللي سلبْ روحي وسَلْهَا , عليه أهل القيامة انشَدْ وسَلْهَا , مثلهم دوم نيراني سريّة )) , وكأنه لم يكتَفِ بوهجِ تلكَ النيرانِ التي تسري في جوانحه , بل يعودُ ليجسّدَ عذابَ الانتظارِ والشوقِ في أبهى صوره حين يقول : (( خلص كلبي على الطيبين ونْطَر , وبذكرهم ما انام الليل ونْطَر , يِريت الله نطاني جناح ونطير, ونشوف أحبابنا ونگعد سويّة )) , وفي المقابل , وعلى الضفةِ الأُخرى من النجوى , تأتي الكلماتُ الفصيحةُ لتردَّ على هذا الشجنِ الموعودِ بالغياب , حيثُ تعزفُ وصال عبد الواحد ردَّها الشفيفَ قائلةً : (( أغيبُ عنكَ... وأنتَ ساكنٌ في دمي , فلا الغيابُ يُقصيكَ عني , ولا المسافاتُ تُطفئ حضورَكَ , أراكَ في حلمي كلَّ ليلةٍ كأنكَ موعدُ الروحِ الذي لا يُخلَف , وألقاكَ في تفاصيلِ يومي دونَ أن أراكَ , في أغنيةٍ عابرة , وفي نسمةٍ تحملُ شيئاً من عطرِكَ , وفي لحظةِ صمتٍ يمرُّ فيها اسمُكَ على القلبِ كالصلاة , كيفَ أغيبُ عنكَ حقّاً , وأنتَ تسكنُ المكانَ الذي لا يُغادره أحد؟ فبعضُ الناسِ نتركُهم خلفَنا , أما أنتَ , فكلما ابتعدتُ عنكَ خطوةً , وجدتُكَ أقربَ إلى قلبي من نبضي )) .

وكما افتتحنا هذا التطواف الوجداني مع الشاعر عطا السعيدي , نعودُ إليه لنلتقي عند نقطة الختام , حيثُ يتماهى الشوقُ بالخوفِ والرجاءِ في مناجاةٍ شفيفة , فيقول : (( أنا مثلك وِلِه ومبورح من العام , تِدنّه اسگيك بيدي وبيك خل أكرَع , أنـه خوف الگِطَه ومـرتاب من دنياي ومذير يناهي ووجِل ومروع , دِمِد ظِلّك عليّ وخل أمِن بيك واجبُر خاطري المن ساعـته مصدَع )) , لكنّ الدواءَ إذ يأتي بعد فواتِ الأوان , لا يملكُ أن يرمّمَ ما هدمَته الأيام , فيتحولُ الرجاءُ إلى عتابٍ مريرٍ ينضحُ بالحسرة : (( چا توك تجيني وجمر شوگي رماد وسنين العمر صوفة بحلگ مغزل , وعگب ما بورحت وانا برجاك تفيض ما لَمّك وشيلك للرشاه وِشَل , ذبلني العطش وانته بربيع صباك وشتاي ويه گيضي أرداف محمل , يشتكي لمحمل جِزَت مزنة الوسمي وزاحها المشهاب وثوب صباي من كل جانب مخزَّل , ثلج وسنين عمري بذمة جويريد ما بياش أوجّن وأشتعل وأشعل )) , وهكذا تنطوي الصفحات , ويبقى الحبُّ - وإن أدركه خريفُ العمرِ وجليدُ السنين - جذوةً مستقرةً في رمادِ القلب , تنبضُ بالدءفِ وتضيءُ ظلالَ الذاكرة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...


المزيد.....




- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن الأبوذية .