أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وجهك مشرق بالأنوار )) .














المزيد.....

مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وجهك مشرق بالأنوار )) .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 12:31
المحور: الادب والفن
    


(( وجهك مشرق بالأنوار, لحظك يسبيني, فاسمح يا سيد الأقمار , بعدك يضنيني , خدك وردي , شعرك جعدي وصلك يحييني )) .

تترقرق الألحان الشرقية في أثير النغم العربي لتوقظ في النفوس أشجاناً لا تندثر , وتقف الموشحات والأدوار الغنائية شاهدةً على ذروة السلطنة والأصالة , حيث يلتقي الترف اللفظي بعبقرية الصياغة الموسيقية , وتتبدى في موشح (( وجهك مشرق بالأنوار )) جلالة المدرسة العثمانية نسبةً إلى الشيخ الفذ محمد عثمان , الذي صاغ هذا النص بجمل لحنية تأسر القلوب على مقام الراست , المقام الذي يُعد أبا المقامات الموسيقية وأكثرها استقراراً ووضوحاً وهيبة.

جماليات النص والتطريب اللفظي : تنساب الكلمات في تدفق وجداني يبدأ بالتغزل والتذلل للحبيب , متخذةً من الصنعة اللفظية والآهات امتداداً للنفس الغنائي , فالمطلع الوجداني (( وجهك مشرق بالأنوار ... لحظك يسبيني )) , افتتاحية مشبعة بالبهاء البصري , فالوجه نور متلألئ , والعين (( اللحظ )) سهمٌ ينسلّ فيصيب العقل بالأسى والسحر , ثم الاستعطاف والشوق (( فاسمح يا سيد الأقمار ... بعدك يضنيني )) , انتقال من الوصف إلى الرجاء , حيث يتضاءل القمر أمام حسن المحبوب , ويظهر أثر الجفاء والمطاولة في الإنهاك والضنى , لنصل الى البديع والتشبيب (( خدك وردي ... شعرك جعدي ... وصلك يحييني )) , سجعات مطربة وتقاطعات لفظية قصيرة تتناغم مع حركة الإيقاع لتمنح المطرب مساحة للتفنن في العُرَب والتفريد.

يقوم اللحن على صعود وهبوط منتظمين بين درجات مقام الراست (( من درجة اليكاه وحتى الكردان )) , مما يمنح المؤدي فرصة استعراض المساحة الصوتية (( العرّاب والقرار )) , وتتجلى القفزات الصوتية في الانتقال السلس عند الشطر (( خدك وردي )) , حيث يستعرض المطرب ليونة حباله الصوتية بين طبقتي الجواب والقرار , وفي الآهات والمدود يستثمر المطرب مقاطع المد في (( الأنوار )) و(( يسبيني )) ليطرزها بعُرَبٍ حلبية ومصرية أصيلة , متوقفاً عند كل كسرة ونبرة ليُحلق بالسامعين في فضاء من السلطنة الشديدة , وتأتي خاتمة البيت (( وصلك يحييني )) كذروة شعورية , إذ يستقر اللحن على نغمة الراست الأساسية ليمنح المستمع حساً بالارتياح والبهجة الكاملة بعد طول تشويق.

التطريب في الموسيقى العربية ليس مجرد مهارة حنجرية أو تزيين خارجي للحن , بل هو علم قائم بذاته من المشاعر والتقنيات , يهدف إلى تحويل الكلمة من مادة مسموعة إلى حالة شعورية تُعرف بـ (( السلطنة )) , وفي موشح (( وجهك مشرق بالأنوار )) , إنّ هذا الموشح ليس مجرد كلمات تُتلى , بل هو لوحة نغمية تتجدد مع كل حنجرة تُتقن فنّ التنفس , وتعرف كيف تستخرج من بين أحرف (( الآه )) و(( الأمان )) أسرار الطرب العربي الخالد , ويتجلى التطريب عبر عدة ممارسات ونغمات استثنائية , فعند غناء حرف المد في كلمة (( الأنـــوار )) لا يمد المطرب الصوت بنبرة جامدة , بل (( يطرّز )) امتداد الصوت بعُرَب صاعدة وهابطة خفيفة , تجعل الحرف يتكسر كأمواج البحر قبل أن يستقر على النغمة , والتفريد والشغف في الآهات والخروج المقامي المسبوك بعناية عن اللحن الأصلي لترديد (( الآه )) أو (( يا ليل )) كترجمة عميقة لمدى الشوق.

ان التطريب الحقيقي هو هذه اللحظة التفاعلية التي ينسى فيها المطرب أنه يُغني لحناً حفظه , ليصبح هو واللحن والمقام والجمهور كياناً واحداً يعيش حالة شفافة من الانتشاء النغمي , وعندما يصمت التخت الموسيقي بين جملة (( بعدك يضنيني )) وجملة (( خدك وردي )) , أو يستمر في إيقاع هادئ , ليفرد المطرب بصوته في آهة طويلة تبدأ من مقام الراست , ثم يعرج خفية على مقام البياتي أو النهوند لبيان ألم (( الضنى )) , ثم يعود بسلاسة أسطورية إلى الراست , فينتزع من الجمهور صيحات (( الله )), ثم يأتي التكرار بالتصعيد الديناميكي , أي إعادة الكلمة الواحدة بأكثر من أداء ونبرة في كل مرة لتعميق المعنى , وغناء شطر (( وصلك يحييني )) المرة الأولى بصوت خفيض ومهووس , ينقل للمستمع حالة الاحتضار والضعف , ثم إعادتها بصوت جليّ وممتد , يُشعر المستمع بجهش الحياة والبعث بعد الوصل .

إن الإمتاع الصوتي والبراعة المقامية في هذا الموشح ليسا مجرد عرض للمهارة أو استعراض للحبال الصوتية , بل هما تجلٍّ حقيقي للحاجة الأزلية التي تجدها الروح في (( التطريب )) , ذلك الفعل الوجداني الذي يُعيد للقلب توازنه ويزيح عن النفس أثقال الماديات , فالإنسان لا يستمع إلى النغم المتقن ليرفه عن سمعه فحسب , بل ليُغذي خبيئة في روحه تتوق إلى الشفاء والانعتاق , وحين تتلاقى عبقرية مقام الراست مع الآهات المضمخة بالوجد , يتحول الغناء إلى صلاة نغمية تسكن إليها النفوس , وتتحقق تلك (( السلطنة )) التي لا تُقاس بالألحان , بل بمدى ما تتركه في الأرواح من بعثٍ وإحياء , ليظل الطرب الأصيل هو المنفذ الأبهى الذي تتنفس منه الروح , والجسد الذي يعبر بنا من عتمة الضنى إلى إشراقة الوصل والسكينة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .


المزيد.....




- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...
- من -كولبنكيان- إلى -الشواكة-.. بغداد تسترد ألوانها وتتحدى سن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وجهك مشرق بالأنوار )) .