أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .














المزيد.....

مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 10:40
المحور: الادب والفن
    


حذره الدرويش من حِرفة حافّة الهاوية , أنها كالذهاب إلى آخر صخرة على آخر جُرف جبَلي والوقوف هناك على رجلٍ واحدة وانتظار القبول المتنائي , وإلا فإن البديل هو التردّي من الشواهق العُليا , ويحضر في الخاطر الشاعر امرؤ القيس عندما وصف حصانه في معلقته الشهيرة بقوله : (( مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل )) , هذا هو الانغلاق الفكري للمريد حين يهوى , وهو أخطرمن الجنون , يرى العالم بنظّارات تخصّه , ولا يرى العالم كما يراه بقيّة الناس , هنا تصبح مخاطبة هذا المنغلق بالمنطق وحساب الربح والخسارة المفهوم لدى البشر غير واردة , فهو يملك معاييره الخاصّة للربح والخسارة , حسب الفكرة والأمثولة التي يؤمن بها.

في حب التجلي فأن حافة هاوية الحب للمريد , تعبير مجازي عميق يصف شعور الوقوف بين الأمل والخوف في العلاقات الخفية , وحالة التوتر والتردد قبل اتخاذ خطوة عاطفية جريئة أو مواجهة نهاية محتملة قبل اللقاء بالدرويش , فلا خوف من السقوط , ولا قلق من جرح المشاعر أو الفقد , وأنما المغامرة والثقة , و اتخاذ قرار بالاستسلام للمشاعر رغم المخاطر , وذلك هوالتحول العاطفي بإدراك أن التجربة العميقة تستحق التضحية , والصوت يخترق الوجدان : دعنا نُلقي بأنفسنا من حافةِ جُرْفِ عاداتِنا , لتتلقّفنا هاويةُ العشاقِ بصدرٍ رحب , فلطالما كنتُ أقتربُ منها بحذر , ووددتُ كثيراً استكشافَ أعماقِ جوفِها التي لا خروجَ منها إلا بالانتحار الذي يتولّى مهمة الرحيل , وحتى بالموتِ الطبيعي في عُرفِ العشاق يستمرُّ الحبُّ .

يقولون ان الحب أن تظل واقفا على حافة الهاوية خوفا من السقوط , ثم تدرك أن السقوط هو الطيران نفسه حين تثق بمن يمسك يدك , وتعلم أن الهاوية ليست سوى مرآة النفس , فهل يتحول الرعب من (( التردي من الشواهق )) إلى (( رغبة واعية في السقوط بأحضان هاوية العشاق؟ )) , فدع نفسك لي , سأحملك بين ذراعيَّ , فتتشبث بي , فأتركُ ذاتك إلى رياح الهوى , لتجوب بنا في سماء هاوية العشاق قليلاً ثمّ تركنُ بنا في مكاننا الذي نستحق , فقط دع نفسك لي , لنرحلَ إلى غياباتِ العشقِ الأبدي.

ربما تسأل : لمَ الانتحار بالذات ؟ لمَ قد يفقدُ المرء صوابَه لدرجةِ أن يستعجلَ لقاء منيَّته ؟ تردد اعماق النفس : ليسَ باليدِ حيلة , أتعلم ؟ لطالما درسنا في صغرِنا أنّ الأقدامَ تسيرُ وفقَ إشاراتٍ يمليها الدماغ , ولكنْ نَسوا أن يستثنوا من هذه الحقيقة (( المُتيّم )) , فلطالما كانَ القلب هو الآمرُ الناهي المُحرِّك والمُوقف في حياة المُتيّم , والحبّ هو أسهمٌ تنطلقُ مخترقةً قلبَ المعشوقِ المبادِلِ للعشقِ مع قلبِ مطلقِ الأسهم , وفكرة الحب , حين تنطلق أسهمه من اتجاه واحد دون صدى , إنما تقتل الذات التي أطلقتها , وستبقى ترسم على وجهك ملامحَ بلهاءَ أضفتْ إليك جمالاً فوقَ جمالك.

يقول الدرويش : لطالما كانَ فضاءُ الحبّ رحباً , ولطالما كانت هاويةُ العُشاقِ بلا حواجزَ تعيقُ وصولَ الحبّ محمولاً على رياحِ الجنة , فأن كلّ هذا موضوعٌ لأجلِ قلبين اتفقا على خوضِ غمارِ الحبِّ معاً , وعندما قاطعه المريد متهيبا : وما دخْلُ الانتحارِ بهذا ؟ أجابه الصوت : أسهمُ الحبّ تنطلقُ معلنةً سيطرتها على كلا القلبين ما داما يُطلقا أسهماً تُجاه بعضهما , ولكن إن وقعت أسهمُ قلبٍ في هيمنةِ قلبٍ آخر يستثني الحبّ من حياتهِ فقد هلك , سَيَبني القلب الآخر حصوناً من فولاذ , وبكلّ شجاعة تنطلقُ أسهمُ العاشقِ باتجاه الفولاذ كمحاولةٍ لكسرِ حقيقة صلابة الفولاذ , فترتد الأسهم باتجاه القلبِ الذي أطلقها فتصيبه في مقتل , فيسأل المريد بارتجاف أوضحتْه ملامحه : أتسمِّي الموت بهذه الطريقة انتحارا ؟ ليرد الصوت بصلابة : نعم , فبداية أمر القلوب هيَ اللِّين , ولأن محاولةَ اختراقِ حقائقَ واقعيةٍ كصلابة الفولاذ هي الشقاءُ بحدِّ ذاته , أسمّي هكذا موتاً (( انتحاراً )) .

لازال يحلم برؤيا النعيم الذي سيحفُّهما , لأنه تذكر وعد الدرويش : (( ستعلن استسلامك غامر نفسك بين ضلوعي , فأشدُّ عليك , وأعود لمخاطبتك , وأنت تستنشق عطريَ الذي اخترته لي , أتعلم ما المميز في هاوية العشاق؟ إنها وضعت ذروة الحب في نقطة التلاشي , فكلما تقدمَ العاشقان بعشقِهما ابتعدت نقطة التلاشي , ومع سيرِ الحبّ بهما للوصول إلى الذروة سيعلمان أنهما تخطيا نقطة التلاشي الأولى ولا سقفَ لحبهما بل إن حبهما في الذروة منذُ البداية.

هكذا أدرك المريدُ سرَّ الحِرْفة , فالحافةُ لم تكن يوماً مجردَ صخرةٍ مشرفةٍ على الهلاك , بل كانت معبراً يتطهرُ فيه العاشقُ من أوهام الحساب والربحِ والخسارة , صمتَ الصوتُ , وارتسمت على وجهِ المريد تلك الملامحُ الإلهيةُ الشفيفة , فلم يعد يرى في الفولاذ خيبةً , ولا في السقوطِ تردياً , بل رأى في الاستسلام المطلقِ بدايةَ الخلود , أغمض عينيه , لا تهيباً من التلاشي , بل استقبالاً له , كمن يضع قدمه على أول الريح , متيقناً أن من يعبر هاوية العشاق مستنداً إلى الثقة , لا يقع أبداً في القاع , بل يصير هو والهاويةُ والسماءَ شيئاً واحداً لا نهاية له.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...


المزيد.....




- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .