أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .














المزيد.....

مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:28
المحور: الادب والفن
    


من أفضل ما كُتبَ في غرائب الانتظار , تلك المسرحية الشهيرة (( في انتظار جودو )) للكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت , حيث ينتظر رجلان شخصاً يدعى جودو , ولكنه لا يأتي أبداً , وكل يوم يأتي طفل صغير فيقول : (( جودو لن يأتي اليوم , لكنَّه سيأتي غداً )) , لا يعرف الرجلان من هو جودو ولا لماذا ينتظرانه , ولا متى سيأتي , ومع ذلك يتظاهر الرجلان الجالسان بجوار شجرة عارية على طريق مهجور بأنَّ للانتظار معنى , فيظلان على حالهما , الفيلسوف الواقعي الهادئ (( فلاديمير)) يحاول أن يجعل للانتظار هدفاً , بقوله : (( ما دُمنا انتظرنا جودو فلدينا موعد فنحن مهمون , أو أن أحداً سيهتم بنا )) , أما (( استراجون )) الملول المتعجل , فيردد كلمات تعبر عن ضجره بأن لا أحد يأتي أو يذهب , ويريد الرحيل , ولكنه لا يبرح مكانه أيضاً.

يصيح صوت من خلف ستارة , أكاد أجزم انه الدرويش : (( يا بُني , أعطني قلبَك , لا ثوبَك ولا مظهرك , ولا ما تضعه أمام الناس من كلماتٍ براقة وصورٍ جميلة , أعطني قلبًا يعرفُ أنَّ الإنسانَ إنسانٌ , قبل أن يكون له لونٌ أو طائفةٌ أو معتقد , وقبل أن يُكتب على جبينه أيُّ اسم , يا بُني , لا تجعل قلبَك نافذةً ترى منها الناس على اختلافهم , بل اجعله بابًا يدخل منه الجميع , فلا تسألِ الفقير من أي طائفةٍ أنت ؟ ولا تسألِ المِسكين ما لونك ؟ ولا تسألِ المُحتاجَ إلى أي معتقدٍ تنتمي؟ إن كانت يده تمتدّ إليك طلبًا للعون , فمدّ يدَك إليه قبل أن تمدّ إليه أسئلتك , يا بُني , الخيرُ لا يحتاج إلى بطاقةِ تعريف , والمحبةُ لا تحملُ جوازَ سفر , والرحمة لا تعرفُ الحدود , حين ترى دمعةً على خدّ إنسان فامسحها , وحين ترى جوعًا فأطعمه , وحين ترى قلبًا منكسرًا , فكن له كتفًا وسندًا , فربما يكون ذلك العمل صغيرًا في عيون الناس , ولكنه سيكون عظيمًا في عينيّ ربّ السَّماء )) .

غير أن الفرق بين صفير الريح حول شجرة بيكيت العارية وصوت الدرويش خلف الستارة , هو أن الأول ينتظر غائباً يضفي على وجوده قيمة , بينما يذَكِّر الثاني الإنسانَ بأن القيمة نابعة من داخله , يظل (( استراجون )) و(( فلاديمير)) أسيري حيرة سكونية , بينما يدعو الصوت الصوفي إلى الخروج من شرنقة الانتظار العبثي نحو الفاعلية , فتتحول المحبة إلى بوصلة , ويصبح العطاء هو المعنى الذي يبدد وحشة الطريق المهجور.

كانت وساوسه قد أخبرته , انه , في الهزيع الرابع يأتي , لا ليصلح خطأه , بل ليرفع عن كاهلك عبء ما وضعه عليك شانئوك , هو يأتي مرة ًوقد أَنْتَنْتَ فينادي :هلم خارجاً , ومرةً يأتيك وقد أشرفت على الغرق إذ شككتَ , فتيقنْ , أن من جعل فرعون يكفل موسى عدوه , وبدل حار النار في سر سرائري لبرد وسلام مع فتية ثلاثة كان هو رابعهم , قادر أن يسد أفواه الذين تنبأوا بالكذب عنك , ويرفع عقبك بعد سحقه , هو آتٍ , فلا تبتئس .

يعود الصوت خلف الستارة قائلا : (( لا تكنْ منَ الذين يُلمّعونَ القشورَ وينسون اللُّبّ , ويهتمون بما يراه الناسُ أكثرَ ممّا يراه الله , فما قيمةُ ثوبٍ أنيقٍ إذا كان القلبُ قاسيًا ؟ وما قيمةُ الكلماتِ المقدسة إذا لم تتحوّل إلى رحمةٍ تمشي بين الناس؟ وما نفعُ المظاهر إذا كان المحتاجُ يمرّ بجانبنا ولا يجدُ فينا يدًا تمتدّ إليه ؟ يا بُني , إنَّ القلب هو المعبدُ الحقيقيُّ للإنسان , فطهّره من الكراهيةِ ونظّفه من التعصّب , واملأه بالرحمة , واجعل فيه مكانًا للغريب والفقير واليتيم والمحتاج , ولكلِّ إنسانٍ أرهقته الحياةُ , وتذكّرْ دائمًا : قد ينسى البّشَرُ ثوبَك وكلماتِك وما جمعتَ من مالٍ ومجد , لكنّهم لن ينسوا يدًا أمسكتْ بأيديهم حين كانوا على وشك السقوط ، ولا قلبًا احتواهم حينَ ضاقت بهم الدنيا )) .

كان يكفيه الخدر اللذيذ في هودج الأنتظار, لذا استمر يتنصت للصوت القائل : (( يا بُني , أعطني قلبَك , فالقلب الذي يحبّ الخيرَ لا يحتاجُ إلى كثيرٍ من الكلام , والإنسانُ الذي يحملُ الرَّحمة في داخله , يتركُ خلفه في هذا العالم أثرًا لا تمحوه الأيام , فكنْ إنسانًا قبلَ كلّ شيء )) , وعودة لانتظار جودو , إذ قال استراجون المتعجل : (( لا يمكن الاستمرار هكذا )) , فرد عليه فلاديمير الهادئ بقوله : (( هذا ما تظن )) , وعندها ترفع الستارة وينشد الممثل وحده قائلا للجماهير :(( الى أولئك اللذين أشغلوا أنفسهم والمشاهدين بأنتظار - جودو - الى أولئك اللذين قد يشغلون - يوما ما - أنفسهم والمشاهدين بأنتظار جودو , لن يحضر جودو , وإنْ حضر , فلن نريده )) .

وهكذا تنزاح الستارة لتضع الحد الفاصل بين توهم المخلص الخارجي وبين امتلاك الذات , إن (( جودو )) الذي نرجوه ليس رجلاً يأتي من أقاصي الغيب ليمسح الألم , بل هو ذاك الشغف الإنساني الذي نوقظه في قلوبنا حين نمد أيدينا للآخرين , فمن ينتظر معجزة تسعى إليه يظل مصلوباً على هامش الحياة , أمّا من يستمع لنداء الدرويش فيصنع معجزته بنفسه , ليصبح هو الفجر الذي يُنهي ظلام الانتظار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .


المزيد.....




- مقاطعة كراسنودار تنضم إلى مشروع -العمر الثقافي المديد-
- بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم ...
- التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا ...
- -سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو ...
- رحيل أيقونة البولكا.. وفاة الفنانة اليابانية يايوي كوساما عن ...
- مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري ...
- أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
- الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل ...
- حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال ...
- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .