أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات الزمن .














المزيد.....

مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات الزمن .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 10:46
المحور: الادب والفن
    


تُعدّ تقنية (( الموازاة )) في الأدب الشعري العراقي نافذةً يقف من خلالها الشاعر أمام النص الأصلي ليصوغ تجربته الخاصة بروحٍ مُشابهة , مستلهماً المشاعر ومستدعياً الرمزية ذاتها , وفي هذا السياق , يأتي البيت الشهير للشاعر الكبير مظفر النواب : (( وأكولك ليش وازيت العمر يافلان )) , يعبر فيها عن الحزن , والشوق , وعتاب الغياب , وضياع العمر في الانتظار, بعد انشقاق حزبه , ويصور العتاب في أجواء القصيدة الممتلئة بمشاعر الشوق والحسرة لعدم سؤال المحبوب أو مجيئه , ولوعة الانتظار , وكيف انقضى العمر بين الأمل والرجاء , وليشكل ركيزة أساسية وعنواناً عريضاً لقصيدته الخالدة (( روحي )) , والتي تصنف ضمن ألمع عيون الأدب الشعبي في باب (( عتب الرفاق )) .

تتكئ القصيدة على لحظة فارقة في حياة النواب الوجدانية والسياسية , إذ نُظِمَت في أعقاب الانشقاق الذي شهدته الحركة الوطنية وحزبه آنذاك , لم يكن البيت مجرد تساؤلٍ عابر, بل كان صرخة اختزلت ضياع العمر في الانتظار , وصياغة فنية للسنوات التي انقضت بين الأمل والرجاء , وترقّب محبين أو رفاقٍ طال غيابهم , يصور الشاعر لوعة الغياب وعتاب الرفاق , ومرارة عدم سؤال المحبوب أو مجيئه , ممتزجةً بحسرة الانكسار الإنساني والسياسي , ولتتدفق كلمات القصيدة في أجواءٍ مشحونة بالشوق , حيث يتحول العتاب من مجرد مأخذ شخصي إلى مرثية شعرية تُسائل الزمن , وتُحاسب (( الفلان )) الذي دفعه لموازاة العمر ورهنه على أعتاب الانتظار.

وكما عودنا مظفر النواب , تتجلى في هذا النص قدرته الاستثنائية على مزج السياسي بالوجداني , فالمحبوب الغائب هو الرفيق , وهو الوطن , وهو الحلم الذي تبدد , لتبقى (( الموازاة )) شهادةً شعرية خاضعة لألم العتاب ولوعة الشوق , ولكن فكرة (( الموازاة )) تأخذ بعد الغزو منحنىً أشد قسوة وأكثر ظلاماً , إذ تحوَّل العتاب الشعري الرقيق الذي أرساه النواب إلى مواجهةٍ مع واقعٍ سياسي واجتماعي مغاير تماماً , لقد غابت لغة العتب , عندما جلب الغزو إلى المشهد شخوصاً وقيادات طارئة تفتقر إلى أدبيات العتاب الإنساني والرفاقي , شخوصاً لا يفهمون مرارة (( أكولك ليش وازيت العمر)) لأنهم بلا ذاكرة ولا انتماء.

وهكذا , من العتاب إلى الإلغاء , لم يعد (( الموازي )) في هذا الزمن رفيقاً يُعاتَب على الغياب أو يُشتاق إليه , بل أصبح نداً ومنافساً يجب التخلص منه وإزاحته من طريق المصالح الضيقة , وتحولت (( الموازاة )) من قيمة شعرية قائمة على التكافؤ والوفاء في زمن النواب , إلى تهمة يستوجب صاحبها الإبعاد , لأن الشخوص الجدد لا يتحملون وجود من يوازيهم قامةً أو تاريخاً أو بهاءً وطعماً , ليصاب الوطن بتضادٍ صارخ بين زمنين , زمن كبار الشعر والسياسة ممن يملكون شرف العتب ولوعة الانتظار , وزمن أفرزه الغزو لا يُتقن إلا لغة الإلغاء والتخلص من الآخر.

يمتد هذا التضاد الإنساني والسياسي عميقاً في ذاكرة التراث العربي , حيث تكرر المشهد التاريخي لظهور شخوص طارئة في أزمنة التحولات , شخوص لا تعرف قِيَم العتب , بل تسعى لإلغاء وتصفية كل من يوازيها قدرةً ومكانة , لنستذكر قول أبي فراس الحمداني في مأساة تغير الزمن ورجاله : (( مَعابِشَةٌ قَد زايَلَتْها مَكارِمٌ وَصارَتْ عُلوجاً حَيثُ تُسْتَصْغَرُ العُلَى )) , حيث يستحضر أبو فراس حسرة الشريف والشاعر عندما يُسَلَّم الزمان لشخوصٍ سقطت منهم أدبيات المكارم والعتب , وتصدروا المشهد وهم أصغر من القيمة والقامة , وكذلك محنة ابن المقفع وصناعة الإزاحة , فلم يكن ابن المقفع مجرد كاتب , بل كان قامة توازي السلطة بالفكر والبيان , وحين ضاق به شخوص الإدارة والسياسة ممن لا يملكون أدوات المواجهة والفكر , لم يعاتَب ولم يُحاور , بل تم التخلص منه بدم بارد , ليكون أول ضحايا سياسة (( تصفية من يوازي )) , ثم بيت أوس بن حجر في انقلابات الدهر وشخوصه : (( وَإِنَّ عَرِيّاً عَنِ المَكْرُماتِ لَمَنْ لا يَرَى لِأَخٍ مالِكاً )) , يشير التراث هنا إلى النمط البشري المجرد من المروءة , النمط الذي لا يرى في الرفيق أو الموازي شريكاً يُعاتَب , بل يراه عقبةً تجب إزاحتها.

تؤكد هذه الاستشهادات أن تجربة الغزو وما أفرزته من شخوص لا يفهمون العتب إنما هي امتداد لظاهرة تراثية قديمة , عندما تسقط المروءة والسياسة الرشيدة , يختفي (( العتب )) ويحل محله الإلغاء والتخلص من الكبار , وتقف (( الموازاة )) في الذاكرة العرقية والثقافية شاهدةً على تحوّل الزمان وأهله , من زمنٍ كان فيه العتاب أرفع درجات الوفاء بين الرفاق , كما جسّده مظفر النواب في لوعته وحسرته , إلى زمنٍ أفرزته التحولات والغزو , يتصدر فيه المشهد شخوصٌ يضيقون بكل قامةٍ توازيهم , ولا يتقنون إلا لغة الإقصاء والتغييب.

ويبقى الفرق الجوهري قائماً بين منطقين , منطق الكبار , الذي يحفظ للرفقة حقها , ويجعل من العتاب جسراً للوفاء وصيانةً للعمر المهدور , ومنطق الطارئين, الذي يرى في الكفاءة والقامة خطراً يهدد وجوده , فيسعى لإلغائها , غير أن التاريخ والتراث يؤكدان دوماً أن النصوص الرفيعة والمواقف النبيلة هي التي تخلد في ذاكرة الأمة , بينما تذهب الشخوص الطارئة وأفعالها جفاءً , ليبقى بيت النواب وصوته حياً , يذكّر كل جيل بمعاني الوفاء ومرارة الانتظار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .


المزيد.....




- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات الزمن .