أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق المعاصر.














المزيد.....

مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق المعاصر.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 21:57
المحور: الادب والفن
    


كلما نؤوب من صالون الأفندي , نعود بكتاب يرافقنا , أو فكرة تسكننا , أو نص يفتح لنا نافذة لمقامة جديدة , اليوم , عصفت أفكار الدكتور الأفندي , فأطلق هذه العبارات (( والله لولا يد تحت الحجر , وكبد حرى تحت الخنجر - تدمى وتتفتت - لسمعتم مني ما لا يسر النظر )) , وهي شطر لبيت بليغ يُضرب به المثل في شدة الضيق وقلة الحيلة , إذ تصف حالة العجز التام والوقوع تحت ضغط الحاجة أو سلطة القهر , وتُقال عندما يُجبر الإنسان على الصمت وتحمل الإهانة قبولاً بوضع مجحف لا يرضاه , فقط لأن لديه مسؤوليات كبرى أو أشخاصاً يخاف عليهم يمنعونه من التمرد , فتكون اختصاراً لتجرع المرار من أجل البقاء وحماية الأحبة.

اليقين في مواجهة القلق ثم أتبعها بعبارة: (( ليغلبنّ لطفه خوفي , وليغلبنّ قدره سوء ظني , نعم الرب أنت وبئس العبد أنا )) , وهي مناجاة إيمانية عميقة تعكس يقين العبد الذي يتغلب على كل خوف وقلق , فغلبة اللطف تعني أن رحمة الله وكرمه أكبر من أي ذنب أو تقصير , مقترنة باعتراف بالتقصير الذاتي مع ثقة مطلقة بفضل الخالق واليقين بالفرج واللطف الخفي , وتُنسب جذور الأبيات في التراث الأدبي والشعبي المقطوعة التراثية الشهيرة ((يا محنة الدهر كفّي إن لم تكفي فخفي , قـد آن أن تـرحمينا من طول هذا التشفي , طلبتُ حظاً لنفسي فقيل لي قد توفي أو ذهبت أطلب بختي فقيل لي قد توفي فلا علومي تجدي ولا صناعة كفّ يثور يـنال الثريا وعالم متخفي )) لعدد من الشعراء , ووردت في كتاب (( اللطائف والظرائف )) للثعالبي وقيل للمعافى بن زكريا , لتعبر عن الشكوى من قسوة الزمان وركوب الجاهل وصمت العالم .

كما تُروى هذه الأبيات في التراث الأدبي والشعبي في القصة الشهيرة المعروفة بـ (( صانع الذهب والصائغ الظالم )) , حيث يحكى أن صانعاً ماهراً ومحترفاً في صياغة الذهب حار به الرزق , فعمل لدى صائغٍ جشع يُعطيه بخساً من المال ولا يعطيه قدره , وتظاهر الصائغ أمام الملك بأنه هو صاحب المهارة , فلما صنع الصانع أساور للملك ونقش هذه الأبيات في باطنها خفية , قرأها الملك وفهم القصّة , ونصر الصانع المظلوم وهُمّش الصائغ الجاهل , وفي التراث الروائي - ألف ليلة وليلة - وردت الأبيات أيضاً في (( حكاية الصياد مع العفريت )) , حيث أنشدها الصياد حين ألقى شبكته في البحر مراراً ولم يخرج له فيها سوى القوارير والقمامة وانسدت أمامه أسباب الرزق , قبل أن يخرج له القمقم.

عاش العراقيون هذه الأبيات واقعاً معيشياً بعد صدمة التحول العراقي بعد 2003 , لتختزل فلسفة الألم والمفارقات التي عاشها المواطن العراقي في أعقاب الغزو , حيث واجهت الفئات الهشة والمبدعة أزمات مركبة , (( يا حُرْقَةَ الدهر كفّي إن لم تكفي فعفي )) وهي تجسيد لحالة الإرهاق النفسي والمعيشي نتيجة تتابع الأزمات , حتى بات الفرد يطالب بحد أدنى من (( العفاف )) والتوقف عن تحميله ما لا يطيق , (( فلا بحظي أعطى , ولا بصنعة كفي )) , التي تصف تضاؤل الفرص المبنية على الاجتهاد والمهارة الفردية بعد انهيار البنى الاقتصادية , ليحل محلها نظام المحاصصة والمحسوبية , (( خرجت أطلب رزقاً فوجدت رزقي توفي)) , وهي تعكس واقع البطالة المستشرية أمام الخريجين والشباب , حتى أصبح البحث عن لقمة العيش الكريمة أشبه بالبحث عن شيء مات وانتهى أثره , ((كم جاهل في ظهور وعالم متخفي )) وهو التعبير الأكثر مطابقة للواقع , بتصدّر غير المؤهلين للواجهة السياسية والإدارية عبر العلاقات والمحسوبيات , مقابل تهميش وتغريب الكفاءات الوطنية والأكاديمية واضطرارها للتواري أو الهجرة.

تختزل هذه الأبيات الشعرية البليغة فلسفة الألم وحجم المفارقات التي عاشها المواطن العراقي في أعقاب غزو عام 2003 , إذ لم تكن التغييرات السياسية مجرد تحول في نظام الحكم , بل امتدت لتحدث زلزالاً واجهت فيه الفئات الهشة والمبدعة أزمات مركبة مست جانب الرزق والأمان وقيمة العلم , لتظل هذه المقطوعات مرآة حية تعكس صدمة التحول الاجتماعي والثقافي , وتوثق صراع الإنسان لأجل الكرامة والبقاء وسط قسوة الظروف , وتجسد هذه النداءات حالة الإرهاق النفسي والمعيشي التي ألمّت بالشارع العراقي , فمنذ الغزو وتتالى الأزمات من تدهور أمني , واقتتال طائفي , وفقدان للخدمات الأساسية , حتى بات الفرد العراقي يطالب بحد أدنى من (( العفاف )) والتوقف عن تحميله ما لا يطيق من النكبات متتابعة الفصول.

ربما تكون هذه الأبيات هي الأكثر مطابقة للواقع الثقافي والسياسي والأكاديمي بعد الغزو , وتصدُّر طفيليين وغير مؤهلين للواجهة السياسية والإدارية والإعلامية عبر علاقات حشرية ومحسوبيات , وتمكنهم من مفاصل ومقدرات الدولة , وتعرض الكفاءات الوطنية من أطباء وعلماء وأساتذة جامعات إلى التهميش , أو التهديد والتصفية والملاحقة , مما اضطر الكثير منهم إما إلى التواري عن الأنظار (( متخفي )) داخل البلاد أو مغادرتها في أكبر موجة نزيف عقول شهدها تاريخ العراق الحديث , وتظل هذه المقطوعات مرآة حية لقدرة التراث على اختزال أصعب التحولات التاريخية , عاكسةً صراع الإنسان المستمر لأجل الكرامة والبقاء وسط قسوة الظروف.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .


المزيد.....




- نجم فيلم -Rocky Horror-.. وفاة تيم كاري عن عمر يناهز الـ80 ع ...
- وفاة نجم فيلم -وحيد في المنزل- تيم كاري
- الأبوذية.. -مع تميم- يستعرض مكانة أحد أبرز فنون الشعر الشعبي ...
- سرقة على طريقة أفلام -الأكشن-.. كيف حاول لصوص نهب شاحنة وهي ...
- سلسلة أفلام -فاست أند فيوريوس- تحتفل بمرور 25 عامًا على انطل ...
- كنز من 2600 قطعة نقدية فضية يكتشف في مدينة روسية بعد 600 عام ...
- فيلم -طبيب أمريكي- يوثق شهادات صادمة حول استهداف المنظومة ال ...
- إيرادات شركات الرسوم المتحركة في موسكو تتجاوز 8 مليارات روبل ...
- -الفن أخذ من إنسانيتي-.. الفنانة السعودية داليا مبارك تعلن ا ...
- يحيى جابر.. المسرحي الذي جعل اللبنانيين يشاهدون أنفسهم على ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق المعاصر.