أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .















المزيد.....

مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:28
المحور: الادب والفن
    


الجهل ليس غياب معلومة فحسب , بل غياب روح , هو عتمة تسكن في العقول , وتتمدد بصمت في الأزقة والبيوت والمدارس والمجالس , حتى يصبح صوتها أعلى من الحقيقة , وأثقل من الحلم , وأخطر من السلاح , الجاهل لا يعرف , وتلك مصيبة , لكن الكارثة أن يظن أنه يعرف , فيكذب بثقة , ويظلم بجهل , ويُفسد وهو يظن أنه يُحسن صنعًا , هو لا يشك , لا يتردد , لا يسأل , يمشي بثبات نحو الهاوية , وقد يُغنّي في الطريق , حين يحكم الجهلُ أمّةً , تصير فريسة سهلة لكل من هبّ ودبّ , تنكفئ على ذاتها , تتغنّى بماضيها , وتخاف من الغد , يموت فيها العلم , ويُضرب فيها العقل , وتُهدر الطاقات , وتُسرق الثروات , ثم يُقال لها : هذه إرادة الله , والجهل لا يقتل برصاصة , بل يقتل ببطء , يُميت الضمير , ويُضعف الإحساس ,، ويُخدّر الغضب , يُربّي الطغاة , ويُبرّر الفساد , ويمنح الخونة غطاء الفضيلة , إنه ليس غفلة عابرة , بل مرض خبيث , لا يُشفى منه إلا بنور الوعي , وسؤال الشك , وجرأة المعرفة , وسكينة الحكمة , فالحرية لا تسكن عقلًا جاهلًا , والنهضة لا تقوم على أكتاف العميان , والكرامة لا تُمنح لمن لا يدرك قيمتها , فلنحذر الجهل , فإنه الموت , لكنّه موتٌ في هيئة حياة .

كنا نردد قديماً أن (( الجهل هو العدو الحقيقي للإنسان )) عبارة بدت مستقرة في وجدان الثقافة العربية , غير أن الطفرة الهائلة في وسائل الاتصال قلبت المعادلة , فالجهل لم يعد وحده في الميدان بل صار ينافسه وربما يتفوق عليه (( التجهيل المنهجي )) صناعة منظمة لإرباك الوعي وتوجيه الإدراك وإعادة تشكيل الحقيقة بما يخدم مصالح محددة , بيتَ الشّريف الرّضي (ت: 406هج) : (( لما رأيتُ جنودَ الجهلِ غالبةً/ والنَّاسُ في مثل شدقِ الضَّيغمِ الضَّاري )) , وما أجاد به أبو العلاء المعريّ (ت: 449هج) : (( لما رأيتُ الجهلَ في النَّاسِ فاشياً/ تجاهلتُ حتَّى ظُن أني جاهلُ )) , وترى المعريّ منافحاً عن العقل , أو محفزاً لمن هو (( بحاجة إلى لذة اليقين )) : (( أراك الجهلُ أنَّك في نعيمٍ/ وأنتَ إذا افتكرتَ بسوءٍ حالٍ )) , وكيف يكون الأفوه الأوديّ - قبل الإسلام - جاهلاً وهو القائل : (( لا يصلحُ النَّاس فوضى لا سُراةَ لهم/ ولا سُراةَ إذا جُهالهم سادوا/ والبيتُ لا يُبتنى بأعمدةٍ/ ولا عِمادَ إذا لم تُرس أوتادُ )) الشَّيزريّ , المنهج المسلوك
.
الحقيقة لا تخيف إلا من بنى إيمانه على الأسطورة , أما من بنى إيمانه على العلم , فالتاريخ صديقه لا عدوه , يقول جورج أورويل : ((ليس الجهل ما يُخيف , بل أولئك الذين يحرسونه )) , وعبارة ابن رشد تقول : (( اذا اردت ان تتحكم في جاهل فعليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني )) , وهناك بعض الشعوب لديهم متعة شديدة أن يبقوا في المستنقع , في السبخ، في الأرض ذات نَزٍّ ومِلح وماء مر وعكر , والجهل لا ينتصر بالسلاح , ولا يدخل المدن على دبابة , لكنه يزحف كالدخان , هادئًا , ناعمًا , قاتلًا , ينتصر الجهل , حين يتثاءب العقل , وينام الضمير , ويُصفَّق للجهلاء لأنهم (( أبناء الواقع )) .

ينتصر الجهل حين يُحاكم المثقف , ويُكرَّم التافه , ويُنصَّب من لا يعرف , ويُقصى من يرى أبعد من يومه , ينتصر الجهل , حين يقول أحدهم: دعك من التفكير , عشْ حياتك , وكأن الحياة شيء آخر غير أن تفكّر وتختار , ينتصر حين يختفي السؤال , وتُكفّن الحقيقة , ويُرشَّح الصامتون , ويُخوَّن المفكرون , ينتصر الجهل حين نكتفي بما لدينا , لا لأننا بلغنا الغاية , بل لأننا خفنا من الرحلة , والجهل لا ينتصر لأنه قوي , بل لأن الوعي تعِب , والأحرار تعبوا , والحق قرر أن يصمت , قليلًا , لكن النور لا يموت , وقد ينتصر الجهل لحظة , لكن كل لحظاته تظل ترتعد من سؤال واحد: (( ماذا لو استيقظ الناس؟ )) .

عندما سأل الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي الراحل القدافي : لماذا تستثمر أموالك في السلاح و لا تستثمرها في التعليم ؟ فكانت إجابة القدافي : أعلّم شعبي كيف يثور علي في يوم من الأيام , فأجابه بورقيبة : يثور عليك شعب مثقف أفضل من أن يثور عليك شعب جاهل , بورقيبة هو الرئيس العربى الوحيد الذى كان يصرف ثلث ميزانية الدولة على التعليم اما على السلاح فكان لا يصرف الا 5% علي عكس ما كان يفعل الحكام العرب الاخرين , وكان يقول دائما ان تعليم بنت تونسية واحدة اهم من امتلاك طائرة نفاثة , وعندما سألوة كيف ستمنح المراة حقوق في مجتمع ذكوري تربي علي ان يهضم كل حقوقها ؟ رد عليهم : سأفرض حرية المرأة و حقوقها بقوة القانون , و لن أنتظر ديمقراطية شعب من المنخدعين بالثقافة الذكوريه باسم الدين .

(( وفى زيارة لكوريا الجنوبية قبل سنوات , سألتهم عن الأماكن الأثرية بالبلاد , لأزورها , فقالوا إنه لا يوجد مبنى قائم قبل منتصف الخمسينيات , قلت لهم: فكيف حدثت هذه المعجزة فى كوريا ؟ قالوا : لا توجد معجزة , كل ما فى الأمر أننا وجهنا جزءا كبيرا من الميزانية العامة للتعليم والبعثات الأكاديمية , وقبل شهرين أو ثلاثة , زارنى أستاذ يابانى متخصص فى الأدب العربى وأعطانى نسخة من مقالة نشرها عنى فى واحدة من أشهر الجرائد اليابانية , كنا جالسين فى مقهى قاهرى , وجاء أحد الظرفاء وسلم عليه وسأله : أنت من كوكب اليابان ؟ فضحك , سألته : فى منتصف القرن العشرين كانت أحوال مصر أفضل من أحوال اليابان , فكيف تقدموا بسرعة وأحدثوا هذه المعجزة؟ قال : لا توجد معجزة , كل ما فى الأمر أننا وجهنا جزءاً كبيراً من الميزانية العامة للتعليم والبعثات )) .

الفرد الجاهل , يضيّع طريقه في الحياة , لا يعرف كيف يختار , لمن يستمع , أو ماذا يرفض , يمتلئ بالخوف , أو بالغرور , يعبد الأقوى , أو يظن نفسه نبيًا , يفتح قلبه للدجال , ويغلق عقله عن الحكيم , فتجده عبدًا لعقيدة زائفة , أو تابعًا لأيديولوجيا عمياء , ويحيا حياة بلا حياة ,أما المجتمع الجاهل، فصورة من الأسى المركّب , تنبت فيه الخرافة كما تنبت الأعشاب في المقابر , وتعلو فيه الأصوات الفارغة , وتُكمم فيه أفواه العارفين , يتعصب الناس فيه لأسمائهم , طوائفهم , قبائلهم , لا لقيمهم , يقتتلون على وهم , ويتخاصمون على رماد.

تؤكد هذه الشواهد قاطبةً أن المعركة مع الجهل لم تعد مجرد محو لأمية الحروف , بل هي مواجهة صريحة مع منظومات (( التجهيل المنهجي )) التي تُستثمر لإغلاق العقول وتغييب الوعي , إن تجارب الأمم - قديمها وحديثها - تثبت أن النهضة لا تُبنى بجمع السلاح أو التغنّي بالأمجاد الماضية , بل بالاستثمار الجريء في بناء الإنسان , وفرض سيادة القانون , وتخصيص الموارد للتعليم وحرية الفكر , فالجهل , وإن زحف كالدخان وساد برهة من الزمن , يظل كياناً هشاً يرتعد أمام أول شعاع من نور الوعي , وحين تستيقظ الشعوب وتُدرك قيمة المعرفة , تسقط الأساطير وتبدأ الحضارة الحقيقية.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .


المزيد.....




- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...
- هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
- أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد ...
- في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا ...
- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...
- مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
- 27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
- سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
- افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .