أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .















المزيد.....

مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


من جميل غناء فيروز وجمالها أن تسمع لها بمنتهى العذوبة تختصر لك الحكاية, (( يوْم جيتْ أنا لْعنْدكُم قَبْل العشا بنتْفِه , ولقيْتكم نايمين وسراجكم مَطفِي , مدَّيْتْ إيدي عَ الحَبَق لأقْطُفْ أنا قَطْفِه , صاحيْتْ بنت لكُم يُمَّه يُمَّه حرامية )) , وهذه الكلمات الجميلة هي من أجمل وأشهر أغاني الفلكلور اللبناني والشامي , والتي غنتها المطربة الكبيرة فيروز وتُعرف باسم (( عَ الحَبَق )) أو (( يوم جيت أنا لعندكم )) , والأغنية من ألحان وتوزيع الأخوين رحباني , وتتميز بطابعها القروي البسيط والعفوي الذي يروي قصة حب بريئة في أجواء القرية .

كثيراً ما أجد الناس يربطون بين فيروز وقهوة الصباح , يقولون فيروز والقهوة طقس صباحي , فيروز والقهوة وأمطار الخريف , ولكن فيروز بالنسبة لي تقف خارج الزمان والمكان , تقف على الحدود بين الحقيقي والمتخيل , أستمع إليها فأتألم كما تتألم كلمات الأغنية , أو أفرح بها كما تفرح , أو أطرب كما تطرب هي بلحنها , لا أعرف لماذا ولا كيف , ولكن الأمر لم يعد يحتاج تفسيراً بالنسبة لي , لقد أصبحت وأنا في عمري هذا أستسلم تماماً لهذا السحر , سحر الصوت , وسحر اللحن , وسحر الإحساس , أفكر كثيراً كم أن أصوات البشر هي المعجزة الحقيقة , لا الكمانات ولا النايات ولا الأعواد والقيثارات , كيف يخرج الصوت هكذا آخذاً بتلابيب العقل من بين جنبات اللحم والدّم , هي معجزة الجمال التي أرى صنع الله فيها كلما أخذتني عبرة القهر أو قفزت نفسي مع فرح اللقاء , أو تألمت روحي لمرارة الفراق.

أذكر أنني عندما كنت طفلا لاهيا لم ألتفت كثيراً لفيروز , كان صوتها حزيناً ربما بالنسبة لي , فلم يلائم طفولتي الساذجة , شيئاً فشيئاً أصبح سواد العالم أكثر وضوحاً , جاءت الانتفاضات والحروب والمجازر , وصدحت معها فيروز , أول ما عرفت كان (( زهرة المدائن )) ولأنني تثقفت وقتها ان اعتبر نفسي فلسطينيا فقد رأيت في غنائها للقدس أمراً يعنيني ويعزّيني , كانت الأغنية تنعى الموتى , وتحفظ ذكراهم , ربما كنت أقف دائماً عند الاستماع إلى فيروز لأن في صوتها معاناة من نوع خاص لمن يحمل كل كلمة وكل لحن عنده طوفاناً من الصور والذكريات التي عاشها ولم يعشها , (( لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلي , سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب , وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية , وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية )) .

أردد معها بإخلاص , وكأن الصوت كلما كان أعلى كلما كانت فرصة تحقق الكلمات أكبر؟ كنت أتخيل المشهد , أتخيل المغارة , والأجراس والمآذن , أتخيل الأزقة والماء يغمرها فتنتقل من حمرة الدماء إلى بياض الحجارة , ثم كبرت قليلاً , وفهمت معنى الغربة , ومعنى ألا يكون لك وطن تعود إليه , ألا تعرف أين أنت وإلى ماذا تنتمي , أن لا تتعرف عليك الأرض التي ولدت عليها , كنت أسمع (( فزعانة يا قلبي , أكبر بهالغربة , ما تعرفني بلادي خدني على بلادي )) . وأردد معها والحرقة في صدري والغصة في حلقي , ولا أعرف أين البلاد التي أبكي عليها , ولكنني أعرف أنني لست فيها , ثم كبرت وأصبحت أرددها وأرى تلالاً وطرقاً ترابية , ثم صارت نبتات الصبر تنمو على الجانبين , وأغصان الزيتون وأشجار الليمون بثمارها الصفراء تطل من ورائها , ثم تسللت إلي رائحة الخبز , وعبق الزعتر , ومرارة زيت الزيتون الأخضر (( يا نسيم اللي مارق عا أرض الغار , حلفتك تجي تلعب عندي بهالدار , خبرني انكان بعدو بيذكرني , ببلدي وعالسهرة ناطرني , حلفتك خبرني كيف حال الزيتون , والصبي والصبيي بفيي الطاحون , واللوزي والأرض وسمانا , هو هني بلدنا وهوانا )).

الاستماع إلى فيروز ليس سهلاً , إن فيه معاناة من نوع خاص لمن تحمل كل كلمة وكل لحن عنده طوفاناً من الصور والذكريات التي عاشها ولم يعشها , لقد تخطى الأمر (( المزاج )) و(( الحالة )) , لقد أصبحت مرادفاً لحياة غيبتها (( الظروف )) وقهر المعتدي على كثرة صوره , هل يمكن أن أسمع لبيروت مثلاً ولا (( ينحرق قلبي )) على المدينة؟ على أهلها ؟ علينا ؟ على خيباتنا ؟ على الأعمار التي لم يعشها أصحابها ؟ على البيوت التي حولها أهلها رماداً ؟ هل يمكن أن نقول: من قلبي سلام لبيروت دون أن ينخلع القلب مع السلام الذي يخرج إليها ؟

طيب هل تسمع مثلاً (( رجعت الشتوية )) ولا تصاب بوحشة البعد؟ هل تسمعها ولا تفكر في كل من يعيش شتاءً بعيداً وحيداً ؟ أنزل بشاشتي لأقرأ , فأجد أفواجاً من المهجرين والمغَرّبين , سوريا , العراق , لبنان , فلسطين , المغرب , من كل مكان , يتمنون أيام الشتاء القديمة , يقولون عاد الشتاء ولم نعد بعد , يؤمنون على دعاء بعضهم أن يمضوا الشتاء القادم في غرف دفأتها أنفاس من يحبون , في بيوت تعرفهم وتحفظ حرارة أجسادهم , يلتحفون ويشربون أكواب السحلب , يشوون الكستناء , والبطاطا , أحلام متواضعة جداً ولكنها تخترقني كخناجر مسنونة , لأنها ذكريات تحمل كل ما عرف هؤلاء , تحمل حياة كانوا يظنونها باقية لهم , حتى استيقظوا ذات يوم على غربة متوحشة اختاروها أو أجبروا عليها , ولكنها الآن حقيقتهم التي تلتهم كل شيء .

كثيراً ما أقول لنفسي , انني أبالغ , لا يستحق الأمر كل هذا (( العمق )) ولا كل هذا التأثر , هي فقط أغنيات , ولكنني أستطيع أن أصدق هذا , لا أستطيع أن أصدق أنها (( فقط )) أغنيات , لا (( البوسطة )) , ولا (( ضاق خلقي يا صبي )) , ولا (( فوق هاتيك الربى )) ولا (( رفيقي صبحي الجيز )) ولا , ولا , لا يمكن أن تكون مجرد أغاني .

فيروز ليست مجرد صوت يرافق الصباحات أو يبلل حنين الغربة , بل هي الأرشيف العاطفي لأجيال تشبثت بالحياة وسط الخراب , والذاكرة الشاهدة على أحلامنا التي انكسرت وأمانينا التي لم تكتمل , نحبها لأنها تعيد إلينا أنفسنا القديمة قبل أن تطحننا الأيام , ولأنها تمنحنا الحق في حزن نقي ونبيل لا يخجل منه المرء , وتصوغ من أوجاعنا الجماعية والفردية لحناً يجعلنا أكثر إنسانية .

إنها جزء من أيامنا وأحلامنا وأعمارنا , كلما مضى عام , يقولون: عيد ميلاد فيروز , بالأمس تأملت في حقيقة أن فيروز في الثمانيات , قمت بتشغيل مقطع مصور فيه مجموعة من أغانيها أعدّه أحدهم , استعمت معي ابنتي , سألتني: من يغني؟ قلت لها: من تعتقدين؟ حاولَت أن تتذكر الاسم , قلت لها أن فيروز ولدت في مثل هذا اليوم , سألتني: هل هي حقيقية؟ قلت لها نعم هي حقيقية وهي من بلد في بلاد الشام اسمه لبنان , طلبت مني أن آخذها يوماً ما إلى لبنان حتى ترى فيروز . فكرّت في نفسي , قلت ربما هي أعوام وتغيب فيروز، ثم يبدأ كل ما كنّا نعرف بالغياب شيئاً فشيئاً , أحب أن أشاهدها وهي تغني في الحفلات لا التسجيلات , أنظر إليها وقد اختلفت عبر السنوات , أرى السيدة المسنّة , أشعر برغبة في البكاء .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .


المزيد.....




- للرجال والنساء بتعاون فرنسي.. محمد رمضان يدخل سوق العطور الع ...
- ليدي غاغا ترزق بمولودها الأول (صور)
- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فنانون من أجل وقف إطلاق النار.. تجمع يطالب بإنهاء حرب غزة
- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .