أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .














المزيد.....

مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 09:55
المحور: الادب والفن
    


(( كان الثعلب يلتهم حيواناً قد قتله , وفجأة علقت عظمة صغيرة في حلقه ولم يستطع بلعها , وفوراً شعر بألم فظيع في حنجرته , وبدأ يركض ذهاباً وإياباً يئن ويتأوه باحثاً عن أحد يساعده ,حاول أن يقنع كل من قابل ليزيل له العظمة , قائلا : سأعطيك أي شيء إذا أخرجتها , وافق طائر الكركي على المحاولة , فاستلقى الثعلب على جنبه وفتح فكيه إلى أقصى حد , فوضع الكركي رقبته الطويلة داخل حلق الثعلب وبمنقاره حرر العظمة وأخرجها أخيرا , قال الطائر: هل تسمح بأن تعطيني ما وعدتني به , كشر الثعلب أنيابه عن ابتسامة ماكرة وقال : كن قنوعاً , لقد وضعتَ رأسك في فم ثعلب وأخرجته آمناً , أليست هذه جائزة كافية لك؟ )) .

تسعى الحكايات الرمزية والأمثال الأدبية دائماً إلى تجسيد الطبائع البشرية في صور تتجاوز المباشرة, لتُقدم دروساً أخلاقية تُحاكي واقع التعاملات الإنسانية عبر العصور, وقصة (( الثعلب وطائر الكركي )) ليست مجرد حكاية على لسان الحيوان , بل هي نموذج رمزي مكتمل لأحد أكثر مواقف الحياة تعقيداً : حين يُقابل الإحسان بالغدر , ويُصبح الوفاء بالعهود عملة نادرة عند ذوي النفوس الخبيثة , مما يضع المرء أمام حقيقة صلبة مفادها أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لمنع أذى الماكرين.

يتجسد موضوع الحكاية الرئيسي عن خيانة العهود وجزاء النكران عند التعامل مع الخبثاء من خلال محورين أساسيين داخل النص , الأول جشع الماكرين وغدرهم , وعدم وفاء الثعلب بوعده للطائر رغم مساعدته له وإنقاذ حياته , واستغلال حاجة الآخرين ثم التملص من العهد بمنطق معكوس , وثانيا سوء تقدير العواقب والسلامة كغنيمة , فمغامرة طائر الكركي بتقديم المساعدة لشخص معروف بالمكر , ليصبح أقصى ما يحصل عليه ليس (( المكافأة الموعودة )) , بل مجرد (( النجاة برأسه )) من فك المفترس , أي ان العهود مع الماكرين نهايتها مكر أيضاً .

يزخر التراث الأدبي والإنساني بقصص وحكم تُعالج هذه الفكرة بعينها (( المعروف في غير أهله , وخيانة العهود من لئام النفوس , واعتبار السلامة منهم أقصى المكسَب )) , فمن أمثال العرب وحكمهم (( اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه )) , وهي حكمة عربية سائرة تُختصر موقف الكركي مع الثعلب , حيث يتحول الإحسان إلى فرصة للغدر أو المنّ بالسلامة , وقول زهير بن أبي سلمى من معلقته (( وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمّاً عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ )) , ومن قصص التراث والحكايات قصة (( الأعرابي والأفعى )), حيث يُروى أن أعرابياً وجد أفعى تُوشك أن تموت من البرد , فأخذها ووضعها في خبيئته ليدفئها , فلما لدغته وقال لها : (( هذا جزاء إحساني إليك؟ )) قالت: (( هذا طبعي , وفيمَ أملتَ غيره؟ )) وهي تُماثل تماماً منطق الثعلب الذي رأى أن عدم أكل رأس الكركي هو بذاته (( المكافأة )) , وموقف (( مجير أمّ عامر )) وهو من أمثال العرب الشهيرة , و (( أم عامر )) هي الضبع , يُحكى أن أعرابياً أجار ضبعاً مطاردة وحماها وسقاها وسمنها , فلما قَويت ونام الأعرابي عدت عليه فبقرت بطنه وغدرت به , فقال فيه القائل : (( ومَن يَجعلِ المَعروفَ في غيرِ أهْلِهِ يُلاقِ الذي لاقَى مُجيرُ أمِّ عامِرِ)) .

يتبين لنا أن التراث الإنساني يتفق على تحذير العاقل من إسداء المعروف في غير أهله , ومن المراهنة على أمانة من شيمته الخداع , فالطمع في مكافأة من لئيم ليس سوى وهم , والسلامة من شره تُعدّ في منطق أهل المكر أعظم العطايا , وختام القول إن الحكمة تقتضي ألا يضع المرء رأسه في فك المفترس ويتوقع منه العرفان , بل إن حسن التقدير والتحسب لطبائع البشر هما الحصن المنيع الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقه ويحميه من ندم النكران.

صباج الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .


المزيد.....




- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...
- مشاركة قطرية لافتة في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي للكت ...
- في مشهد يبرز ملامحها الثقافية.. السعودية في معرض موسكو الدول ...
- الثقافة العُمانية تتألق في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .