أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العاكة والكيش والمردي .















المزيد.....

مقامة العاكة والكيش والمردي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 13:37
المحور: الادب والفن
    


مقامة العاكة والكيش والمردي :

(( عاكة و بعيد الكيش والمردى مكسور ---- البية ما ينكال واليدرى معذور )) , هذا البيت الجميل من الشعر الشعبي العراقي مليء بالصور البلاغية المستمدة من بيئة الريف والأهوار العراقية , ويعبر عن ضيق الحال , وعمق المعاناة التي يصعب شرحها للناس ,والعاكة , تعني التوت , أو تعقدت , أو اشتبكت الأمور ببعضها وصارت صعبة الحل , والكيش , الجرف , أو اليابسة ,أوالشاطئ القريب الآمن الذي ترسو عنده السفن والمشاحيف , اما المردى فهو عصا طويلة وقوية يُدفع بها أو المشحوف - القارب - في المياه الضحلة للأهوار والأنهار , مكسور يعني تهشم وتحطم , مما يعني فقدان وسيلة الحركة والنجاة.

والشطر الأول (( عاكة و بعيد الكيش والمردى مكسور)) , يصف الشاعر حاله كمن تقطعت به السبل وسط مياه عميقة ومضطربة , والشاطئ البر والآمان (( الكيش )) بعيد جداً عنه , والوسيلة الوحيدة التي يملكها ليدفع بها قارب حياته نحو النجاة (( المردى )) قد انكسرت , فهي صورة مجازية عن قمة العجز والورطة , اما الشطر الثاني (( البيه ما ينكال واليدرى معذور )) , يكمل الشاعر بوصف ألمه الداخلي , ويقول إن ما يمر به من وجع وهموم كبيرة وصعبة لدرجة لا يمكن وصفها أو قولها باللسان (( البية ما ينكال )) , والمَلوم في هذا الموقف معذور (( اليدرى معذور )) , لأن من يعلم بحجم هذه المصيبة سيعذر الشاعر على حزنه , أو صمته , أو قلة حيلته , وباختصار , يجسد البيت عزة النفس في تحمل المصاعب , ووصف ذكي جداً لانسداد الطرق وضيق الفرج بكلمات جنوبية أصلية دافئة.

ان هذا البيت ليس مجرد شعر قديم من الأهوار , هذا وصف حقيقي ودقيق لحال العراقيين ولديرتنا بعد سنة 2003 , اذا اردنا ان نحكيها بالطريقة اللي نعيشها ونحسها كل يوم , (( عاكة )), عقدة ورا عقدة , والأمور تشابكت وتعقدت , خرجنا من حرب ودخلنا بحرب , ومن طائفية لضيم وقهر , ومن انقطاع كهرباء لقلة خدمات , والأمر مضت عليه سنوات معقدة ولا احد يعلم متى تنفك هذه العقدة , و(( بعيد الكيش )) , الكيش هو الشاطئ والبر الأمان , وبعد الغزو ننظر للفرج وللأمان ونقول (( هسه تهون )) , ولكن كل ما نتقدم خطوة نلقى الشاطئ لازال بعيدا , والأمان اللي نحلم بيه صار مثل السراب نركض وراه وما من لحاق .

(( والمردى مكسور )) , المردى هو العصا اللي يدفع بيها ابن الهور مشحوفه حتى يعبر , وهذا هو الوجع الأكبر , لأن وسيلة النجاة والنهوض انكسرت , الشباب والناس الذين يحاولون ان يغيروا الواقع , ويعبرون بالبلد لبر الأمان , يلقون الظروف والواقع الصعب يكسر بإرادتهم وبوسائلهم , و (( البية ما ينكال)) , هذا حال كل بيت عراقي بعد 2003 , كمية الحزن، , ومرارة الفقد , والهموم المكتومة بقلوب الناس أكبر بكثير من أن تحكى بسالفة أو تتلخص بتقرير , فوجع العراقي صامت ولا تعبر عنه الكلمات , (( واليدرى معذور )) الذي يعيش الواقع العراقي , ويعرف الذي مرّ على هذا الشعب من ضيم وظلم وتهجير وخوف , يعذر العراقي إذا تعب , أو صمت , أو فقد الأمل ببعض اللحظات , (( اللي إيده بالمي مو مثل اللي إيده بالنار )) , ومن يعرف حجم العذاب يعذر صاحب الوجع .
يمكن تفكيك البعد الدلالي للبيت في ظل الواقع العراقي بعد الغزو عبر المحاور التالية:

أولاً: ((عاكة )) – انسداد الأفق وتداخل الأزمات , والمعنى البيئي , تشابك القصب والبردية وتداخل الطين في القاع بشكل يمنع القارب من الحركة , والبعد الواقعي بعد 2003 , تعقُّد المشهد السياسي والاجتماعي , حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على جانب واحد , بل تداخلت الأزمات الأمنية مع الفساد الإداري , وانعدام الخدمات الأساسية , وتراجع الهوية الجامعة لصالح الانتماءات الفرعية , أصبحت كل محاولة للحل تنتج عقدة جديدة , مما خلق شعوراً عاماً بالانسداد والتعطيل.

ثانياً: (( بعيد الكيش )) – اغتراب الأمان وضياع الاستقرار , المعنى البيئي الابتعاد عن الشاطئ الصلب (( الكيش )) حيث اليابسة والبر الآمن , والبعد الواقعي بعد 2003 , ابتعاد مفهوم (( الدولة الضامنة )) والأمان الاجتماعي , عاش المواطن العراقي حالة من الاغتراب داخل وطنه , فالاستقرار الذي كان يُنتظر بعد التغيير صار يبتعد كلما قُطعت مرحلة زمنية , استُبدل الطموح بالبناء والتنمية بالرغبة الأدنى وهي البحث عن الأمان الفردي والسلامة الشخصية وسط موجات العنف والنزوح.

ثالثاً : (( المردى مكسور )) – انعدام حيلة المواطن وإنهاك أدوات التغيير , المعنى البيئي , تحطم العصا القوية التي يُعتمد عليها في دفع المشحوف وتوجيهه , والبعد الواقعي بعد 2003 , فقدان أدوات الفعل والتحكم بالمصير, المردى هنا يمثل إرادة الفرد ومؤسسات المجتمع المدني والطبقة الوسطى التي كانت تدفع بعجلة المجتمع نحو الأمام , إن انكسار المردي يعكس حجم الإنهاك الذي أصاب الطاقات الشبابية والكفاءات التي حاولت النهوض بالواقع , فواجهت عقبات هيكلية وضغوطاً اقتصادية وأمنية أدت إلى تعطيل قدرتها على التغيير.

رابعاً : (( البية ما ينكال )) – الصدمة الوجودية وعجز التعبير , المعنى البيئي ثقل الهم الذي يتجاوز القدرة على الوصف , والبعد الواقعي بعد 2003 , الوجع الجمعي الذي خلفته التفجيرات اليومية , وفقدان الأقارب , وتهديم النسيج الاجتماعي في العديد من المناطق , إن حجم الخسارات البشرية والنفسية التي تعرض لها الفرد العراقي تجاوز حدود الصياغة اللغوية , فالألم أصبح واقعاً يومياً معيشاً يُحتمل بالصمت والجلد بدلاً من الشكوى.

خامساً : (( اليدرى معذور )) – شرعنة التعب والالتماس للإنسان العراقي , المعنى البيئي التماس العذر لمن يعلم بضخامة الظرف وقسوته , البعد الواقعي بعد 2003 , تقديم إطار لتفهم حالة النكوص أو الغضب أو الهجرة التي لجأ إليها الكثيرون , يعكس هذا الشطر تفهماً عميقاً لطبيعة الضغط النفسي المتراكم على المواطن , فمن يدرك حجم التحولات والويلات التي مر بها العراق خلال العقود الأخيرة يعذر هذا الشعب في قلقه الدائم , وحذره الشديد , وتشككه في وعود الإصلاح المتكررة.

يختصر بيت الشعر هذا حكاية وطن كامل تقطعت فيه السبل وسط المياه العميقة , ولكنه لم يزل صابرا وواقفا على حيله رغم المردى المكسور , إن القوة التعبيرية لهذا البيت تكمن في قدرته على نقل أزمة تحديث معقدة بلغة تراثية بليغة , واصفاً حالة شعب يمتلك التاريخ والعرق لكنه يجد نفسه مجرداً من أدوات التوجيه وسط تلاطم الأحداث , هذا البيت ليس مجرد صياغة لغوية مستمدة من بيئة الأهوار العريقة , بل هو وثيقة وجدانية تشرح التحول البنيوي والنفسي الذي عاشه المجتمع العراقي بعد عام 2003 , إن استعارة (( المشحوف )) المحاصر وسط المياه العميقة تختزل تجربة وطن استيقظ على انهيار المؤسسات , وتفكك البنى الاجتماعية , ودخول البلاد في دوامة من الأزمات المركبة.

ختاماً , لا يجسد هذا البيت مجرد حسرة عابرة في ذهن ابن الأهوار , بل يقدم وثيقة وجدانية تشرح التحول البنيوي والنفسي الذي عاشه الإنسان العراقي , إن استعارة (( المشحوف )) المحاصر وسط المياه العميقة تختزل تجربة وطن استيقظ على انكسار أدواته , لكنه رغم تلاطم الأزمات وبعد الشاطئ، لا يزال يغالب الموج بصلابة التراث وعزة النفس .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .


المزيد.....




- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة العاكة والكيش والمردي .