أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .














المزيد.....

مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 10:25
المحور: الادب والفن
    


نشرت أمل محسن المناور , نصا مختصرا و مقولة يتداولها النقاد يقول : (( أشباهنا الأربعون ليسوا بالضرورة من البشر , ربما قصائد , أغاني , نصوص , أو في الروايات )) , ومعروف ان مقولة (( يخلق من الشبه أربعين )) , هي مثل شعبي وتعبير مجازي يُستخدم لوصف شدة الشبه بين شخصين أو أكثر , والعدد (( أربعون )) هنا ليس دقيقاً أو حرفياً , بل يُقصد به الكثرة والمبالغة في وجود أشخاص يتشابهون في الملامح أو الطباع , حيث يؤكد العلم وواقع الحياة أن تقاسيم الوجه المحدودة قد تتطابق أو تتشابه بين أشخاص لا تجمعهم أي صلة قرابة وفي أماكن متفرقة من العالم , الا انه تقع خلف هذه المقولة رؤية فلسفية وجمالية شفافة تعيد تعريف مفهوم (( الأشباه الأربعين )) المتجذر في الثقافة الشعبية كمرادف للتشابه الجسدي , لتنقله إلى فضاء العاطفة والفكر والروح , ولو ان هناك من يقول ان الروح كالبصمة تبقى منفردة ليست لها أشباه .

هذا مايسمى تجاوز المادي إلى المعنوي , عندما تُخرج الكاتبة فكرة الشبيه من الإطار البيولوجي الضيق (( الملامح والأشكال )) إلى إطار إنساني أوسع , فالانتماء الحقيقي للإنسان ليس بالضرورة لشخص يشاركه الملامح , بل لمن يشاركه شعوره وأفكاره , وعندما تجد في قصيدة , أغنية , أو نص أدبي ما يعبر عنك تماماً , هنا يكون الفن كمرآة للذات , وإن هذا المنتج الإبداعي يصبح (( شبيهك )) لأنه يعكس عوالمك الداخلية التي قد يعجز حتى الأشخاص المقربون عن رؤيتها , وتدعو المقولة الى البحث عن الأنس والتآلف , وتلامس حالة من العزلة الشفيفة التي يعيشها الإنسان , إذ يبحث دائماً عن شيء يشبهه ليخفف عنه شعور الغربة , ويكون الفن والكلمة هما الإطار الأنسب لهذا التآلف.

تلمس المقولة التي اختارتها أمل المناور عمق الخافيات النفسية , فكم من بيت شعر اختصر تاريخاً كاملاً من مشاعرنا , وكم من شخصية خيالية في رواية وجدنا فيها ملامح أرواحنا وكأنها كُتبت لنا خصيصاً لقد نجحت الكاتبة في صياغة الفكرة بلغة مكثفة وشاعريّة , تُذكّرنا بأن شبيهك الحقيقي هو كل ما يلمس روحك ويجعلك تقول عند قراءته أو سماعه: (( هذا أنا )) , وبالفعل , حين نحدق بالمرآة فهي لا تعكس دائماً أشباهنا , وأنما أحياناً تفعل ذلك الكتب , والموسيقى , واللحظات التي نشعر فيها أن النص يتحدث لغاتنا الخفية .

ولكي نطوف مع الكاتبة في نفس الفلك والرؤية , نقول ان أشباهنا الحقيقيين ليسوا من يحملون ملامحنا , بل من يملكون مفاتيح صمتنا , قد تجدهم في سطرٍ مجهول , أو معزوفةٍ قُدّت من حنين , وربما لا نملك أربعين شبيهاً من بشر , لكننا حتماً نملك أربعين خيبةً صيغت في أبيات شعر , وأربعين أملًا وُلد بين صفحات كتاب , والأرواح لا تتشابه بالوجوه , بل بالندوب , ولذا تجد شبيهك الأقرب يختبئ في شجن أغنية قديمة لم يكتبها لك , لكنها كُتبت عنك , لأن أشباهنا هم أولئك الذين كتبوا ما عجزنا عن قوله , ورسموا ما خشينا إظهاره , أشباهنا هم صوتنا حين نلوذ بالصمت .

وهكذا تتسع دائرة المرايا , فالمرء لا يكتفي باكتشاف شبيهه في النص أو النغمة , بل يتعرف على ذاته الموزعة في تفاصيل هذا العالم الشاسع , إن تشابه الأرواح بالندوب والأثر هو الذي يجعل غريبًا عاش قبل قرون في أقصى الأرض أقرب إلينا من جيران المسافة , لأن الهم الإنساني واحد , والوجع المتخفي بين السطور لا يحتاج إلى بطاقة هوية كي يُعرَف , ومن هنا يصبح الفن ليس مجرد أداة للتسلية , بل ملاذًا لإعادة لملمة أجزائنا المتناثرة في أشباهنا المنسيين بين الكتب والموسيقى.

وفي ختام هذا التطواف , يبقى الشبيه الحقيقي هو ذلك الذي يعيد إلينا إنسانيتنا كلما أوشك التعب أن يجردنا منها , قد لا نلتقي بأشباهنا الأربعين في زحام الشوارع , ولا في عابر الصدف , لكننا حتمًا نلتقيهم كلما أطفأنا أضواء العالم ولذنا إلى كتاب , أو أغمضنا أعيننا على لحنٍ يلامس شغاف الفؤاد , هناك فقط , ندرك أننا لسنا وحدنا في هذا الفضاء , وأن أرواحنا المبتلاة بالشجن لها أخوةٌ في السريّة , يضيئون عتمتنا دون أن يعلموا.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .


المزيد.....




- سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
- بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان ...
- -على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف ...
- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .