أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول العراق .















المزيد.....

مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول العراق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


يتشكل هذا الحوار الشعري الفريد بين قصيدتي (( هل أتاك حديث الرواة؟ )) للشاعرة العراقية ساجدة الموسوي و(( العراق لا ينحني )) للشاعرة الإماراتية أسماء بنت صقر القاسمي كلوحة أدبية متكاملة تجسد عمق التضامن القومي والوجداني , ففي الوقت الذي تنطلق فيه نبرة الموسوي من قلب المأساة العراقية لتؤكد على الشموخ والانبعاث والتحدي , يأتي رد القاسمي كصدى أخوي يحمل شهادة تاريخية حاسمة ترفض مقولة الانكسار , ليتعانق النصان في رسم صورة العراق الحية التي تتجاوز جراح المحن وتستعيد مكانتها الحضارية العصية على المحو , ويقدم النصان نموذجاً راقياً للسجال الشعري العربي المعاصر المبتعد عن المنافسة الضيقة , والمتجه نحو التضامن القومي والتكامل التناصي , النص الأول لـ (( نخلة العراق )) يمثل صيحة صمود واعتزاز تخرج من قلب المعاناة , بينما يجيء رد الشاعرة الإماراتية كصدى أخوي يوسع مدى الصورة ويمنحها عمقاً تاريخياً وشعوراً عربياً عابراً للحدود .

النصان حوارية أدبية تجسد عاطفة عابرة للأقطار , أجمل ما فيهما هو المثاقفة الوجدانية , فحين تنادي شاعرة العراق من قلب الرزايا , لا تلاقي مجرد صدى تقليدي , بل تلاقي نصاً إماراتياً يستحضر الذخيرة التاريخية العراقية بأكملها , هذا الحوار يعيد للقصيدة العربية دورها التاريخي كرباط قومي وثقافي جامع , فلقد نجحت أسماء القاسمي في بناء (( معادل موضوعي )) لقصيدة الموسوي , فإذا كانت الموسوي تساءلت عن حديث الرواة , فإن القاسمي جعلت من التاريخ والجغرافيا (( دجلة , الفرات , النخيل , المآذن )) هم الرواة الصادقون الذين لا يجورون حتى لو تلعثم الرواة من البشر, وذلك هو التكامل بين الرؤية والرد.

لا تكتفي القصيدتان بالبكاء على الأطلال أو التباكي على (( الرزايا )) و(( المنايا )) , بل تصران على مفهوم الانبعاث (( الرماد الذي يتحول إلى عبور , والشعب الذي يُبعث من القبور )) , النصان يقدمان العراق ليس كضحية , بل ككائن حضاري عصي على المحو والاستهانة , وتلك هي فلسفة الأمل وتجاوز المأساة , ويمثل الحوار بين الشاعرتين وثيقة أدبية جميلة تؤكد أن الشعر العربي ما زال قادراً على ممارسة دوره الأصيل في ترميم الروح وحفظ الذاكرة , والتأكيد على أن الحضارات الحية وإن كُلمت , لا تموت.

مقارنة تحليلية بين النصين , ان المحور البلاغي للنصين يقدم استفهام حثي يبحث عن ايصال الصوت للعالم مع اجابة وتقرير حاسم يبدد الظنون وينفي الأنكسار , ويقدم شهادة من الداخل المعايش للمأساة والصمود تقابلها شهادة من الخارج العربي الداعم والمؤكد للخلود , وهناك التناص والتناغم في الاستفهام في (( هل أتاك حديث الرواة؟ )) الذي يحمل تناصاً بلاغياً مع الأسلوب القرآني (( هل أتاك حديث )) ليعطي للحدث رهبة وعظمة , ورد القاسمي التي التقطت الخيط من الموسوي مباشرة (( سل الرواة )) لتجيب على استفهام القصيدة الأولى , وكأنها تقول: إن تلعثم الرواة فإن الشواهد والأرض تتكلم.

إن القراءة المتأنية لهذين النصين تعكس قوة الكلمة العربية حين تتجاوز حدود الجغرافيا لترمم الروح وتصون الذاكرة الجمعية , لقد استطاعت الشاعرتان ,عبر تقاطعات التناص وتكامل الصور بين شعر التفعيلة والبحر الخليلي الموزون , أن تقدما وثيقة جمالية تؤكد أن العراق ليس مجرد ضحية للرزايا , بل هو كائن حضاري ضربت جذوره في أعمق طبقات التاريخ , ليبقى الحوار بين الموسوي والقاسمي شهادة أدبية خالدة على أن الغزاة ومحن الزمان إلى زوال , بينما تظل الحضارة والشعوب الحية عصية على الانحناء.

صباح الزهيري .


قصيدتان :

قصيدة نخلة العراق ساجدة الموسوي: ( هل أتاك حديث الرواة؟ )
ورد الشاعرة الاماراتية الكبيرة أسماء بنت صقر القاسمي: ( العراقُ لا ينحني)
……………………….

هل أتاك حديث الرواة ؟
---------
للخلودِ مدىً لا يُحَدُّ
لهُ في فضاء الرّؤى أنجمٌ لا تُعدُّ
فحّلّقْ وخذْ ما تريد
لهُ قصصٌ واللّيالي شهود ..
هل أتاك حديثُ الرّواة ِ؟
يقولون ما مرَّ يومٌ ببابلَ لم تلقَ فيه
من الحاقدين الرّزايا
ومن أسهم الغاصبين المنايا
ولكنّها لم تمت
وشامخةً بقيت ما انحنت
وكانت مسوّرةً باللّظى وتجود ..
فخُذْ من ذرى الرّافدين سماءً لعزّك واشمخ
فكلُّ الحوادث قَصٌّ
وكلُّ اللّيالي شهود
-------
ساجدة الموسوي

وردت الشاعرة الإماراتية الكبيرة أسماء بنت صقر القاسمي على قصيدة الشاعرة نخلة العراق بهذه القصيدة :

العراقُ لا ينحني
-------------------

سَلِ الدّهرَ عن أرضِ العراقِ فإنَّها
سِفرُ الخلودِ فلا تَبيدُ و لا تبورْ

و سَلِ الرُّواةَ عنِ العراقِ فإنَّهُ
مجدٌ يَطولُ فلا يَموتُ ولا يَغورْ

سَلْ دِجلةَ الخضراءَ كيفَ تَدفَّقتْ عِزًّا
وكيف على امتداد ضفافها جَثَتِ العصورْ

وسَلِ الفراتَ ففي خريرِ مياههِ
صوتُ الأُلى شادوا الحضارةَ والقصورْ

هاتيك بَابِلُ ما انحنتْ لنوائب ٍ
مهما تعاظمَتٍ الكوارثُ و الشّرورْ

كم مُعتد ٍجاءَ البلادَ مُكابِرًا
فمضى ..وباقٍ في حِماها مَنْ يثورْ

كم غاصبٍ رفعَ السّيوفَ بوجهِها
فتكسَّرتْ، وبدا العراقُ هو الجَسورْ

ما ضرَّ نخلاً أن تعرَّضَ للرّياحِ
إذا الجذورُ على المدى عُمقاً تغور

تبقى المآذنُ والنخيلُ شواهدًا
ويظلُّ في صدرِ الزمانِ لها عبيرْ

أرضٌ إذا جُرحتْ تَفجَّرَ جرحُها
فجرًا، وصارَ من الرّمادِ له عبورْ

وأذاقَها التاريخُ ألفَ مصيبةٍ
فغدتْ من البلواءِ أصلبَ لا تخورْ

في كلِّ شبرٍ من ثراها قصةٌ
وعلى التّرابِ من البطولةِ شعَّ نورْ

هذي بلادُ الرّافدينِ إذا جرى
دمُها فماءُ الكبرياءِ بها يفورْ

لا تسألوا: هل ماتَ مجدُ حضارةٍ؟
فالمجدُ في أهلِ العراقِ له جذورْ

قولوا لمن ظنَّ العراقَ سينتهي :
هيهاتَ، هذا الشعبُ يُبعثُ من قبورْ

إنْ هدَّموا سورًا بنى أبناؤهُ
سورًا من الإيمانِ ما فيهِ ثغورْ

وإذا توهَّمَ غاصبٌ أنَّ الدّجى باقٍ.. تطلُّ من العراقِ لهُ بدورْ

فخذوا من التاريخِ أصدقَ حُجَّةٍ:
إنَّ العراقَ وإنْ يُحاصَرْ لا يَخورْ

سيظلُّ شامخَ جبهةٍ، متوثِّبًا
ما دامَ فوقَ ترابِهِ قلبٌ غيورْ

وسَلِ الرُّواةَ فإنْ تلعثمَ قولُهمْ
فالأرضُ تعرفُ، والليالي لا تجورْ

هي بابلٌ، هي نينوى، هي كربلا
هي كلُّ ما أبقى الخلودُ من العصورْ

وسيكتبُ التاريخُ آخرَ سطرهِ:
ماتَ الغزاةُ..
وعراقنا ما زال في الدّنيا يدورْ

#أسماء_صقر_القاسمي






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .


المزيد.....




- يعقوب الأطرش.. فنان فلسطيني يكتب التاريخ بالفسيفساء
- 5 صفقات أشعلت الانطلاقة العالمية للموسيقى الإفريقية
- الفاشر وأسئلة المآل.. حين تصبح الثقافة والتراث والإبداع تحت ...
- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول العراق .