أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟














المزيد.....

مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 11:05
المحور: الادب والفن
    


(( يسعود حكام المدن دفلة )) ,عبارة هي جزء من قصيدة شهيرة للشاعر العراقي الكبير مظفر النواب , وتحديداً من قصيدته التي يحذر فيها صديقه أو الشخصية التي يخاطبها (( سعود )) , على لسان زوجة سعود وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة غدرا من خداع السلطة والحضر , و (( الدفلة )) شجرة مرّة السموم , جميلة الشكل ولكنها غير مأكولة ومرّة المذاق , ويقصد الشاعر هنا تشبيه حكام المدن أو السلطة بالدفلة , أي أن ظاهرهم مخادع وباطنهم مرّ وسموم , ويحمل البيت تحذيراً لـ (( سعود )) - بيرغ الشرجية - من الركون إلى أهل المدن أو أصحاب السلطة فيها وعدم أمان كلامهم غير المبني على أساس متين , وتنطوي القصيدة على معاني الثورة , ورفض الظلم , والاعتزاز بأصالة الريف والبدو والثوار , والحذر التقليدي للثائر الحقيقي من زيف المدن وسياساتها.

يمكن إسقاط هذا النص البلاغي على الواقع السياسي والاجتماعي للحكام الذين أفرزهم زمن الغزو والتحولات , وتحديداً في التعاطي مع حماة الفساد وسراق المال العام تحت ذرائع الحصانة الدينية أو التقدم في السن , ففي الموازاة في المحاسبة والمساواة أمام القانون , وفي حين يعجز (( الطارئون )) عن احتمال أي قامة شريفة توازيهم في النزاهة والكفاءة , فيعمدون إلى إقصائها , فإنهم يمارسون (( موازاة )) زائفة ومكيالاً مزدوجاً حين يتعلق الأمر بمليارات الشعب المنهوبة , فيستثنون الفاسد المقرب بحجة (( موقعه الديني )) أو (( كبر سنه )) , بينما يُسحق المواطن البسيط على أصغر المخالفات.

ولما كان منطق الكبار, يتجلى في حماية سيادة القانون وحفظ أمانة الأمة وثرواتها , واستخدام السلطة كأداة لإحقاق الحق , حيث يكون الوفاء للوطن والشعب أسمى من التغطية على الأشخاص مهما بلغت عناوينهم , فأن منطق الطارئين , يرى في فتح ملفات كبار الفاسدين خطراً يهدد المنظومة بأكملها , فيلجأ إلى تسييس الدين والمفاهيم الإنسانية (( كالكبر في السن )) لتبرير العفو عن السراق , لحماية وجوده وشبكته المصلحية.

مثلما يخلد التاريخ مواقف النبلاء والنصوص الرفيعة كصوت مظفر النواب , فإن عدالة التاريخ وذاكرة الشعوب , تسجل أيضاً الفساد والتغاضي عنه , إن إضفاء الهالة الدينية أو إظهار (( الرحمة )) المزعومة على من سرق قوت الملايين لن يحميهم من حكم التاريخ , فالنصوص الفقهية والشرعية والضمير الإنساني يجمعون على أن الأموال العامة حق للأمة لا يسقط بالتقادم ولا تعفي منه الرموز , ويبقى صوت الحقيقة يذكر الجماهير دائماً بأن من يعفو عن سارق المليارات بداعي (( المكانة )) أو (( السن )) إنما هو شريك في الإجحاف والسرقة , وأن ما يفعله هؤلاء الطارئون يذهب جفاءً في ذاكرة الأمام , بينما تتجذر قيم النزاهة والعدالة في الوجدان الجمعي.

يُمثّل شخوص (( زمن الدفلة )) النموذج الأوّلي للخراب , وال (( الدفلة )) شجرةٌ قاسية , خضرتها خادعة وأزهارها زاهية لكنها شديدة السمّية ومريرة المذاق , هؤلاء هم حكام تلك المرحلة الذين اقتلعوا قيم التسامح والعتاب البنّاء , واستبدلوها بمنطق (( الدفلة )) السمّي الذي لا يُنتِج إلا الموت والخراب , واختزلوا إدارة البلاد في تصفية الحسابات وإلغاء الآخر , فضاقوا بكل قامةٍ شريفة توازيهم في النزاهة والكفاءة.

أما الحكام الحاليون , تجار الحصانة وسراق المليارات , فهم الورثة الشرعيون لمنطق الإقصاء ولكن بصيغةٍ أكثر ارتهاناً وابتذالاً , حيث تحوّلت السلطة في عهدهم إلى مظلة لحماية سراق المليارات ومصادرة أموال الشعب , يتذرعون بـ(( الرموز الدينية )) أو (( كبر السن )) لإسباغ صفة العفو والرحمة على المفسدين , بينما يستنفدون القانون لبطش الضعفاء والمطالبين بحقوقهم , هؤلاء يسخرون (( الموازاة )) والمساواة لصالح حماية شبكاتهم المصلحية , مستغلين العنوان الشعائري أو الإنساني لتبرير نبيذ الفساد , ومكرسين منطق (( الطارئين )) الذي يخشى العدالة وسيادة القانون.

يروى في الأثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , قوله في إقامة العدل وعدم مراعاة ذوي السطوة : (( واللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النساءُ وَمُلِكَ بِهِ الإماءُ لَرَدَدْتُهُ , فإنَّ في العَدْلِ سَعَةً , ومَنْ ضاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ فالجَوْرُ عَلَيْهِ أضْيَقُ )) , وهكذا , ومهما حاول (( حكام الدفلة )) وسدنة الفساد الحاليون تشويه الحقائق واستغلال العناوين الدينية والإنسانية لشرعنة السرقات والعفو عن المفسدين , فإن التاريخ لا يُكتب برغبات الطارئين , سينقضي زمنهم وتبقى المليارات المنهوبة عاراً يلاحق أسماءهم , بينما تظل مواقف النبلاء وأصوات الشعراء المطالبة بالعدالة والوفاء صامدةً في ذاكرة الأمة , شاهدةً على أن الحق لا يسقط بالتقادم , وأن ما أُخذ بالباطل سيبدد جفاءً أمام التاريخ .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .


المزيد.....




- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...
- الولايات المتحدة: هيئة محلفين تدين زعيم عصابة بتهمة قتل مغني ...
- بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة ...
- ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي ...
- أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ ...
- شاعر سوري يفوز بجائزة -عبد العزيز سعود البابطين- التقديرية ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟