أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة الذاكرة الوطنية .














المزيد.....

مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة الذاكرة الوطنية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 10:12
المحور: الادب والفن
    


من قصص تولستوي بالغة القصر بعنوان (( الهر والفئران )) : تكاثرت الفئران في منزل , أقام هر فيه وأخذ يطاردها , أدركت الفئران أن أمورها أخذت تسوء , فقالت فيما بينها : (( أيتها الفئران , لن ننزل بعد الآن من جحرنا , ولا يستطيع الهر أن يبلغ هذا المكان )) , ما أن كفت الفئران عن النزول من جحرها حتى أخذ الهر يبحث عن حيلة يمكنه بها أن يصطادها , تشبث بالسقف بإحدى قدميه , وترك نفسه يتدلى من فوق , وتظاهر بأنه ميت , ألقت فأرة نظرة خاطفة خارج جحرها , وقالت : (( يا أخ , تستطيع إن شئت أن تتحول إلى كيس , فليس هذا هو الذي يدنيني منك )) , تستعرض لنا هذه القصة صراعاً رمزياً مكثفاً يتناول مفهوم الذكاء السياسي , والتكيف مع المخاطر , وحدود الحيلة أمام الوعي والتجربة , ورغم إيجاز القصة الشديد , إلا أنها تحمل في طياتها عمقاً فلسفياً ودرساً إنسانياً باليغ الأثر.

اعتمد الهر على القوة المباشرة والمطاردة التقليدية , وهي استراتيجية أثبتت نجاحها مؤقتاً حتى أدركت الفئران موضع ضعفها وقررت التراجع , فكان انتقال الاستراتيجية من القوة إلى الخدعة , وهذا التحول يعكس كيف يلجأ القوي إلى (( المكر والدهاء )) عندما تعجز القوة الغاشمة عن تحقيق الغاية , ثم تمكنت الفئران من حماية نفسها ليس بمواجهة الهر, بل بفهم حدود قدراتها , فاتخذت قراراً جماعياً بالاستقرار في المكان الذي لا يصله العدو - الجحر - , وهذا هو (( وعي الضعيف وسلاح التضامن )) بما يعبر عن أهمية الوقاية والتفكير العقلاني في إدارة الأزمات لدى الأطراف الأضعف.

سقوط الحيلة أمام الذاكرة والتجربة عندما لجأ الهر إلى حيلة دراماتيكية بتمثيل الموت والتعلق بالسقف كالكيس المتدلي , وهي حيلة تعتمد على استغلال فضول الضحية أو غفلتها , لكن الفأرة لم تنخدع بالمظهر الخارجي , لأنها اختبرت طبيعة الهر سابقاً , الدرس هنا أن الخبرة والتجربة السابقة تمثل حصانة ضد الخداع مهما تغيرت أشكاله , وجاء رد الفأرة (( تستطيع إن شئت أن تتحول إلى كيس )) محتفظاً بالمسافة الآمنة ومغلفاً بالسخرية كأداة للمقاومة الذكية , وهذا الرد لم يكشف حيلة الهر فحسب , بل أفقده فاعلية سلاحه الجديد (( الخدعة )) موضحاً أن اليقظة الحقيقية تجعل مكائد الماكرين بلا قيمة.

الأبعاد العميقة في أدب تولستوي الإنساني , الصراع بين الظاهر والباطن حيث يظهر الهر في شكل كيس ساكن بلا حياة (( الظاهر )) , لكن حقيقته تظل مفترساً ينتظر اللحظة المناسبة (( الباطن )) , ولذا تحذر القصة من الاغترار بالظواهر والتغيرات الشكلية التي يبديها الخصوم , ثم الحكمة اللحظية فلم تتطلب الحماية إستراتيجيات معقدة , بل تطلبت فقط (( الملاحظة الدقيقة )) وعدم الاندفاع وراء الرغبة أو الفضول , لنصل الى المغزى النهائي فالقوة لا تعني بالضرورة الانتصار الدائم , والمكرلا ينجح إلا إذا وجد بساطة وغفلة في الطرف الآخر, والوعي بالذات وبالعدو هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كل الحيل.

الدرس : تتجلى أبعاد هذه الأقصورة الأدبية بصورة حية عند إسقاطها على واقع الوطنيين العراقيين الذين يواجهون صراعاً ممتداً مع قوى الهيمنة والمصالح الضيقة , فكما واجهت الفئران بطش الهر في بداية الأمر , يخوض الوطني العراقي مواجهة نضالية مع سياسات الإبعاد والمطاردة والضغط المستمر , غير أن التجربة القاسية ألهمت الشارع الوطني وعياً جمعياً يدرك أن الاستمرار في سلك الطرق التقليدية يجعله عرضة للاستهداف , فكان التراجع التكتيكي , والتحصن بالوعي والثوابت الوطنية , بمثابة (( الجحر الآمن )) الذي يعصم الهوية الوطنية من الذوبان والاندفاع غير المحسوب , مكرسين بذلك مفهوم الصمود الواعي وتفادي الفخاخ المنصوبة.

وفي المقابل , حينما أدركت الأطراف المتربصة بالوطن أن أسلوب القوة المباشرة والضغط المعلن لم يعد يجد نفعاً أمام ثبات الوطنيين , لجأت إلى تغيير أقنعتها والتلون بأشكال جديدة , تماماً كالهر الذي ادعى الموت وحاول التخفي في هيئة كيس ساكن , تظهر هذه الصورة في المحاولات المتكررة لإعادة تدوير الشعارات البراقة , أو رفع رايات الإصلاح الصوري لتخدير الشارع , إلا أن الوطني العراقي , المحصن بمرارة التجارب السابقة والخبرة المتراكمة , بات يمتلك بصيرة نافذة تمنعه من الاغترار بالمظاهر أو التراجع عن حذره , فيدرك أن (( الكيس المعلق )) لا يغير من حقيقة المفترس , وأن اليقظة المستمرة هي السلاح الوحيد لإحباط المخططات مهما تنوعت أقنعتها.

تؤكد هذه القراءة السردية أن الحسم في معارك البقاء لا يخضع لمعيار القوة المادية الفائقة فحسب , بل لمعيار الوعي والذاكرة الحية , إن ثبات الوطنيين العراقيين وإدراكهم لطبيعة الخدع والأقنعة المتغيرة يمثل الحصن الحقيقي لسيادة الوطن وأمان أهله , فالمكر مهما بلغ ذكاؤه , يتهاوى سريعا حين يصطدم بعقل نبه وتجربة عركتها الأيام , ليبقى الوعي دائماً هو الخط الدفاعي الأول والأقوى في وجه كل التحديات.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...


المزيد.....




- من الأسد الذهبي إلى مقاعد التحكيم.. صناعة السينما العربية تف ...
- -جدران من قماش- لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة ...
- 8 جامعات تلتقي على خشبة -القصبة- ومواهب شابة تشق طريقها إلى ...
- تزايد القلق داخل البنتاغون بشأن تركيز هيغسيث على حروب الثقاف ...
- خطة ترامب لإنقاذ هوليوود تهدد صناعة السينما الكندية
- النار.. مفتاح محتمل لنشأة اللغة البشرية!
- بعد استقالة -رجل المسيّرات-.. مصادر لـCNN: مخاوف في الجيش ال ...
- رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
- البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ ...
- -أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة الذاكرة الوطنية .