أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .














المزيد.....

مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 18:14
المحور: الادب والفن
    


كتبتْ بنبرةٍ يملؤها الأسى , وبحسرةٍ تئنُّ بين الحروف: (( سنينًا وأنا أُحاضر في مدرسة الأماني , تشهد لي سبورتي , وطبشوري , وطلبتي , حتى صفعني الحلم ذات يقظةٍ فأفقتُ )) , فجاءها ردُّه واثقاً كصدى البوح : كيف يتسع هذا القدرُ الضئيل من الكلمات لكل هذا الفيض الزاخر من المعنى؟ وكيف تنجحين في صوغ عبارةٍ مختزلة تبدو كأفقٍ لا تُحدُّ سماواته ؟ وكيف يستحيل الوجع الإنساني , حين يبلغ صفاءه الأخير , ضياءً وعَبْرةً في آنٍ واحد ؟ وأيُّ بصيرةٍ تلك التي تستحضر شجرة التوت المتدلية من سياج بستان أبيكِ لتجعل منها فسحةً من فيءٍ وحنين , بينما يمرُّ بها العابرون فلا يرون فيها سوى شجرةٍ عادية ؟

من أين لكِ هذه القدرة على اصطياد اللحظة وهي في أكثر حالاتها هشاشةً وفرارًا ؟ وكيف استطعتِ أن تحوّلي ومضة الألم إلى مرآةٍ صقيلة تتقاطع على صفحتها النفس والطبيعة والذكرى والغياب ؟ في عبارتكِ المكتوبة بالطبشور على السبورة , الصورة لا تُكتب , بل تُستنطق , والرمز لا يُستدعى , بل يُبعث من سباته العتيق , حتى الحزن في محرابكِ لا يأتي عابرًا , وإنما يحضر ككائنٍ حيّ , له يدٌ تمتدُّ فوق صفحات الماضي , تُقلبها كما تُقلب الريح أوراق الخريف الذابلة , فهل الأحزان حقًّا هي التي تكتب ذاكرتنا حين نعجز نحن عن الكتابة ؟ أم أن الذاكرة نفسها ليست سوى الاسم الآخر لهذا الحزن النبيل؟

كيف يمكن لبضعة اسطر قصار ان تحمل كل هذا العبء من الوجع والذاكرة , والاسئلة المعلقة بين رحيل ورحيل؟ وهل كانت محطات بغداد في عبارتك مجرد اماكن عابرة , ام انها محطات الروح ذاتها وهي تراقب خساراتها بصمت ؟ ان في كل ومضة منك يطل مشهد صغير, لكنه يفتح آفاقاً رحبةً من التأويل , ففي محطة الباص لمدرسة الأماني , لا تغادر المركبات وحدها , بل تغادر معها اشياء لا تُرى , وذكريات لا تسعها الحقائب , ودموع لا تجد لغة تكفيها , وعلى جبهة الرصيف , يتحول المكان الجامد كائنا يطوف حتى يبلغ منتهاه , وكأن الرصيف هو الآخر يحمل وعثاءه الخاص ويعرف معنى الانتظار, أما تلك الصور التي أودعتِها حقائبَ الطلاب , فقد جاءت مدهشة موغلة في العمق , فهل كانت خطوتكِ حين غادرتِها سفراً نحو المجهول , أم هي لعبةُ مصائر تتجاذب فيها الأرواح كما تتجاذب قطع الشطرنج بين كفّي الربح والخسارة ؟ ثم تأتي الومضة الأكثر وجعاً: (( كل الواصلين غادروا.. إلا أميركِ )) , فأيُّ اختصارٍ بليغٍ للفقد هذا؟ وأيُّ إيجازٍ معجزٍ هذا الذي اختزل الفجيعة برمتها؟

للهِ درُّ هذه العبارة حينَ تختصرُ بحورًا من المعنى في قطراتٍ معدودة , فالكلماتُ هنا لا تمشي على السطر , بل تحلّقُ في المسافةِ السحرية بينَ الظاهرِ والمخفي , وفي زاويةِ البوح نلمسُ سؤالَ الحريةِ حينَ تُحاصرُه التفاصيلُ الصغيرة , وكأنَّ الكائنَ الهشَّ يستحيل مرآةً تعكس قيوداً أكبرَ تسكنُ الإنسان , انها دهشةٌ شعريةٌ بامتياز , حيث يتحول الشيء العادي العابر إلى يقظةِ روحٍ تدركُ أنَّ النجاةَ تبدأُ قبل هطولِ الطوفان , هناك , نسمعُ صوتَ روحٍ أَبَتْ أن تتحولَ إلى رماد , فحتى الانكسارُ عندكِ لا ينتهي بالموت , بل يغدو بدايةَ تمردٍ على الخذلان , فالقلبُ الذي يختزنُ بحاراً من الوجد, يظلُّ يترقبُ بلهفةٍ قطرةَ حضور.

وهكذا , وأنتِ تكتبينَ صمتًا , ثم تجعلينَ العالمَ كلَّهُ يُصغي إليه , تظلّ (( مدرسة الأماني )) شاخصةً في الذاكرة , لا كبناءٍ من حجر , بل كوطنٍ من حنين , وإذا كان الطباشير قد تفتت على السبورة , والطلبة قد غادروا حقائبهم محملين بالصور , فإن الأثر الذي تركتِهِ خلفكِ لا تمحوه رياح الغياب , لقد تحولت غصّتكِ إلى منارة , وانكساركِ إلى قصيدة , ليظلّ صمتكِ البليغ يتردد صداه في أروقة الروح , يذكّرنا بأن هناك خساراتٍ هي في جوهرها أعظم الانتصارات , وأن الرحيل ليس دائماً نهاية الطريق , بل قد يكون خطوة أولى نحو الخلود , حيث تذوب أوعاث الرصيف , وتبقى كلماتكِ حيةً , نابضةً , تعلّم العابرين كيف يكتبون أحلامهم بطباشير لا ينكسر.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...


المزيد.....




- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...
- حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- ممثلة أمريكية تلفت الأنظار بدبوس أحمر في مهرجان البندقية الس ...
- من اسطنبول إلى أنقرة.. تفاصيل جنازة الفنان التركي سرحات كيلي ...
- بين الخيام والركام.. سينما متنقلة تعرض لأطفال غزة لحظة فرح
- -البحث عن رسول-: رحلة سينمائية في أعماق روح غامزاتوف تفتتح - ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .