أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.















المزيد.....

مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 15:18
المحور: الادب والفن
    


نشر المندلاوي الجميل عبارة قال انها تستحق الذهول : (( في كتاب قصة البشرية من العدم الى العدمية للكاتب هندريك ويليم ص ١٢٩ , في عصر النهضة في اوربا وردت عبارة - لقد تجرأ الاوربيون مرة اخرى على ان يكونوا سعداء - اعد قراءة ولمرات عديدة كلمة تجرأ , فسوف تسافر في عالم الارادة للشعوب , ترى هل نتجرأ نحن على ان نكون سعداء مرة اخرى ؟ )) , وهذه العبارة تختصر فلسفة صراع أزلي بين الخوف والحرية , وبين الوصاية والتفكير الحر , وان استخدام الكاتب هندريك ويليم لكلمة (( تجرأ )) هو التقاط ذكي لجوهر (( عصر النهضة )) , فالسعادة لم تكن مفقودة فقط لأن الناس نسوها , بل لأنها كانت محرّمة ومحاطة بالخوف.

في عصر الظلمات الأوروبي , لم تكن السعادة مجرد شعور غائب , بل كانت ذنباً يُستوجب التكفير , كان السائد هو ثقافة الفاجعة الدائمة , وإقناع الفرد بأنه كائن مُدان لا يحق له الابتهاج في هذه الدنيا , ولذا , عندما (( تجرأ )) الأوروبيون , كان ذلك يعني إزاحة سلطة الخوف , واستعادة الثقة بالعقل الإنساني , والفن , والجمال , واعتبار الحياة أرضاً صالحة للعيش والابتكار.

لو تساءلنا , لماذا تحتاج السعادة إلى جرأة ؟ الجواب , لكسر القيد الفكري , فقبل عصر النهضة (( خلال القرون الوسطى في أوروبا )) , كانت الفلسفة السائدة تطالب الإنسان بالمعاناة والزهد والتفكير المستمر في الموت والقصاص , وكانت السعادة والفنون والموسيقى تُعامل كنوع من الشبهات أو الخطايا , والتجرؤ هنا يعني امتلاك الإرادة للخروج من الخوف , ودفع ثمن التفكير الحر , والإنسان الأوروبي حينها لم يسترد سعادته بالصدفة , بل باختيار واعٍ ورفض للوصاية التي كانت تُشعره بالذنب لمجرد أنه يبتسم أو يستمتع بالحياة , وتم بذلك إعادة الاعتبار للإنسان, وأصبحت السعادة حظوة إنسانية وليست حكراً على ما بعد الحياة , واستعادة للحق في عمارة الأرض , والاستمتاع بالجمال والفن.

نأتي إلى السؤال : (( هل نتجرأ نحن على أن نكون سعداء مرة اخرى؟ )) , هذا السؤال يمس الواقع العميق لمجتمعات عديدة اليوم , فلابد من تجاوز متلازمة الذنب , فكثيراً ما نربط السعادة في مجتمعاتنا بالخوف (( مثل القول الشائع: الله يستر من هذا الضحك )) , لقد أصبحت السعادة تُشعرنا بالقلق أو الذنب وكأنها شيء مؤقت يستوجب العقاب , والتجرؤ يعني أن نملك السعادة كقرار وسيادة , والشجاعة لنحب الحياة , وننتج الفن , ونفرح , رغم كل الظروف القاسية والواقع الثقيل , السعادة ليست خياراً ناعماً , بل هي في كثير من الأحيان فعل مقاومة وإصرار على البقاء.

تجعلنا إعادة القراءة لهذه العبارة ان ندرك أن نهضة الشعوب لا تبدأ بالصناعة أو العمران فقط , بل تبدأ بنقطة تحول داخلية , لحظة يقرر فيها المجتمع أن يستعيد حقّه في الحياة دون أن يطلب الإذن من الخوف , إن العبارة التي اقتنصها هندريك ويليم - لقد تجرأ الأوروبيون مرة أخرى على أن يكونوا سعداء - تضع يدها على العصب الحي التاريخي لكيفية خروج الشعوب من ظلمات الانكفاء الحضاري , فالجرأة هنا ليست مجرد مجاز بل هي فعل تحرر نَفْسي وفكري , يُخرج الإنسان من طور (( الوجود البيولوجي والاحتراس من الفاجعة )) إلى طور (( العيش الفعلي والاحتفاء بالحياة )) .

عند إسقاط هذه العبارة على الواقع العراقي , وحالة العراق بين إرادة الحياة ووطأة التاريخ , نجد أننا أمام حالة فريدة من نوعها في تاريخ الشعوب , حالة يتصارع فيها إرث جيني عميق من الابتكار والشغف بالحياة , مع إرث متراكم من الفواجع والحروب والحصارات , والسعادة كمفهوم مؤجل ومتوجس منه في الضمير الجمعي العراقي , تسللت - عبر عقود المحن - وثقافة التوجس من الفرح , الشفاهة الشعبية تختصر هذا الخوف في العبارة المعروفة: (( خير اللهم اجعله خير )) بعد كل ضحكة صافية , وكأن الفرح دينٌ ثقيل سينتزع الدهرُ ثمنه قريباً فاجعةً أو حزناً , لقد أصبحت السعادة لدى الكثيرين حالة استثنائية حذرة، بينما الحزن والترقب هما الأصل المستقر.

حين يصبح الحاضر ثقيلاً ومحاطاً بالهشاشة , يلجأ العراقي غالباً إلى (( تأجيل )) السعادة المستقبلية واستبدالها باجترار الأمس , ان الاستغراق في تحسُّرٍ دائم على عقود سابقة (( السبعينيات أو الستينيات أو بغداد القديمة )) ليس إلا شكلاً من أشكال الهرب من مواجهة الحاضر , والجرأة الحقيقية لا تكون بتمجيد الأمس فقط , بل بتحويل هذه الذاكرة الغنية إلى وقود لتحدي انكسارات الراهن , الا ان الشخصية العراقية تتضمن مفارقة مدهشة في العناد الإبداعي , عندما يتجلى تجرؤ العراقيين في إصرارهم على تأسيس بيوت الثقافة , وإقامة المنتديات والأمسيات الشعريّة , وعودة الرواية والأدب والفنون التشكيلية إلى واجهة المشهد , واستعادة الفضاء العام عندما يكتظ شارع المتنبي في بغداد , أو المنتديات الثقافية والمقاهي في بعقوبة والبصرة والموصل بالفكر والنقاش والحياة , فهذا ليس مجرد تنزه , بل هو (( تجرؤ )) صريح على رفض العتمة واحتكار الخوف.

ان الطريق نحو (( نهضة عقلية )) تقودنا من استحقاق الألم إلى حق الحياة , ليصبح السؤال: (( هل نتجرأ نحن على أن نكون سعداء مرة أخرى؟ )) ليس سؤالاً عاطفياً , بل مشروع نهضوي وشخصي , للعبور من حالة (( العدمية )) أو الانتظار السلبي , وهذا يتطلب اتخاذ خطوات حاسمة على مستوى الفرد والمجتمع , أولها فك الارتباط بين الانتماء والحزن, و ألا نعتبر الشعور بالجمال أو الفرح خيانةً لآلام الماضي , بل استكمالاً لواجب الإنسانية والبناء , وأن نكسر وصاية الخوف , ورفض كل خطاب (( سواء كان سياسياً , اجتماعياً , أو فكرياً )) يتغذى على تخويف الناس وإدامة شعورهم بالهشاشة والذنب , وأن نستعيد المبادرة الفردية, فالسعادة الوطنية لا تهبط بقرار سياسي , بل تبدأ عندما يتجرأ الفرد على القراءة , والكتابة , والتذوق الفني , وتجميل محيطه , والإيمان بأن له حقاً أصيلاً في الحياة وليس فقط في النجاة , إن الشعوب التي صنعت نهضتها لم تنتظر زوال كل المشكلات لكي تفرح , بل جعلت من (( فعل الفرح والتجرؤ على العيش )) سلاحها الأول للانتصار على المشكلات.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...
- مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .


المزيد.....




- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد
- محمد فوزي.. ستة عقود على رحيل رائد التجديد الموسيقي وصانع به ...
- إيدي راما.. فنان تشكيلي يرأس ألبانيا
- باللغة التركية.. محمد صلاح يوجه رسالة -مبطنة- لرئيس فريق بشك ...
- 40 كاميرا وتقنيات سينمائية.. كيف سيشاهد العالم كلاسيكو برشلو ...
- الجزء الثاني من -ديرتي دانسينغ- يكرّم باتريك سويزي من دون إع ...
- شفيدكوي: الثقافة وسيلة لتخفيف التوتر في العلاقات الدولية
- -ولادة الإمبراطورية-.. معركة بولتافا على شاشة السينما الروسي ...
- -أنا رجل روسي-.. شامان يطلق أغنية عن الحرية الداخلية وتقبّل ...
- اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذ ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.