أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .















المزيد.....

مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 10:23
المحور: الادب والفن
    


من أروقة البلاط العباسي المترف في بغداد , حيث ترف العلوم وصفاء الحضارة , خَرَجَ رجلٌ جَهلَ التاريخُ أصلَه ورَسَمَ الدهرُ خَطْوَه ليطأ أرضاً انقطعت دونها الأخبار , وانتهى عند حافتها العالمُ المألوف , لم تكن رحلة أحمد بن فضلان مجرد سفارةٍ دبلوماسية تُحمَلُ فيها الدنانيرُ والكتب , بل كانت مغامرةً في قلب المجهول , حيث تتدفق رياح الزمهرير من أبواب الجليد , وتتراءى في الشفق القطبي خيالاتُ جيوشٍ تقتتل في السماء , بين أيام رعبٍ احتُجز فيها تحت ظلال السيوف لدى قبائل الترك , ومواجهاتٍ مروعة مع (( الرُّوس )) والفايكنغ وهم يمارسون طقوس الجنائز الدموية وحرق القوارب , وقف هذا الرحالة البغدادي ليُدوّن بألمٍ وحِكمة أدقَّ شهادةٍ أنثروبولوجية في العصور الوسطى , شهادةٌ نَزَلت بعقله المدنيّ من برج الحضارة العالية إلى مجاهل (( أرض الظلام )) ومقابر العمالقة.

في عام 309 هـ (921 م) , غادرت بغداد العباسية بعثةٌ رسمية بمرسوم من الخليفة المقتدر بالله , حامِلةً أربعة آلاف دينار ومستشارين وفقهاء , تلبيةً لطلب حاكم (( بلغار الفولغا ألمش بن شيلكي )) الذي أعلن إسلامه حديثاً , والتمس العون لبناء حصنٍ يدرأ عنه خطر الخزر , مع معلّمين يُفقّهون قومه , لم تكن المهمة مجرد سفارة دبلوماسية , بل كانت اختراقاً معرفياً لأقصى حدود العالم المتمدّن آنذاك , وقد برز فيها أحمد بن فضلان - الذي جُهلت تفاصيل حياته ووفاته - وتجلّت حِكمته وبلاغته ككاتب وموثّق للرحلة , ليتحول تقريره إلى أرشيف أنثروبولوجي نادر تعتمد عليه اليوم كبرى المصادر الدولية.

رسم صورة سينمائية للرحالة البغدادي أحمد بن فضلان وهو يرتجف في خيمة نائية على أطراف أوزبكستان , متدثراً بالفرو أمام )) باب من الزمهرير )) يدوّن بيده المكدودة أحداث رحلته نحو مجهول شمال العالم , وكيف تحولت الرحلة الدبلوماسية من (( مهمة إنقاذ مالية وسياسية )) , تعثرت بسبب ضياع أموال الخراج إلى (( أعظم وثيقة أنثروبولوجية )) لشعوب أوروبا الشرقية والشمال , ووصف جغرافية الزمهرير وأهوال الطريق عندما سلكت البعثة مساراً دورانياً مضاعفاً تجاوز 5,000 كيلومتر عبر خراسان وبلاد ما وراء النهر لتجنّب أراضي الخزر , ووثّق ابن فضلان صحراء (( أوست أورت )) والبرد القارس الذي تجمدت معه مياه نهر جيحون , حيث وُصف الشتاء في خوارزم بأن (( باباً من الزمهرير قد فُتح عليها )) , وكان الرجل لا يكرم ضيفه إلا بإيقاد النار له.

أيام الرعب السبعة عند قبائل الترك , عند اعتراض إحدى القبائل التركية البدوية للوفد , اتُّهموا بالتمويه وأنهم جواسيس لملك العرب , وعلى مدى سبعة أيام احتُجز أعضاء الوفد بين مقترحات بالقتل والشطر إلى نصفين , أو التجريد من الثياب , أو الحبس للمبادلة بالأسرى , في تجربة حبست أنفاس المبعوث العباسي قبل إطلاق سراحهم , وغرائب (( الصقالبة )) والسماء المشتعلة , لقد سجل ابن فضلان صدمته المعرفية عند مشاهدة (( الشفق القطبي )) لأول مرة , حيث رأى الشفق الأحمر والغيوم المتقاتلة كأنها جيوش تحمل السيوف والأسنّة , مع قصر الليل الذي لا يتجاوز ساعة في مناطق أبعد شمالاً , إلى جانب تقاليد اجتماعية غريبة , كاحتضان الجد للمولود الجديد دون الأب , وترك البيت المضروب بالصاعقة حتى يتلفه الزمان.

قدمت الرسالة أول وأدق وصف حسي لشعوب الفايكنغ على ضفاف الفولغا , (( الهيئة )) أجساد كالنخل طُولاً , وشعر أشقر , ووشوم خضراء تمتد من الظفر إلى العنق , و(( السلوك )) قسوة مفرطة , حمل مستمر للسلاح , إدمان للنبيذ , وعادات نظافة جامعة أثارت استغراب المثقف البغدادي , والمشهد الدموي الرهيب لحرق زعيمهم في سفينة مع جاريته التي تُقتل على يد عجوز تُدعى (( ملك الموت )) وسط طقوس ذبح الحيوانات وإحراق القارب لتسهيل العبور إلى (( النعيم )) , كما تطرق السرد إلى الجانب الأسطوري والغرائبي , إذ يصف ابن فضلان معاينته لعظام هائلة لعملاق بلغت أضلاعه عرض جذوع النخل ورأسه كالكبير من القدور , نُسب إلى القوم القابعين خلف البحار والجبال (( يأجوج ومأجوج )) , مما عكس الامتزاج بين الملاحظة العيانية والموروثات الشعبية للسكان المحليين.

التباين الصدامي لحظة يلتقي ابن فضلان الفايكنغ , بين رجل قادم من بغداد (( قمة الترف , النظافة , والفقه )) وقوم (( كالنخل طولاً )) يغطون أجسادهم بالوشوم الخضراء , يُدمنون النبيذ , ويتداولون قصعة ماء واحدة للغسيل والتمخط , ومشاهد الرعب في الطقوس الدموية لقتل الجارية وحرقها مع زعيم الفايكنغ داخل القارب المقبرة , ورؤية الشفق القطبي الذي ظنه سفير الخلافة جيوشاً تتطاحن في السماء , والنجاة بأعجوبة من (( إعدام محقق )) بعد 7 أيام من المفاوضات عند قبائل الترك البدوية , وأسطورة العمالقة وسر الجماجم الضخمة التي عزاه أهل البلاد لـ (( يأجوج ومأجوج )) عند نهر الفولغا.

المفارقة التاريخية , كيف احتفى الغرب والروس بهذه الرحلة , تلقفها المستشرقون منذ اكتشاف مقاطعها لدى ياقوت الحموي , وألهمت هوليوود في فيلم 13the Warrior , وصارت مناسبة وطنية في تتارستان يُقيمون لها المتاحف والتماثيل , في مقابل الجفاء العربي المتمثل بتجاهل الإرث العراقي والبغدادي للرحالة الذي كتب أول وأدق وصف إنساني لشعوب الشمال في القرون الوسطى.

وهكذا انطوت صفحات تلك السيرة الفريدة , ليبقى أحمد بن فضلان شاهداً استثنائياً على لحظةٍ فارقة التقى فيها بريقُ العقل البغدادي بظلمات الأطراف النائية من العالم الوسيط , إن قيمة هذه (( الرسالة )) لا تكمن فقط في أنها أهدت التاريخ التوثيقَ الأول لشعوبٍ غارقة في الغموض كالفايكنغ والصقالبة , بل في كونها أثبتت أن الشغف بالاستكشاف والتدوين هو الخالدُ حين تزول الممالك وتنمحي أثار السفراء , لقد غاب رسمُ ابن فضلان في ثرى التاريخ , فلم يذكر المؤرخون مدفنه ولا ختامه , لكن كلماته المكتوبة في صقيع (( أرض الظلام )) ظلت متقدةً عبر الأزمان , تنبض بالحياة , وتتحدى النسيان , وتفتح للعالم نافذةً لا تُعوض على أسرار أُمَمٍ كانت تتوارى خلف جبال الجليد وأساطير الغابرين .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...
- مقامة الأساطير والمبالغات في كتاب (( التيجان في ملوك حِمْير ...
- مقامة فلسفة النسيان واقتسام الخبز: من قابيل بورخيس إلى الوجع ...


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .