أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .














المزيد.....

مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 10:05
المحور: الادب والفن
    


مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .-

مع أواخر الربيع وبواكير الصيف , حين تتدافع أسماك الجنوب العراقي صاعدةً نحو الشمال في موسم تكاثرٍ تُسمّيه الذاكرة الشعبية بـ (( الزَرّة )) , تكتظ الأسواق بالفائض الرخيص , ليجففه الأهالي صُنعةً للمسموطة والمهروثة , بينما كانت تقف السلطات العقلانية حينها موقف الحازم , لتمنع الصيد حمايةً للثروة من هدر الاستنزاف , غير أنَّ الكاتب فلاح المشعل يفتح لنا باباً نقدياً أعمق , لنرى كيف تحولت هذه الظاهرة الطبيعية من مجاري الأنهار إلى أروقة المجتمع , فنشهد اليوم (( زَرّةً )) من نوعٍ آخر , (( زَرّة سرابيت )) طفح بها الفضاء العام , حيث لم تعد (( الزَرّة )) ظاهرةً نهريّة , بل موجةً كاسحة من التفاهة والسطحية والانتهازية ,، يفيض بها الفضاء الاجتماعي والفكري بلا رادع.

في تفكيك المصطلح , ان الجذور التاريخية لـ (( كلمة سربوتي )) ليست ذات أصل عربي صريح , فالجذر العربي (سربت) يتعلق بخرز القربة ولا يمت بصلة للمعنى الدارج , وإنما يعود الأصل إلى اللفظ التركي العثماني الذي كان يُطلق على (( مراقب مراقبي الأسعار )) , كان هذا الموظف يمثل سلطة الرقابة , لكن التجار استطاعوا إمالته بالرشوة والبقشيش ليلتزم الصمت ويغض النظرعن تجاوزاتهم , وبمرور الوقت , باع (( السربوتي )) ذمته بالمال , وانغمس في الفساد والارتياد للمواضع المشبوهة , فصار اللفظ مرادفاً للشخص الفاسد , قليل الذمة , طريح الحظ , والمستعد لارتكاب شتى الجرائم في سبيل مصالحه.

اليوم , يشهد الواقع الاجتماعي العراقي (( زَرّة )) من نوع آخر , (( زَرّة سرابيت )) وتكاثراً لرموز التفاهة والتبعية والانتهازية , دون أن يجد هذا الفائض من الهبوط الأخلاقي قانوناً يحمي الروح العامة , ولا رادعاً دينياً أو أخلاقياً يرشد هؤلاء إلى حقيقة بسيطة , أن حب الوطن من الإيمان , وأن الولاء للأرض ليس تهمة يُعتذر عنها.

إن انتشال المجتمع من واقع البيئة الملوثة وتصنيع الجهل حيث يعوقه وجود (( زَرّة سرابيت )) , تعتاش على الافتراءات , والأكاذيب , والتخيلات الطائفية والعنصرية , والعقد الاجتماعية , وفي هذه البيئة المنكوسة تتحول الأوهام إلى يقين, ويُصنع الجهل كأنه (( تحفة فنية )) تزيّن بالشائعات , وتُعلق على جدرانها مرايا مقعرة تُضخّم الوهم ليصبح حقاً والباطل يقيناً , وتنشط (( أبالسة الظل )) , ويعمل الفاسدون بدهاء مستخدمين أساليب أقرب إلى السحر لتشويه الحقائق , وتغيب الأساسات المعرفية التي تسمح للمرء بالوصول إلى الوعي والاستنارة.

لقد انقسم العالم خلال القرن الأخير إلى فئتين , فئة تنعم بالعلم والوعي ,و تستمر في الفهم والإكتشاف وتطوير الحياة , وفئة تعيش في ظلمات الأسطورة , تحركها غيلان بشرية افتقدت العقل والإنسانية , وتفضل إبقاء الجماهير في حالة من السكون والغفلة ليسهل قيادتها , إن المواجهة الحقيقية لـ (( زَرّة السرابيت )) لا تكون إلا بإنشاء شبكة رقابة وعي تصطاد الجهل وتنقّي الفضاء الإعلامي والاجتماعي والديني من أدوات التجهيل , للعبور بالمجتمع من ظلمات الأسطورة والتبعية إلى الوعي والعلم .

تتجلى الصرخة الفكرية التي أطلقها الكاتب فلاح المشعل كجرس إنذار يُحذّر من خطورة تغول التفاهة وتمدد الانتهازية في الجسد العراقي , إن ما طرحه المشعل ليس مجرد توصيفٍ لغوي أو حسرة على ماضٍ , بل هو تشخيص دقيق لواقعٍ يتطلب الوقوف بحزم ضد محاولات مسخ الهوية الوطنية وتغليب التبعية على حب الوطن , وتظل دعوته لتشغيل (( شبكة وعي )) تُنقّي الفضاء العام والمنصات الإعلامية والمنابر المجتمعية من هذا الزبد الفائض , هي السبيل الوحيد لاستعادة العافية النفسية والأخلاقية للمجتمع , والحفاظ على أصالة الروح العراقية من اندفاعات (( زَرّة السرابيت )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .
- مقامة تدنالي : جغرافية الوجد في مناجاةٌ بين وهج الفصحى وشجن ...


المزيد.....




- دور في الأوبرا.. لكن المرشح أفعى! ما القصة؟
- ما هو الواقع المالي الذي يواجهه الفنانون الأفارقة في قطاع ال ...
- في 5 قائق.. سرقة 3 لوحات بقيمة 10 ملايين دولار من متحف رينو ...
- التعليم العالي: 9 نصائح مهمة لطلاب الشهادات الفنية للتنسيق ا ...
- كيف صنع رغيف الخبز تاريخ الحضارات؟ من جلجامش إلى محمود درويش ...
- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...
- حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .