أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة .















المزيد.....

الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 22:02
المحور: الادب والفن
    


مقامة الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة .

أجادت قريحة الدكتور )) الأفندي )) في جلسة الصالون اليوم وهو يتلمّس جراح العراق ويستحضر شواهد تاريخه , لم تكن الإشارة التي التقطتها قريحته وهو يتحدث عن واقع العراق وشجونه مجرد استشهادٍ تاريخي عابر , بل كانت إسقاطاً بليغاً يغوص في عمق المأساة , إذ استعاض عن الإطالة بنقل قولٍ يُعزى للمسعودي يصف فيه حال بغداد قديماً حين دخلها قائلاً : (( تراهم بين سائس قردٍ يُسلّي الحاضرين برقصه , أو مصلوبٍ يَعظُ المتجمعين حوله وهو مُثبَّتٌ بالمسامير على الصليب , أو قاصٍّ يلفّق لهم الأكاذيب )) .

تختزل هذه الصورة التاريخية البليغة مشهداً متجدداً يتنازع فيه سحر الفن وعبث الساسة , وتضحيات المصلوبين على مذبح الوطن , وأراجيف القُصّاص المتصدرين للمشهد , لتبدو كأنها مرآة تعكس أزمنة التحول والتناقضات التي مرّ ويَمُرُّ بها العراق عبر تاريخه الممتد , تتجسد في هذا النص الثلاثية الخالدة التي تعاقبت على أرض الرافدين , التضضل والتسلية السطحية , والآلام والتضحيات الصامتة , والتزييف الذي يحاول تشكيل الوعي الجمعي , وهي المقتربات نفسها التي تدفعنا اليوم لتأمل حاضر العراق وقراءة آفاق مستقبله.

أورد المسعودي عن الفصيح الشهير خالد بن صفوان التميمي في مجلس الخليفة العباسي أبي العباس السفاح العبارة الشهيرة : (( ما أنتم إلا دابغ جلد , أو ناسج برد , أو سائس قرد , ملكتكم امرأة , وأغرقتهم فأرة , ودل عليكم هدهد )) , قالها في أهل اليمن (( القحطانيين )) الذين جُلبوا ليستوطنوا العراق أثناء مفاخرة دامت بينهم وبين النزاريين (( العدنانيين )) في مجلس الخليفة , وهذا التعبير يبدو متداخلًا مع نصوص أخرى تتعلق بأخبار القُصّاص (( الذين يروون القصص والخرافات في المساجد والأسواق )) والعيارين في بغداد , أو ما كان يرويه خصوم بعض الفرق , حيث كان يُقال عن بغداد في فترات اضطرابها وسقوطها إن أخبارها تصبح مشاعاً يتناقله القاصّ الذي يلفق الأكاذيب , أو تُرى فيها الفتن والمصلوبون على الجسور نتيجة الصراعات السياسية الفوضوية في أواخر العصر العباسي , وهو ما عاصره المسعودي ووصفه بالاضطراب الفوضوي قبل رحيله عنها.

ولعلّ استدعاء الدكتور (( الأفندي )) لهذه الحادثة بالذات يفتح باباً آخر على سيرة الغسانيين - وهم عماد القحطانية في الشام وأطراف العراق - الذين وجدوا أنفسهم عبر التاريخ محصورين في منطقة الفراغ بين الصراعات الكبرى والتجاذبات الإقليمية , فقد استُغلّت أمجادهم وعصبيتهم لتثبيت عروشٍ أجنبية , وحُوِّلت تضحياتهم على ثغور البادية إلى مجرد أوراق تفاوض بين إمبراطوريات الزمان , تماماً كما يُراد للعراق اليوم أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات بدلاً من أن يكون سيد أمره , إن تراث الغسانيين , بين بأس الميدان وتبعية الموقف للغير , يقدم شهادة تاريخية أخرى على خطورة ارتهان القرار العربي للقوى العظمى , وكيف يتحول التنافس القَبَلي والسياسي الضيق إلى ثغرة يَنفُذ منها التهميش والشتات.

وعلى الجانب الآخر من التأمل التاريخي نجد شهادة الرحالة عن الأفول الاجتماعي والعمراني , فقد استهل ابن جبير مدونته عن بغداد التي وصلها في بدايات عام 580 للهجرة بوصفها بـ(( المدينة العتيقة )) التي (( ذهب أكثر رسمها , ولم يبق منها إلا شهير اسمها )) حملت هذه الكلمات شيئًا من الصدمة أو الخيبة التي راودته حين رأى بغداد في زمان أفولها في نهايات الخلافة العباسية أيام حكم الناصر لدين الله , إذ اختلفت تماماً عما كانت عليه أيام حكم العباسيين الأوائل كالمنصور والرشيد والمأمون.

وأشار ابن جبير في مدونته التاريخية إلى انحسار مساحة بغداد التاريخية , وأفول نجمها , وذهاب كثير مما عرفت به من بهائها ومجدها السالف بسبب كثرة ما أسماها (( الفتن والاضطرابات )) , وفضلا عن خيبة أمله بعمران المدينة الذي انحسر كثيرًا , أبدى ابن جبير خيبته كذلك في طبائع أهل بغداد يومئذ , وتحدث عنهم بشيء من القسوة - كما يرى بعض الباحثين التاريخيين- وانتقد غلبة بعض الصفات عليهم , ولاحظ الرحالة الأندلسي أن بعض الأمراض الاجتماعية قد فشت بينهم , كالرياء والتكبر , وازدراء الغرباء , و(( الأنفة والإباء , ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء , قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده )) , حتى (( كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادًا أو عبادًا سواهم )) .

يكشف هذا الترتيب الاسترجاعي كيف تتضافر شواهد المسعودي وابن جبير لتشخيص العلة , استغلال خارجي وصراع داخلي يفرزان بالتوازي تراجعاً عمرانياً وآفاتٍ سلوكية , وهو تماماً ما يحتاجه نقد الحاضر للربط بين أسباب الأمس وواقع اليوم , إن هذه الشواهد التاريخية ليست مجرد حكايات تُروى في صالونات الفكر , بل هي تشخيص دقيق وجريء لواقعٍ عراقي يُعيد إنتاج أزماته بطريقة استعراضية ومؤلمة , إن (( سائس القرد )) اليوم يتجسد في تلك النخب السياسية والإعلامية التي تُمارس التضليل الممنهج , وتُلهي الشارع بالشعارات والتجاذبات السطحية للتعمية عن الفشل البنيوي ونهب المقدرات , أما (( المصلوب )) , فهو المواطن البسيط والشباب الحالمون بالغيّر , الذين يُدفعون في كل مرحلة لتقديم أجسادهم وأرواحهم قرباناً على مذبح (( الوطن )) لتُسرق تضحياتهم لاحقاً على أيدي (( القُصّاص )) والأفّاكين ممن يُعيدون صياغة الرواية لخدمة مصالحهم الضيقة.

وكما تحولت بغداد في قراءة ابن جبير من حلمٍ يعمر الأرض إلى ضحيةٍ للفتن وتضخّم الأنا والتعالي المجوف , يواجه العراق اليوم خطراً وجودياً يُهدد هويته وعمرانه , حيث استُبدلت دولة المؤسسات والمواطنة بصراعات العصبية والتبعيات الإقليمية التي جعلت من أرض الرافدين مجرد ساحة لتصفية الحسابات الغربية والشرقية - تماماً كما حدث للغسانيين من قبل , إن المصارحة المرة التي ينبغي الوقوف عندها هي أن استمرار الاعتماد على أمجاد الماضي مع غض الطرف عن تشوهات الحاضر السلوكية والسياسية لن يقود إلا إلى مزيد من الأفول , ولا سبيل للخروج من هذه (( المقامة )) المأساوية إلا باستعادة الإرادة الوطنية المستقلة , ووقف الارتهان للخارج , والقطع مع ثلاثية التضليل والتضحية المجانية والتزييف التاريخي.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...
- مقامة أريج التهجدات .


المزيد.....




- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...
- -القتل بدوام كامل- تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول ...
- بصمة -التبريزي- في الأناضول: كشف أثري يعيد رسم خريطة الفن ال ...
- البحث عن رسول.. إرث الشاعر رسول حمزاتوف
- مي التي تغيب فيحضر كل شيء: قراءة سيميائية سردية في عوالم روا ...
- -روّحي على بيت أبوكي-.. انطلاق عروض فيلم -ريد فلاج-
- بعد توحيد المناهج.. مطالب باستمرار تدريس اللغة التركية في سو ...
- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة .