أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجود .















المزيد.....

مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجود .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 20:57
المحور: الادب والفن
    


(( اقتلوني ومالكاً , أو اقتلوا مالكاً معي )) , صرخةٌ تاريخيةٌ مدوّية أطلقها عبد الله بن الزبير في قلب معركة الجمل (36 هـ) , حين التحم في مبارزة مميتة مع القائد العسكري الشجاع مالك بن الحارث الأشتر النخعي , سقط الفارسان عن دوابهما وتعانقا في صراع طاحن وسط الغبار والدماء , وعجز بن الزبير عن صرع خصمه , فنادى بأعلى صوته ليقتلهما الناس معاً , مستعداً للتضحية بحياته في سبيل القضاء على غريمه , تحولت هذه الواقعة , التي شهدت أول صدامٍ دامٍ بين الصحابة , إلى مَثَلٍ عربي يُضرب لمن يرتضي هلاك نفسه شريطة أن يمتد الهلاك إلى خصمه , لكنها اليوم , في الوجدان العراقي , تتجاوز حدود المثل لتصبح المانفيستو الفكري والأخلاقي لشعبٍ أُرهِق حتى النخاع.

إنها ليس دعوة للانتحار , بل هي لسان حال الشارع العراقي الثائر الذي وصل إلى قناعة مطلقة بأن بقاء المنظومة الحاكمة هو الفناء البطيء بعينه , فمنذ لحظة الغزو الغاشم الذي دمر بنيان الدولة ومؤسساتها , لم يزرع الاحتلال في أرض الرافدين سوى لغم (( المحاصصة المقيتة )) وهياكل سياسية تشوهت منذ ولادتها , لقد أسست تلك اللحظة التاريخية لطبقة حصرية من الرموز الحزبية والميليشياوية التي اقتسمت الغنائم والنعيم , بينما تركت للشعب الحرائق , والفقر , والخدمات المنهارة , والسيادة المهدورة.

إن الأزمة اليوم ليست أزمة تعديل قانون أو استبدال وجه كالح بآخر , بل هي أزمة (( عملية سياسية برمتها )) صُممت لتكون حلبة صراع دائم بين الفاسدين , واشتباكاً معطلاً يشل الدولة ويقتلها عرقاً بعرق , لقد أثبتت عقدان من الزمن أن هذه الرموز الحزبية أشد أعداء التغيير , وأن المراهنة على إصلاح من الداخل هي ضرب من الخيال , لأن النظام لا يحمل في جيناته أدوات ترميم ذاته.

وهنا تتجلى ثورية المقولة التاريخية , إن الشعب العراقي مستعدٌ اليوم لكسر قواعد هذه اللعبة السياسية الفاسدة , ودفع أعتى التضحيات والتبعات , لمجرد اقتلاع هذه الطبقة وكنس آثار الغزو ومخرجاته , إنها صرخة الخلاص الجذري التي تعلن بصوت هادر, لتسقط هذه العملية السياسية وبناؤوها , وليعد الحق لأصحابه , فبناء وطن جديد على الأنقاض أرحم بألف مرة من الموت البطيء تحت سقف نظامٍ متهالك يقتتل فيه الفاسدون على حساب دماء أبنائنا وثروات أجيالنا.

ولأن لحظة التحول التاريخي لا تنتظر المستسلمين , فإن الرهان اليوم لم يعد قائماً على منشئي هذه الأزمة ولا على صنيعة الغزو ورموزه المقيتة التي اقتسمت الوطن كعكةً وثروات , إن الوعي الشعبي المتشكل من رحم المعاناة يدرك تماماً أن هذه الطبقة الحزبية قد فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية , ولم تعد تملك ما تقدمه سوى إعادة إنتاج الفشل والأزمات , لقد حان الوقت ليتجاوز الشارع العراقي أوهام الترقيع والحلول التخديرية , وأن يدرك أن قوة النظام المزيفة إنما تستمد وجودها من استكانة الضحية , وأن الإرادة الوطنية الجارفة قادرة على دكّ حصون المحاصصة وإعادة رسم خريطة المستقبل بأيدٍ عراقية خالية من أدران الخيانة والفساد.

إن العراق , بعمقه الحضاري وبسالة شعبه , أصلد من أن تبتلعه أطماع الدخلاء ومكتسبات الطارئين , لن تكون هذه الصرخة مجرد صدى لواقع مؤلم , بل ستظل بشرى لولادة فجر جديد يُجتث فيه جذر الفساد وتستعاد به الدولة المسلوبة , إن كنس هذه العملية السياسية برمتها ورموزها ليس خياراً سياسياً يحتمل التأجيل , بل هو واجب وطني وضرورة وجودية لإعادة الروح إلى أرض الرافدين , ليشرق من وسط الأنقاض عراقٌ حرٌّ , سيدٌ , يستعيد كرامته ومكانته بين الأمم.

تزخر الذاكرة التاريخية والأدبية العربية بحالات ومواقف شابهت صرخة ابن الزبير (( اقتلوني ومالكاً )) والتي تُعبر فلسفياً عن (( مبدأ الفداء الكامل والتضحية بالذات شريطة القضاء على الخطر المهلك أو الظلم الشامل )) , ففي واقعة فتح الأندلس (( طريق بلا رجعة )) , عندما نزل طارق بن زياد بجنده على شواطئ الأندلس , تعامل مع المعركة بمبدأ إحراق خطوط الرجعة بالكامل لقطع أي أمل في المساومة , فوضع جيشه أمام معادلة صفريّة : إما النصر والتغيير الشامل , أو الهلاك التام , مقطوعاً عن أي أمل في العودة إلى واقع الهوان السابق , وهناك مقولة أبي دجانة , حين أخذ السيف بحقه وارتدى عصابته الحمراء , واقتحم صفوف المشركين غير مبالٍ بالموت , مانحاً جسده وقايةً للمبدأ والرسالة , حتى صار يتمايل بين الأسنة مدركاً أن بقاء الجسد لا قيمة له إذا انكسرت القضية.

لقد عبر الشعراء الفرسان عن القناعة المماثلة التي تجعل الإنسان يستسهل زواله الشخصي في سبيل إزاحة الجور أو حماية الكرامة , وبتعبير عن الجود بالنفس كأقصى غايات الفداء في الشعر العربي , مثل قول مسلم بن الوليد (( جُودُ بِالنَّفْسِ إِذْ ضَنَّ البَخِيلُ بِهَا وَالجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الجُودِ )) , وقول عبد الرحيم محمود في عقيدة الفداء (( سَأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي وَأَلْقِي بِهَا فِي مَهَاوِي الرَّدَى , فَإِمَّا حَيَاةٌ تَسُرُّ الصَّدِيقَ وَإِمَّا مَمَاتٌ يُغِيظُ العِدَى )) , وهي المقولة الشعرية المقابلة لـ (( أقتلوني ومالكاً )) إذ يُصبح الموت خياراً مبهجاً ومطلوباً إذا كان ثمنه هو (( إبادة العدو )) واجتثاثه. «يَدِي مَعَكَ فِي المَاء، وَعَيْنِي عَلَى النَّار»: يُضرب في المواجهة المباشرة التي يعلم فيها الشخص أنه متحمل للضرر الحالي المباشر، لكن عينه على الهدف الأكبر وهو إطفاء الحريق واجتثاث الخطر الإجمالي.

لاننسى المثل الشهير للزباء - زنوبيا - ((بيدي لا بيد عمرو )) ,عندما أدركت السقوط والموت المحتوم , فآثرت إنهاء وجودها بيديها على أن تترك لخصمها غنيمة النصر أو الاستمرار في فرض إرادته عليها , ان جميع هذه الحالات التراثية تقود إلى مفهوم واحد , ((عندما تصل الأزمة إلى انسداد كلي ويصبح البقاء تحت مظلتها موتاً ببطء , تتحول التضحية بالواقع الحالي بكامل تبعاته إلى الفعل العقلاني والثوري الوحيد لاستعادة الحياة)).

إن العراق , بعمقه الحضاري وبسالة شعبه , أصلد من أن تبتلعه أطماع الدخلاء ومكتسبات الطارئين , ولئن علمنا التاريخ من صرخة ابن الزبير وفي موقف (( بيدي لا بيد عمرو )) , فإن الإرادة الصلبة لا تُقاس بمدى استكانتها للواقع , بل بقدرتها على تحطيم قواعد اللعبة وقطع خطوط الرجعة أمام الظلم , إن كنس هذه العملية السياسية برمتها ورموزها ليس مجرد خيار سياسي , بل هو الفداء الأكبر والضرورة الوجودية لإعادة الروح إلى أرض الرافدين , ليتولد من وسط هذا الخراب عراقٌ حرٌّ , سيدٌ , يستعيد كرامته ومكانته بين الأمم.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...
- مقامة المريد وحِرفة حافّة الهاوية .
- مقامة خدك وردي : سلطنة النغم وفلسفة الوصل في رحاب موشح (( وج ...
- مقامة سرّ الحرف الثامن : كيف استخدم العرب (( واو الثمانية )) ...


المزيد.....




- جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار
- شيري عادل تنجو من حادث سير في طريقها إلى مهرجان -الغردقة لسي ...
- بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
- وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي ...
- -أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها ...
- قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه ...
- أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م ...
- أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون ...
- زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا ...
- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجود .