أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية تولستوي .














المزيد.....

مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية تولستوي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة لتولستوي بعنوان الأسد والذئب والثعلب : (( كان الأسد الذي أسَن عليلاً , مضطجعاً في عرينه , وكانت جميع الحيوانات تعوده ما عدا الثعلب , وانتهز الذئب بفرح هذه الفرصة ليُسيء إلى الثعلب عند الأسد , قال : ليس لك عنده أي اعتبار , لم يأت ولو مرة واحدة ليعود مليكه , لم يكد ينتهي من كلامه حتى أقبل الثعلب على حين غرة , فسمع ما كان يقوله الذئبُ , وقال في نفسه : انتظر قليلاً , وسأنتقم منك , زمجر الأسد حين رأى الثعلب يدخل , قال له الثعلبُ : ليتك تسمعني قبل أن تعاقبني , وإذا كنتُ لم أعدك فلأنني لم أجد وقتاً أفرغ فيه لذلك , وإذا كنتُ لم أجد وقتاً فذلك لأنني طفتُ الأرض لأرى الأطباء ولأسألهم دواءً لك , ومنذ فترة وجيزة فقط وجدتُ الدواء الذي يلزمك فهرعْتُ , في الحال , إليك , سأل الأسد : ما ذلك الدواء؟ هو ذا الدواء: (( تَسْلَخ ذئباً حياً وترتدي جلده وهو ساخن )) , ومد الأسد يده ليمسك بالذئب , فقال الثعلب وهو يضحك : هذه حال الدنيا يا صاحبي , يجب أن نحث سادتنا على الخير , لا على الشر )) .

تحمل حكاية الأسد والذئب والثعلب رمزية سياسية واجتماعية عميقة , وعند إسقاطها على واقع العراق ما بعد عام 2003 ,، نجد أنها تجسد بدقة ديناميكيات السلطة والمكائد التي رافقت إعادة تشكيل المشهد السياسي , فالأسد المريض (( السلطة/الاحتلال أو المركز الضعيف )) حيث يمثل الأسدُ المريض سلطة الإدارة الأمريكية بعيد الاحتلال أو الدولة العراقية الناشئة المشلولة , وضعف الأسد وحاجته للترميم جعلاه مادة خاماً للاستغلال من قبل الأطراف المحيطة به , عندما أصبحت القرارات السياسية تُتخذ بناءً على نصائح نفعية وليست بناءً على استراتيجيات وطنية.

يجسد الذئب (( الواشي/القوى النفعية المتسرعة )) , وبعض الفاعلين السياسيين والكتل المشاكسة التي اعتمدت منهجية (( التسقيط السياسي )) ووشاية النوايا لأقصاء المنافسين , واعتقد الذئب أن التقرب من (( الأسد )) والتحريض على الآخرين سيكفل له النفوذ , لكنه جهل أن المشهد السياسي المأزوم مستعد للتضحية بأقرب حلفائه إذا ظهرت مصلحة أكبر , وهكذا فأن الثعلب (( الداهية/اللاعب الإقليمي أو السياسي المتمرس )) والذي يمثل القوى الأكثر ذكاءً ودهاءً (( سواء كانت أحزاباً متمرسة أو نفوذاً إقليمياً )) , فأنه لم يدخل المعركة بالاندفاع , بل درس نقاط ضعف الأسد (( الحاجة للدواء )) ونقاط ضعف الذئب (( السذاجة )) , ثم قدم حلاً يستجيب لرغبة الأسد في البقاء , وجعل الثمن التضحية بالذئب نفسه.

إنّ أبرز الدروس المستفادة من إسقاط قصة تولستوي هو قانون (( سلخ الحي )) ففي بيئات الصراع السياسي المأزوم , تلتهم السلطةُ حلفاءها الأقل كفاءة لإنقاذ نفسها , وهو ما تمثل في التضحية بشخصيات وكتل سياسية متعددة على مدار السنوات السابقة لتهدئة الشارع أو إرضاء الفاعلين الكبار , وخطورة التحريض لأن الوشاية والمكر السياسي بدون امتلاك أدوات قوة حقيقية (( مثلما فعل الذئب )) تؤدي إلى نتائج عكسية , فمن يفرش أرضية الشر , يكون أول من يُسحب جلده عليها , وتتجلى عملية البحث عن التوازن في مقولة الثعلب الأخيرة (( يجب أن نحث سادتنا على الخير لا على الشر )) وهي المفارقة التهكمية , ففي السياسة تُغلف أبشع القرارات (( سلخ الذئب )) بشعارات إصلاحية (( علاج الملك )) .

إنّ السلطة المأزومة لا تحمي أتباعها , فالأسد لم يتردد لحظة واحدة في مسك الذئب وسلخه وهو حي , لأن المحتضر لا يفكر في الأخلاق ولا في الولاءات السابقة , بل يبحث عن (( الضماد )) الذي يطيل عمره , وفي الواقع السياسي , كم من أطراف ظنت أنها (( في مأمن )) بحكم القرب من مراكز القرار , فوجدت نفسها أول قربان يُقدم لتسكين الأزمات.

حالة انقلاب السحر على الساحر , لقد ابتدأ الذئب المعركة بالوشاية سعياً لإزاحة خصمه , لكنه لم يدرك أن فتح باب (( التسقيط )) يجعل الجميع في مرمى النار , والثعلب لم يبتكر أداة القتل , بل أخذ الشغف بالشر الذي أطلقه الذئب , وأعاد توجيهه نحو صدر الذئب نفسه.
خطورة تقديم (( النصيحة الشريرة )) , وجملة الثعلب التهكمية الأخيرة (( يجب أن نحث سادتنا على الخير , لا على الشر )) تحمل في جوهرها مأساة المشهد , فلو أن الذئب شغل نفسه بتقديم ما ينفع الملك (( الخير )) بدلاً من الانشغال بالإيقاع بالآخرين (( الشر )) , لما وجد الثعلب الثغرة التي جعلت من جلد الذئب نفسه دواءً .

إن المقابلة بين الوشاية الساذجة (( الذئب )) والدهاء المصلحي (( الثعلب )) في حضرة الضعف المستبد (( الأسد )) , تسلّط الضوء على أن البناء على الشر في الشؤون العامة يرتد دوماً على صاحبه , وأن الدسائس لا تصنع دولة , بل تصنع مقتل أصحابها , وهكذا تختتم هذه القصة القصيرة لـ (( تولستوي )) بدرس مكثف في فلسفة الحكم وطبائع البشر, ويُلخص كيف تتحول (( المكيدة السياسية )) عندما تغيب دولة المؤسسات ويصبح البقاء لمن يتقن أدوات اللعبة لا لمن يظن أنه الأقرب إلى عرش السلطة.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية تولستوي .