أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق المعاصر؟














المزيد.....

مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق المعاصر؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 00:35
المحور: الادب والفن
    


قرأت نص هايكو لفاطمة الفلاحي , يقول : (( طقوسُ سيدوري , تلبستني كعشبةِ خلودٍ , ميلادُ جلجامشِ , إكسيرُ الحياةِ , خَلقتِ الآلهةُ البشر , مصيرٌ محتوم , يا حفيدَ الريحِ , أودعْ قلبكَ كفَّ راعيةٍ , ملوحةٌ للسنابلِ , آلهةُ النبيذ , لنفسها احتفظتْ بالخلودِ , الفردوسُ الأبدي , نبيذُ سيدوري , المُشتهى والفتنةِ , خلودٌ مختلفٌ , سفينةٌ تبحر , طوفانٌ يمحو المدى , خلود العبد , حارس الأرز , أنفاسه زئير النار , العملاق خمبابا , كفُّ الطين , خطوطُ اليدِ تمحوها الريح , قارب أورشنابي , مَجْدَافُ المَوْتِ , يَعْبُرُ بِيَمِّ الفَنَاءِ ,صَوْبَ الخُلُودِ )) .

ولأفك طلاسم الهايكو وأفهمه أكثر , بحثت فوجدت : سيدوري , هي شخصية في ملحمة جلجامش البابلية القديمة , وتُعرف في النصوص المسمارية بصفتها صاحبة الحانة أو ساقية الآلهة التي تعيش على شاطئ البحر عند أطراف العالم , وتكمن أهمية سيدوري في الملحمة في تجسيدها لحكمة الحياة اليومية وقبول الفناء , وتتلخص أبرز ملامح دورها في النصيحة التي قدمتها لجلجامش عندما التقاها وهو في حالة يأس وبحث مستميت عن الخلود بعد موت صديقه أنكيدو , فقدمت له نصيحة فلسفية شهيرة دعته فيها إلى التخلي عن مطاردة الوهم (( الخلود )) والاستمتاع بملذات الحياة البسيطة المتاحة للبشر , وأخبرته أن الآلهة عندما خلقت البشر جعلت الموت من نصيبهم واحتفظت بالخلود لنفسها , ولذلك عليه أن يملأ بطنه بالطعام الطيب , ويفرح نهارًا وليلاً , ويرتدي ثيابًا نظيفة , ويغسل رأسه ويستحم بالماء , ويسعد بالطفل الذي يمسك بيده , ويُفرح زوجته بين أحضانه , لأن هذا هو نصيب البشر , وبعد أن رأت إصرار جلجامش الحزين , ساعدته في نهاية المطاف وأرشدته إلى الملاح أورشنابي ليقوده عبر (( مياه الموت )) للقاء أوتنابشتيم .

بينما كان جلجامش يطارد خيط دخان اسمه الخلود , كانت (( سيدوري )) على أطراف العالم تمثل حكمة الأرض والواقعية الصلبة , لم تغره أوهام البطولة , بل أعادته إلى جوهر الحياة المتمثل بأستقرار الإنسان , شبع جائعه , فرح أطفاله , وكرامة يومه , إن العراق اليوم لا يحتاج إلى أبطال خارقين يخوضون حروباً وهمية , بل يحتاج إلى حكمة (( سيدوري )) في إدارة الدولة , حكماء يدركون أن نهضة العراق واستقراره يبدآن من بناء الإنسان , وتأمين عيشه , وتحقيق رفاهيته البسيطة والأساسية , وإرشاده بوعي ليعبر ببلاده مياه الأزمات نحو بر الأمان .

توقف التاريخ كثيراً عند تجربة ملحمة جلجامش البابلية , لا بوصفها نصاً أسطورياً يروي مغامرات البحث عن الخلود فحسب , بل باعتبارها وثيقة فلسفية مبكرة تشخص صراع الإنسان الأبدي بين مطاردة السراب والقبول بواقعية الحياة , وفي قلب هذا النص الخالد , تقف شخصية سيدوري صاحبة الحانة وساقية الآلهة القابعة على شاطئ البحر عند أطراف العالم , لتجسد أعمق دروس الحكمة الإنسانية والسياسية التي تفتقر إليها الأمم في لحظات انكسارها , وعندما التقى جلجامش بسيدوري , كان ملكاً مهزوماً نفسياً , يملأ قلبه اليأس , ويركض في مقفرات الأرض بحثاً عن وهم الخلود بعد أن فجعه موت صديقه أنكيدو , لم تقدم له سيدوري شعارات براقة , ولا وعوداً بإعطائه ما لا يُملك , بل واجهته بالحقيقة الصلبة , إن الخلود استأثرت به الآلهة لنفسها , وجعلت الموت من نصيب البشر, ولذا , ما عليك إلا أن تملأ بطنك بالطعام الطيب , وتفرح نهاراً وليلاً , وترتدي ثياباً نظيفة , وتستحم بالماء , وتفرح بالطفل الذي يمسك بيدك , وتُسعد زوجتك بين أحضانك , لأن هذا هو نصيب البشر , إن هذه النصيحة البسيطة في ظاهرها , العميقة في جوهرها , تضع يدها على الجرح العراقي المعاصر , وترسم ملامح النهوض والاستقرار الذي يحتاجه البلد من خلال حكام يمتلكون رؤية واقعية وإنسانية كحكمة سيدوري .

العبور فوق (( مياه الموت )) , إدارة الأزمات بروح المسؤولية : لم تكن سيدوري مجرد صاحبة حانة تقدم النصائح الشفهية , بل كانت تمتلك الوعي الإستراتيجي لمعرفة موازين القوى وإدراك المخاطر , حين رأت إصرار جلجامش , لم تتركه يواجه المصير المجهول بمفرده , بل وجهته نحو أورشنابي الملاح , الشخص الوحيد القادر على العبور به فوق (( مياه الموت )) , وهنا يكمن الدرس السياسي والأخلاقي للعراق المعاصر, وضرورة استعانة الحاكم بالتكنوقراط والخبرات, لأن الحاكم الحكيم هو من يعترف بحدود قدراته , ولا يدّعي المعرفة المطلقة , بل يستعين بـ (( ملاحين )) ماهرين - أهل الاختصاص والإدارة والاقتصاد - للعبور بالبلاد من أزماتها الخانقة , وتحويل الأزمات إلى مسارات عبور , بدلاً من إلبقاء والشعب في حالة خوف دائم من (( مياه الموت )) - الأزمات الأمنية ,الاقتصادية , والبيئية - يعمل الحكام الحكماء على فتح منافذ الحلول العملية وإرساء سفن الاستقرار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .
- مقامة الجهل ومعركة الوعي: بين استثمار العقول وصناعة الوهم .
- مقامة فلسفة الصبر والوجع : صدى عصف الأفندي في واقع العراق ال ...
- مقامة الموازاة من عتب مظفر للرفاق إلى ثقافة الإلغاء وتحولات ...
- مقامة المثالب : من (( مثالب )) التوحيدي إلى رثاثة السياسة ال ...


المزيد.....




- مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
- وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز ...
- بتهمة الخيانة.. وزير إسرائيلي يتوعد بسحب الجنسية من مخرجَي ف ...
- جولة بسمرقند.. جوهرة طريق الحرير وموطن العلماء والحكام التيم ...
- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق المعاصر؟