أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المعتدة .














المزيد.....

مقامة المعتدة .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 22:09
المحور: الادب والفن
    


مقامة المعتدة :

أستحضرت نصا قديما , تقول فيه , (( اغادر وحدي , اختار محطة بلا ذاكرة , تنسى وجوه المسافرين , سريعا , اتسرب الى القطار كطيف , اسافر بحقيبة عارية , الا عن كحل اسود , وبضع .. وعود )) , يظلّ سحرُ الكلمة ورُقيّ العبارة بوابتنا المفتوحة دائماً على الإبداع والأنس , خصوصا وأنه نصٌّ ينبض بشاعريّةٍ كثيفة , ويختزل فلسفة الغياب والرحيل ببراعة بالغة , ويُجسّد بلغةٍ خفيفة الوزن لكنّها عميقة الأثر تجربة الفقد والتخلّي.

وفي أبعاد هذه السطور, التي تبدأ بإعلان العزلة عنوانا ومفتتحا , نجد (( أغادر وحدي )) التي تعني عزلة طوعية ومُدركة , واختيار (( محطة بلا ذاكرة )) يُعبّر عن رغبة جارفة في الانفكاك من أسر الماضي والتحرّر من ثقل الذكريات , فهي لا تبحث عن وجهة بقدر ما تبحث عن (( محو )) المارة والوجوه التي تُنسى سريعاً , وكأنها تطلب الخلاص من التراكمات النفسية والوجدانية.

ثم هناك التسرّب والشفافية (( اتسرب الى القطار / كطيف )) , حيث ان استخدام الفعل (( أتسرب )) مع التشبيه (( كطيف )) يحمل دلالة الهروب الخفيّ , الرقيق , وغير المرئي , والرحيل هنا ليس صاخباً ولا استعراضياً , بل هو انسحاب هادئ ومستتر , حركة كائن يمرّ عبر الأشياء دون أن يترك أثراً جليّاً , كمن يخشى أن يتنبّه العالم لغيابه أو يوقفه.

تعتبر عبارة (( اسافر بحقيبة عارية / الا عن كحل اسود / وبضع ..وعود )) , ابلغ صور النص , فالحقيبة العارية رمز للتخلّي عن الماديات والأمتعة التقليدية , وتجرد تام من أثقال الحياة , اما ال (( كحل أسود )) فهو إشارة لمحة الأنوثة الباقية , والحفاظ على الهوية الذاتية والجمال الخاص حتى في أوقات الرحيل والهروب , اضافة الى ان الكحل والوعود هنا هما رمزان للوفاء للفقيد والتمسك بذكراه وسط ألم الفقد حديث العهد , ثم نلاحظ النقاط المتقطعة قبل كلمة (( وعود )) التي تمنحنا كقراء تنهيدةً أو وقفةً تأملية , فالحقيبة لا تحمل سوى بقايا أمل , أو زادٍ معنوي ممثلاً في وعود قديمة - ربما كانت صادقة أو معلقة - وهو الأثر الوحيد الذي وافقت على حمله معها.

يالها من صورةٌ شعريةٌ مكتملة البناء , تجمع بين حزن زهد السنين ورقة الأمل المتبقي , كُتبت بلغة مُصفّاة من التكلّف , تُشبه مَن اختصر الحياة كلها في حقيبة صغيرة لا تحمل إلا الكحل والوعود , رحيلٌ بلا ضجيج , لكنه يترك في النفس أثراً عميقاً ولا يُنسى.

وفي فلسفة المجاراة , اهديتها هذه السطور لِتُحَاوِرَ نصَّها دونَ أن تُعرِقل رحيلَهَا الخفيف , فهي تَلْتَقِطُ خَيْطَ (( الكُحْلِ والوُعُودِ )) لِتُؤَكِّدَ أنّ الحقيبةَ ليست فارغةً كما توهَّمَتْ , بل مَلِيئَةٌ بوزنِ المعنى , وأنَّ هناك ظلّاً وفيّاً يرافقُ الطَّيفَ دونَ أنْ يُزعِجَ حُريَّتَهُ أو يُعَكِّرَ صَفْوَ غِيَابِهِ : (( تَمَهَّلِي قَلِيلاً عَلَى المَنَصَّةِ.. فَالمَحَطَّاتُ التِي تَبْثُّ المَحْوَ , تَعْرِفُ أَيْضاً كَيْفَ تَسْرِقُ الطَّيْفَ مِنْ عَيْنَيْكِ , ارْكَبِي قِطَارَكِ الهَادِئَ , لَكِنْ لا تَسْنِدِي الرَّأْسَ عَلَى زُجَاجٍ بَارِدٍ.. فَالحَقِيبَةُ التِي لا تَحْمِلُ إِلا (( الكُحْلَ )) وَ(( الوُعُودَ )) , لَيْسَتْ عارِيَةً كَمَا تَظُنِّينَ , بَلْ هِيَ مُثْقَلَةٌ جِدّاً بِمَا لا يُقَاسُ بِالأَوْزَانِ , سَأَكُونُ هُنَاكِ.. فِي الوَعْدِ الأخِيرِ الَّذِي نَسِيتِ أَنْ تُسْقِطِيهِ مِنْ جَيْبِكِ , ظِلاًّ لا يُزَاحِمُ غِيَابَكِ , بَلْ يَحْرُسُ خُطْوَتَكِ المَارَّةَ.. كَالأَثَرِ المَكْتُوبِ بِالكُحْلِ )) .

وهكذا تتجلى (( المعتدة )) في هذا النص لا كإنسانة يكسرها الفقد أو يحصرها الحداد في زوايا الغياب , بل كطيف يمارس الرحيل بأناقة الصبر , ويلتفع بالحزن دون أن يفقد نبض أنوثته أو وفاءه للعهود , إنها قراءة لا تستجدي العطف , بل تحتفي بالكرامة الكامنة في الألم , وتؤكد أن الرحيل الحقيقي ليس في مغادرة الأمكنة , بل في القدرة على حمل الوفاء حياً في حقيبة لا تسع إلا الكحل والوعود , لقد كُتبت اللواعج بلمسة وجدانية عالية وقلم يدرك كيف يلامس أوجاع النفس بوقار وأصالة , فما أروع الوقوف في محراب هذا الحرف الجميل.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟
- مقامة العاكة والكيش والمردي .
- مقامة الأشباه : حين تتكلم المرايا الخفية .
- مقامة لغو اللسان الفلتان : حين تقود الكلمة صاحبها إلى الهلاك ...
- مقامة الدرويش وتجليات جودو : بين هودج الانتظار ونداء الروح .


المزيد.....




- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...
- عود مصطفى نصري يعود إلى أصالة بعد 13 عاما من الأمانة
- -ورثة الدم-.. أخوان يقتلان أمهما وإخوتهما الأربعة ويدفنانهم ...
- التعليم العالي: اليوم آخر موعد لتسجيل طلبات تقليل الاغتراب ل ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- بسبب تكريم هند رجب.. غرامة أمريكية على الشاعر وإيرفينغ يُسدد ...
- لبنان يسلم مصر 74 قطعة أثرية


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة المعتدة .