|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-2
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 22:06
المحور:
مقابلات و حوارات
«جاسم الطائي في حوار النبض والقافية: نسجتُ من خيوط التراث عباءةً لقصيدة العصر، والتشطير عندي محاورة أرواح لا مجرد نظم»
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحداثة وتتداخل الأشكال التعبيرية، يبقى للقصيدة العمودية حراسها الذين يذودون عن حياض الأصالة، ويصقلون من معدن اللفظ القديم تحفاً تناسب روح العصر. ضيفنا اليوم هو الشاعر العراقي القدير جاسم الطائي؛ القامة الشعرية التي أثبتت أن التراث ليس قيداً، بل هو فضاء ممتد للتحليق. عُرف براعته الفائقة في ركوب بحور الخليل، وتميز بالمشاكسة الإبداعية الجميلة عبر فنون "التشطير والتطريز"، فجاور بكتاباته كبار المتصوفة والشعراء، حتى غدت قصائده جسراً يربط أصالة الماضي بملامح الحاضر. في هذا الحوار، نبحر معه في خمسة محاور تلخص أسرار تجربته، من صرامة الوزن إلى عوالم الوجد الصوفي، وصولاً إلى تفاعله الرقمي مع جيل اليوم.نواصل في الجزء الثاني من حوارنا مع الشاعر جاسم الطائي المحور الثالث
11. قصائدك المغلفة بنبرة روحية تبدو كأنها هروب من الواقع؛ هل الوجد الصوفي عندك هو عزلة اختيارية أم مواجهة للذات؟
هي ليسَت هروباً من الواقعِ ،بقدرِ ما هي مواجهةٌ للواقعِ وللذاتِ في آن واحدٍ، فكل قصيدةٍ تجدُ فيها رغمَ المعاناةِ والمرارةِ بارقةَ أمل وكوّةَ نور تتجلى في الخروجِ من الواقعِ المظلمِ إلى واقعٍ جديدٍ، حتى وإنْ لم يكنْ في الحياةِ الدنيا. فالإيمانُ راسخٌ تماماً بحتميةِ الرحيلِ إلى حياةٍ أخرى لا موتَ فيها ولا فناء.
12. كيف توظف لغة التصوف والمناجاة في التعبير عن قضايا الحب الإنساني والعاطفة العذرية؟
الحب لا يكون إنسانيا وعذرياً، إن لم تكنْ لغتهُ لغةَ تصوفٍ ومناجاةٍ لغةً شفيفةً خفيفةً قريبةً إلى ذائقةِ المتلقي تبتعدُ كلياً عما هو ملموسٌ ومحسوسٌ بأيِّ حاسةٍ من الحواسِ وتذهبُ باتجاهٍ تأمليٍّ خارجَ متنِ الحواس الإنسانية .ومن هذه اللغة تخلقُ الصورُ والتعبيراتُ والخيالاتُ التي تكون نبعاً للرومانسية المتصوفة.ولعل قصيدتي ( أشرقتِ شمساً) خير مثال فلن يجد القارئ وصفاً حسياً واحداً لجمال المحبوبة :
( أشرقت شمساً) يا فلقةَ الشمسِ منكِ الشمسُ تنكسفُ ماذا أقولُ وحرفي شفَّه الشغفُ ما جئتُ وصفاً -وللأوصافِ سطوتها - إلا وكان يراعي عاجزاً يقفُ فللمجاز مزاليجٌ مُغلقةٌ وللسطورِ مدى ينتابُه الأسفُ وللمعاني ارتحال لا انتهاء لهُ تمضي الليالي إلى الأطلالِ تختلفُ أساجلُ الخاطرَ المهيوبَ رونقُهُ فيخجلُ الحرفُ مفتوناً ويعتكِفُ كما الندى هي قطراتُ المدادِ على صحائفِ النورِ روضاً فوقَ ما أصفُ يمضي الخيالُ بها نسماً وأغنيةً حتى الملائكُ إجلالاً لها تقفُ كلّي أمانٍ تبدّت كم بها ألقٌ فمنظرُ الحبِ في العينين والترفُ وما أزالُ أداري شُحَّ قافيتي كم عانَدَتني وبحرُ الشعرِ يُغترفُ فَرُحتُ أبحثُ في نحوٍ وفي لغةٍ وأكسِرُ القيدَ فيما ليس ينصرفُ أنا الذي لم تنلْ مني مكابِرةً تفعيلةٌ أزهرتْ مذ ضمَّها الخَزَفُ أعلنتُ صمتي فلي من حيرتي وجعٌ وخيرُ ما قيلَ ما تزهو به الصحفُ -----
13. في قصيدة مثل "قلبي يحدثني"، ما الذي حرك فيك سواكن الكتابة والتحليق في ملكوت العشق الإلهي؟
الشكلُ والمضمونُ معاً يحركان المشاعرَ والأحاسيس ،فمن حيث الشكلِ زخرَت القصيدةُ بفنونِ البلاغةِ من طباقٍ وجناسٍ واستعارةٍ وتشبيهٍ وغيرها ، ولنأخذ بعض ابياتها على سبيل المثال لا الحصر لنرى فنون البلاغة فيها :
قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ يا مانِعي طيبَ المَنامِ ومانِحي ثوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُتْلِفِ عَطفاً على رَمقي وما أبقَيتَ لي منْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنَفِ فالوَجْدُ باقٍ والوِصَالُ مُماطلي والصّبْرُ فانٍ واللّقاء مُسَوّفي ( ابن الفارض )
( قلبي يحدثني - استعارة ) ( عرفت لم تعرف - طباق سلب) (لم أقضِ حق بمعنى لم أسدد لم أقضِ فيك بمعنى لم أهلك جناس ) ( أسعفتَني ، لم تسعف - طباق ) ( مانعي طيبَ المقام مانحي ثوبَ السقام مقابلة ) وهكذا فلا تكادُ تجدُ بيتاً إلا وجاءَ فيه فنٌّ بلاغيٌّ عفوَ الخاطرِ ، هذا فضلاً عن اللغةِ الشفيفةِ السهلةِ التي تميلُ إلى أجواء التصوفِ والعشقِ الصوفي ،فضلاً عن القافيةِ التي جاءت بحرفِ الروي ( الفاء المكسورة ) حيث أدّت غرضها تماماً فالفاء تُنطقُ من مقدمةِ الفمِ وكسرُها جاء تعبيراً صادقاً عما يعانيهِ الشاعرُ من لوعةٍ وشجونٍ في عشقهِ للذات الإلهيةِ هذا المضمون الذي تسامى بروحِ الشاعرِ إلى مديات عليا من الخيال ٠
14 ٠هل ترى أن القارئ المعاصر، وسط الماديات المحيطة به، لا يزال متعطشاً للشعر الوجداني والصوفي؟
في دواخلِ كلٍّ منّا عاشقٌ وإنْ كانَ مُتَخفِّياً ،وفي حياةِ كلٍّ منّا فسحةٌ للشعرِ الوجداني حين يختلي بنفسهِ بعيداً عن ضبابيةِ الروتين اليومي والتزاماتِ الحياةِ قراءةً أو سماعاً أو كتابةً ، أما ترى الزخمَ الهائلَ من المنتديات الأدبيةِ المنتشرةِ في الفضاءِ الأزرق؟ حتى تلك التي أغلب جمهورها ومتابعيها وناشطيها، ممن لا يحسنون غير رصِّ المفرداتِ مدَّعينَ أنهُ شعرٌ ، فهُمْ في حقيقةِ الأمرِ يعبّرونَ عن حاجةٍ فعليةٍ جادّةٍ لمُتَنفَّسٍ وجداني؛ ليعبروا عن ذواتِهم بالكتابةِ أو القراءةِ، وبالمحصلةِ فيمكننا القولُ أنّ الشعرَ غذاءُ الروحِ حالهُ حالُ الموسيقى، دوماً هناك من يسعى إليه ولن يموت.
15. متى تتحول القصيدة الصوفية من مجرد طقس تعبُّدي ونظم روحي إلى ثورة فكرية وإنسانية في نظرك؟
حين يخرجُ النصُّ من ذاتيتهِ المفرطةِ إلى مساحةٍ موضوعيةٍ فتلتقي تجربةُ الشاعرِ بتجربةِ المتلقّي وتتداخلُ المشاعرُ بداياتٍ ونهاياتٍ ومزالقَ ومآزقَ ،حينها تصبحُ القصيدةُ فِعلاً ثورياً يؤثرُ في ذهنيةِ المتلقّي وهذه رسالةُ الفنون قاطبةً وليس الشعر فقط .
( نور من كوة اليأس )
من كوّةِ اليأسِ هذا النّورُ إذ يأتي على رفاتِ فؤادٍ خارجَ الوقتِ مُنَزّلاً من رحابٍ ليس يسكنُها إلا الملائكُ في أمواجهِ احتَرتِ يا روحَ هذا الذي أبلَت رواحلُه فكيف أنتِ ومَن إنْ رُمتِه كنتِ وقلت: "آمنت" لكن بعض أمنيتي أن يطمئنَ فؤادي أو أرى موتي وبي عذاباتُ ألفٍ أعجَزَت دُوَلاً من الفصولِ أرى في بوحِها كَبتي شهدتُ فيها تواريخاً مزوّرةً ولي عليها أمانٍ أجهدَت صوتي يا ٠٠٠شُقَّ صدري وخُذْ ما شئتَ من وطنٍ طيفاً تجلّى كأنّي موثَقُ السّبت لا الصيدُ صيدٌ ولا الأحلامُ ماثلةٌ إلا كوسوسةٍ تبدو كما السّحتِ ونحنُ يا نفسُ لم نشهدْ ولادتَنا لكنْ على غيرِ ميعادٍ وأُجبِرتِ آوي إلى جبلِ الجوديِّ يعصمُني أقولُ يا روحُ هلّا بالرجا بُحتِ ما بينَ سبعِ سماواتٍ بلا عمَدٍ وبين هذا الثّرى أنزاحُ ما انزحتِ المحور الرابع
16. حولت حسابك على فيسبوك وملتقياتك الرقمية إلى صالون أدبي؛ كيف غيرت منصات التواصل علاقة جاسم الطائي بجمهوره؟
لا شكَ أنّ وسائلَ التواصلِ وما أتت به من نهوضٍ فكري وثقافيٍ لا يمكنُ تغافلها ، فأنت تلتقي الناقدَ وشاعرَ العمودِ والقاصّ والروائيَّ وكاتبَ المقالةِ ومُتبنّيَ قصيدةِ النثرِ وشعرَ التفعيلة بشكل يومي مع هذا الهوس الذي أحدثَه الجوالُ في حياةِ الإنسان، وكما أن لهُ جوانب سلبيةً فإيجابيّاته أكثر بكثير حيث برامجُ المجاراةِ الشعريةِ والتشطيرِ والتخميسِ والتطريزِ وغيرها من البرامج التي تستفزُّ قريحةَ الشاعرِ على مدارِ أيامِ الأسبوعِ ليكونَ فاعلاً في حضورهِ وفي غيابهِ، فلم يعد الأديبُ ينتظرُ موعداً أسبوعياً في صالون أدبي للإجتماعِ بصحبتهِ من الأدباءِ بل تكفيه ضغطةُ زرٍّ للتواصل مع أيّ شخص وفي أي وقت ، ولك أن تتخيَّرَ في نهاية المطافِ ما يناسبُ توجهاتِك وميولَك الأدبيةِ وتنخرطُ في ركبه ٠
17 ٠هل تعتقد أن النقدَ السريع والمباشر في الفضاء الافتراضي يخدم الشاعر أم يضره مقارنة بالنقد الأكاديمي التقليدي؟
نسبةٌ كبيرةٌ جداً مما نراهُ من النقد الانفعالي المباشرِ وعباراتِ المديحِ والثناءِ وشهاداتِ الإبداعِ والدكتوراهِ الفخريةِ ،التي تمنحُ بغير وجهِ حقٍّ لا تعدو أن تكونَ مجاملةً وحسب وتحكمها علاقات الصداقة وعدد اللايكات في المنشور وسيلُ التعليقات وكم يتجاوز من الأرقام ، ولي مقالٌ منشور في العديدِ من المواقع بهذا الخصوص عنوانه ( أنا والدكتوراه)؛ فقد مُنِحتُ العديدَ من شهادات الدكتوراه الفخرية من منتديات رصينةٍ ،لكنني تنازلتُ عنها لما أراه من هرجٍ ومرجٍ في توزيعها بلا معايير فنيةٍ وثقافية ٠ لكن مع كلّ هذا الواقعِ المزري؛ فأجدُ العديدَ من المنتديات الرصينةِ قد حدّدَت مسؤولياتها وواجباتها في الحفاظِ على ألمشهدِ الثقافيِّ والارتقاءِ بالأدبِ عموماً مبدعاً ومتلقياً ، كل ذلك من خلال استقطابِ الكفاءات الأكاديميةِ المتخصصةِ، ونقدِ وتحليلِ العديدِ من النصوص التي تستحق الوقوفَ عندها٠
18. ألم تقلق يوماً من أن النشر الرقمي المستمر قد يحرق وهج القصيدة ويفقدها هيبتها المطبوعة؟
أوافقكَ تماماً بجزئيّة السؤالِ الأخيرة من أنّ النصّ المطبوعَ ورقياً لهُ هيبتهُ وقدسيتُهُ لكنْ لننظرْ إلى الأمور بواقعية : لو فكّرتَ بطبعِ ديوانٍ ورقي فكم نسخةً يمكنُ أن تطبعَ ؟ وما تكلفتُها ؟ وهل بإمكانكَ تغطيةُ تلك التكاليفِ بلا دعم حكومي ؟ وكم من القراءِ يمكنُ أن يتنازلَ عن جزءٍ من مالهِ وقوت عيالهِ ليشتريَ ديواناً وبإمكانهِ ان يتصفّحَ عشراتِ القصائدِ يومياً على الفضاءِ الرقمي ؟ بإمكاني أن أنشرَ قصيدتي في مئةِ منتدى خلالَ يومين ،وربما أعدتُ نشرها في منتديات أخرى بعد فترةٍ وربما وربما وقبل أن يطويَها النسيانُ فإن السيد مارك يذكرني بها في يوم ميلادها على الفضاء الازرق ٠ النشرُ الرقميُّ في الفضاء الأزرق أزاحَ كثيراً من معاناةِ الأديبِ والقارئ للوصول إلى المبتغى. وهذه حقيقة لا مهرب منها ، وتبقى بعد ذلك نهايةُ المطافِ غايةُ الأديب إذا سعى إلى تاريخ مؤرشف عليه بالطباعةِ الورقيةِ فهي تأريخ فعلاً ، أما إذا سعى إلى الإنتشار السريعِ والأوسعِ؛ فالفضاء يفتحُ ذراعيه ولي في التجربتين فمجموعتي الورقية عنوانها (صحوة الجرح) طبعتها عام 1987 ولي غيرها مجموعتان الكترونيتان ( ديوان الكرامة - قصائد في الوطن والشام ولبنان وفلسطين) وديوان ( خلجات خريف العمر - قصائد وجدانية ) ٠
19. كيف واجهت تحديات "السرقات الأدبية" أو ضياع الحقوق التي تفرضها طبيعة النشر المفتوح على الإنترنت؟
السرقةُ الأدبيةُ شيءٌ واردٌ جداً منذُ عصور الأدبِ الأولى، بل عيبَ على المتنبي وهو الشاعرُ الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناس سرقاتٍ أدبية ، لكنّ الحالَ الآنَ مختلفٌ تماماً فسابقاً كانَ عليكَ التحرّي والتدقيق والتمحيص للوصولِ إلى جذرِ سرقةٍ أدبيةٍ أما الآن فإنّ الفضاءَ المفتوحَ الذي يسهِّلُ انتشارَ النّصّ بذاتِ الوقتِ يسهِّلُ فضحَ السّرّاقِ وسرقاتهم ، ويبدو الأمرُ في غايةِ السّذاجةِ لأنّ التطور الرقمي جعلَ للمنتدياتِ الأدبيةِ متسعاً من الفضاءِ في كوكل لإنشاءِ مواقعَ الكترونيةً خاصةً بها لتوثيقِ أيّ عملٍ أدبيٍّ وحِفظِ حقوقِ ملكيّتهِ وهو أمرٌ في غايةِ الأهمّيّةِ حيثُ يثبتُ تاريخَ النصّ ونشرهِ وعائديّتِهِ وكلّ تفصيلاتهِ فكانَ أسهلُ الطرقِ التي أتّبِعُها لحفظِ نصوصي حيثُ أعمدُ إلى نشرِها بدايةً في منتدياتٍ رصينةٍ تقومُ بتوثيقِها فوراً على كوكل ، كما أننا لا يمكنُ أن نغفلَ جهدَ الصفحاتِ الخاصةِ بمكافحةِ السرقات الأدبية وفضحِ السرّاق ٠ وفي كل الأحوال؛ فإنّ سرّاق النصوصِ هم مرضى نفسيّون يسعون للشهرةِ في الفضاءِ الأزرقِ لا أكثر، وقد تعرَّضَتْ نصوصٌ لي للسرقةِ فعلاً ؛فأخبرَني صديقٌ بذلكَ وما كان مني سوى إرسالِ رسالةٍ إلى السّارقِ مضمونُها الآتي : ( أنت أحمق أخرق فلو كلَّفتَ نفسكَ عناءَ الدخولِ إلى صفحتي لوجدتَ أنّ كلَّ قصيدةٍ من قصائدي موثقةٌ في أكثر من عشرِ مواقعَ إلكترونيةٍ على جوجل ) انتهى الأمرُ عندَ هذا الحد ولم أسمع عنهُ شيئاً بعدَ ذلك ٠
20. إلى أي حد ساهمت المنصات الرقمية في كسر الحدود الجغرافية وجعل قصيدتك العراقية تصل فوراً إلى المغرب العربي والخليج؟
لا شكَّ أنّ للمنصاتِ الرقميةِ الدورَ الأكبرَ في انتشارِ القصيدةِ شرقاً وغرباً، فما أن تُنشرَ القصيدةُ على موقعٍ معينٍ حتى ترى المغربي والجزائري والمصري والسوداني واليمني والسوري وكل أقطار الوطن العربي شرقِه وغربِه، انبرى أبناؤها للتعليقِ على القصيدةِ وقراءتها. بل ومشاركتها على صفحاتهم أيضا ، ودعني أذكرُ واقعة حدثَت ، حيثُ اتصَلَت بي من غيرِ سابقِ معرفةٍ أو صداقةٍ أو حديثٍ الأديبة الموسوعيةُ الأستاذة المغربية الفاضلة ( فاطمة بوهراقة ) قبل سنواتٍ حين كانَت تعمل على تصنيفِ عملِها الموسوعي (موسوعة الشعر العراقي المعاصر ) عن طريقِ الفضاءِ الرقميِّ، وأخذَت منّي ما تحتاجهُ من معلوماتٍ ونصوصَ لإدراجِ سيرتي الذاتية في الموسوعة، كان ذلك بعد أن تابعَت عدداً من قصائدي في المواقع الإلكترونية ، حدث ذلك خلال دقائقَ لا أكثر ولولا الفضاءُ الرقميُّ لأنفقتُ نصفَ عمري لأصلَ إلى هذا المبتغى، وربما لن يحدث. فكم من شاعرٍ خذلَهُ عصرُه لأنّهُ لم يحصلْ على مثلِ هذه الفرصة ٠ المحور الخامس
21 ٠في قصيدتك "غربة"، هل كنت تتحدث عن اغتراب مكاني أم هو الاغتراب الروحي للشاعر داخل مجتمعه؟
من العبثِ أن نقرنَ الغربةَ والاغترابَ بعاملِ المكانِ فقط؛ فالإنسانُ بطبيعتهِ مخلوقٌ إنفعاليٌّ يسكنهُ بركانٌ من المشاعرِ والأحاسيسِ الخامدةِ التي تثورُ وتهدأُ بفعلِ عاملِ المكانِ وربما الزمانِ أو الحدث ، ومن هذا المنطلق انطلقَت قصيدتي ( غربة) فكانت فاتحتُها على سبع احتمالات، هذه الاحتمالاتُ تفتحُ آفاقاً على المكانِ وغيرهِ لقدسيّة الرقم سبعة؛ فهو يتجلى في كثيرٍ منَ الظّواهرِ الكونيةِ المرئيّةِ وغيرِ المرئيّةِ مكاناً وزماناً وإشارةً ضمنيةً إلى السماواتِ السبعِ، حيثُ الفضاء المفتوح ، ثم ترى الخطى مهلكةً حين تكون لعبة حظ سيراً في المتاهات للوصول إلى بوابةِ الخروج ، ثم آتي على توقيتِ الرحلةِ ليندرجَ عنصرُ الزّمان فاعلاً في حالةِ الاغتراب ، ثم أطرحٌ كلَّ ذلكَ جانباً حين أجعلُ اللغةَ جوازَ مرور وأُعَبِّرَ عن الاغتراب داخل الوطن وقساوته. فهو اشد وقعا من غربة الإنسان حين يبتعدُ عن الوطن فتنتقل القصيدة من بعدها الذاتي إلى أبعاد إنسانيةٍ مفتوحة ، وبالمحصلة فإن الغربة شعور ينبع من الداخل ابتداءً متأثِّراً بالزمان، والمكان ،والحدثان، والعلاقات الإنسانيةِ في المحيط الخارجي٠ ( غربة ٠٠٠ )
(قد أثقلَتها تباريحُ المسافاتِ لغايةٍ ولها سبعُ احتمالاتِ مرَّت هناكَ ٠٠هنا اللَّا أين وجهَتُها وَشْمٌ خُطاها على كلِّ المساراتِ يعيدُ تشكيلَ كثبانٍ وأوديةٍ ويطلقُ البحرَ مجهولَ البداياتٍ وشمٌ خطاها وبعضُ الخَطوِ مهلكةٌ إن كانَ لعبةَ حظٍّ في متاهاتِ أيُّ المغاليقِ لم تَجهلْ مفاتِحَها؟! كم كسّرَ الدهرُ أرواحاً كمرآةِ من دونِ جدوى تَجَلّى حُلمُها سفراً كم تُعجِزُ الحلمَ أختامُ الجوازاتِ ما ضَرَّ إنْ أدرَكَت توقيتَ رحلتِها كلُّ المواعيدِ مسخٌ للغدِ الآتي تَحكي عن الموعدِ المفقودِ يلمزُهُ شيءٌ من الدّهشةِ الحُبلى بسوءاتِ جوازُها لغةٌ لا حرفَ يشبهُها لا روحَ للختمِ لا فوضى بميقاتِ العَتمُ ميلادُه يُفضي إلى أملٍ والأفْقُ يهربُ في خيطٍ لمشكاةِ إنْ غادَرَت نبضةٌ قلباً لتهجرَهُ من يرفعُ الجسدَ المصلوبَ في الذاتِ الراحلون ففي الأوطان غربتُهُم وفي حقائبهِم نورُ السماوات الحاملونَ لواءَ البؤسِ قافلةٌ وخَلفَ شُرفَتِها جَمعُ الهتافات ويَحملونَ على الأكتاف غربتهم ميلادَ آدمَ يا بَعدَ المدى هاتِ تفَرَّقَت مُذْ سروا يحدو بهمْ حُلُمٌ كلُّ المجاهيلِ أشتاتاً بأشتاتِ من عهدِ قابيلَ فاعتادوا على ملَلٍ مَنْ يُدمنِ الكأسَ يَغرقْ دونَ مرساةِ حتى يُضيعَ خُطاهُم أينما رحلوا بعضٌ من العدَمِ الممضوغِ بالقاتِ وليس يحملُ مِن أرزائها أحدٌ كم يقتلُ السِّجنُ أصوات النهاياتِ )
22. عارضتَ قصيدة الشاعر الكبير الجواهري في "شكوى وآمال"؛ ما هي الشكوى المشتركة بينكما، وما هو الأمل الذي يختلف فيه جاسم الطائي؟
الجواهري حالهُ حالُ شعراءِ عصرهِ وكلِّ العصور. فإمّا أن يكونَ لسانَ السلطةِ أو أن يعيشَ غربةً تبعثُ فيهِ روحَ الشكوى ،وقد تغرّبَ حتى وافته المنيّة بعيداً عن وطنه العراق، أما شكواي فتاريخُ ميلادي 1964 بمعنى أنني شهدتٌ واعياً حرب تشرين 1973 وحرب الخليج الاولى 1980 وحرب الخليج الثانية 1991والحصارَ الظالمَ على العراقِ لأكثرَ من عشرِ سنوات وحرب الخليج الثالثة 2003 وفي كل هذه المطبات كانت مشاعرُ الشكوى تأخذُ شكلاً جديداً كل مرة ، ولا زالت فقد كنتُ أحملُ مع كلِّ مرحلةٍ أملاً جديداً بفجر جديد ، فإذا هي آمالٌ لم يتحقق منها شيءٌ حتى اللّحظة، وأنا أعيشُ كلّ هذهِ التقلباتِ والتحولاتِ في المجتمعِ سياسيةً واجتماعيةً وثقافيةً وفكريةً فلا استقرارَ ولا أمانَ من الغيبِ ولا حلمَ يمكنُ أن يتحققَ على المدى المنظورِ أو غيرِ المنظور ٠
23. كيف ينعكس الوجع العراقي المعاصر، وتفاصيل الهوية المثقلة بالهموم، في نصوصك الوجدانية؟
(وصف للحال وشكوى وآمال وأحلام بالمآل ) ربما كانت هذه العبارة أصدق ما يعبِّرُ عن جوابِ السؤال ، فما نراهُ وجعٌ يعقبُ وجعاً وهو ذاتيٌ موضوعيٌ بنفسِ الوقت ، فالهَمُّ مشتركٌ والوجعُ مشتركٌ والحلمُ مشتركٌ فإذا نطقَ القلمُ - وقد نطق فصدق- كان لسانَ حالِ الناسِ عامّتِهم ويبقى بعد ذلك الجانبُ الفنيُّ في النصّ بما يحملُه من صدقِ التجربةِ والإحساس ٠ ( هو الوطن المذبوح ) تُجرِّحُ فينا القلبَ أيُّ مخالبِ فتسكرُنا العبراتُ من ذي العجائبِ ونغرقُ في دمع العيونِ وفيضِها لتضربَنا الأمواجُ ضربَ مُحاربِ فإنْ نلتمسْ صبحاً إذا جدّ جدُّها هو الليلُ ينبينا بفجرٍ مواربِ لَكَمْ نهتَدي بالنجمِ تخفيه دجنةٌ فنرقبُ خَطواً غارقاً في التقاربِ أماري على الأيامِ كلَّ نزيلةٍ وظنّي يقينٌ باحتدامِ المصائبِ اجرِّعُ فيَّ النفسَ كأسَ مرارةٍ فتُجرِعُني من ذي الكؤوسِ السواكبِ سواحلُ شطآنِ البلادِ تضاءلَتْ ولم يبقَ بحرٌ يستثيرُ مراكبي ولي وطنٌ في الأرضِ آليتُ حملَهُ بقلبي ولي فيه عظيمُ المناقبِ هو الوطن المذبوحُ رغمَ لجاجتي وفيضُ الدما ضاعَت بأرضِ الرغائبِ فكيفَ وأحلامي عليَّ عصيةٌ وكيف وأهلُ الدارِ مرّوا بجانبي وأضحوا غثاء الأرضِ يذروه عصفُها فأخشى على ذي الدار من ظلِّ راكبِ 24 ٠يرى البعض في شعرك مساحة تفاؤل رغم مسحة الشجن؛ كيف تصنع الأمل من مرارة الغربة؟
الأملُ لا يأتي إلا من قوةِ الإيمانِ ، الإيمانِ بربِّ العزّةِ سبحانه وتعالى ابتداءً ورسالاته السماويةِ وبحتميةِ سببِ الخَلق،ِ فيقيناً أنّنا لم نُخلقْ عبثاً وبلا هدف ، والإيمان بالمستقبل وما يحملهُ من غيب ٠ فكرةُ الإيمانِ هي ما يخلقُ العزيمةَ والإصرارَ وفسحةَ الأملِ التي دوماً أصِرُّ على أن أجعلها باباً أخيراً من أبوابِ النصِّ لينفتحَ النّصُّ على أفقٍ جديد هو مزيجٌ بين الحلمِ والواقع ٠ 25 ٠ختاماً، لو قُدّر لقصيدتك أن تختصر رسالة جاسم الطائي الإنسانية للأجيال القادمة، فماذا ستكون هذه الرسالة؟
رسالتي للأجيالِ القادمةِ هي أنّ الحياةَ فصولٌ تتعاقبُ ودوائر تدور لا تستقرُّ على حالٍ؛ فعلينا أن ندركَ تقلباتِها وأن نكونَ دائما مستعدينَ للتغيير متسلحين بالأمل بغدٍ أفضل فقد زرعوا فحصدنا وينبغي أن نزرع ليحصدوا بعدنا هكذا هي فطرة الحياة ، أما الأديب فينبغي أن تكونَ قصيدتهُ لسانَ من لا لسانَ لهُ تنطقُ باسمِ الإنسانيةِ ،وتحملُ همومَها وتسعى إلى الخيرِ والعدالةِ والأمان؟
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-1
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتب والصحفي العراقي
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : مع الشاعرة بلادس الزبيد
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:حوار مع الشاعرة -نوال ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة الجزائرية عم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : حوار شامل مع الكاتبة ا
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار مع الشاعر مسعود بن
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعر والأكاديمي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الدكتور محمد عربي في حو
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الكاتبة الجزائرية كدوم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر والكاتب الجزائر
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر والمربي الجزائري
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رمضان ب
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رضا بوق
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:مع الأديب والشاعر ماهر حسن
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار شامل مع القاص والن
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: الشاعرة عبير دريعي في حوا
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: في فلسفة القصيدة والوجود
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:عرّافة المنفى وذاكرة الحجر
...
المزيد.....
-
طائرة شحن تنحرف عن مسارها في مطار ميامي بالولايات المتحدة
-
-خسائر فادحة في العتاد والأرواح-.. القوات الحكومية اليمنية ت
...
-
إيران توضح طبيعة إصابات طياريها الأسيرين في قطر وتكشف عن طرق
...
-
بعد تثبيت أحكام قضية -التآمر على أمن الدولة-: الاتحاد الأورو
...
-
وزير أمريكي يربط بين التوصل لاتفاق نووي مع إيران بوصول إدارة
...
-
البرهان يحدد ملامح المرحلة الانتقالية
-
لأول مرة.. طهران تعلن اختبار صاروخ مضاد للمدمرات فوق سفينة ح
...
-
المبعوثان الأمريكيان يأملان بإجراء مفاوضات ثلاثية بين موسكو
...
-
هدم مسجد تاريخي في الهند يثير غضبا واسعا في باكستان واتهامات
...
-
حديث عن زلزال سياسي في ألمانيا على وقع نتائج انتخابات ساكسون
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|