|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتب والصحفي العراقي أسعد عبد الله (أسعد الدلفي)
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 15:13
المحور:
مقابلات و حوارات
التقينا بالكاتب العراقي أسعد عبد الله، الذي يعرفه القراء في المقال الفكري باسمه الصريح، وفي عالم القصة والرواية باسم "أسعد الدلفي". في هذا الحوار، نتحدث معه عن واقع الثقافة في العراق اليوم، وكيف يرى أزمة الجشع والمادة التي تناولها في كتابه "عبيد الدينار". كما يفتح لنا كواليس كتاباته عن تاريخ الكرة العراقية، وتجربته في النشر المستقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 1- تكتب المقال الفكري باسم "أسعد عبد الله عبد علي" والسرد الأدبي باسم "أسعد الدلفي"؛ فكيف توازن بين صرامة الصحفي وحرية الأديب في نصك؟
إن سؤالك يلمس جوهر التناقض الخلّاق الذي أعيشه بين ضفتي الكتابة. إنَّ التوازن بين (أسعد عبد الله عبد علي) الكاتب و(أسعد الدلفي) الأديب ليس صراعاً بين متضادين، بل هو تكاملٌ يغذي بعضه بعضاً... حين أكتب المقال الفكري بصفتي مفكرا أرتدي ثوب المشرّح الذي يلتزم بصرامة المنطق، ووضوح الفكرة، ومسؤولية الكلمة أمام القارئ والمجتمع.. أما حين أتحول إلى السرد الأدبي، فإنني أخلع رداء التكليف لأرتدي حرية التخييل؛ حيث لا رقيب سوى دهشة اللغة وعمق الشعور، هنا أسمح للذات بأن تفيض، وللخيال أن يطوع الحقيقة لخدمة الجمال... فأقول لك أنا لست شخصيتين منفصلتين، بل أنا كاتبٌ واحد يمتلك أداتين: واحدةً للبحث عن الحقائق، وأخرى للبحث عن المعنى.
2- كيف تقيم واقع الحراك الثقافي في العراق اليوم؟ هل يمر بمرحلة تعافٍ أم يعاني من أزمة استقطاب حادة؟ إن تقييم واقع الحراك الثقافي في العراق اليوم لا يمكن تأطيره بثنائية بسيطة تقوم على التعافي الكامل أو التأزم المطلق؛ فالمشهد العراقي الراهن يشهد حالة مركبة من أمرين.. فمن جهة، يمر الحراك بمرحلة تعافي واضحة تتجلى في عودة الفاعلية إلى الشوارع والمراكز الثقافية، وازدهار دور النشر، والنشاط الملحوظ للأجيال الجديدة من الكتاب والفنانين والشباب الذين يكسرون قوالب الماضي بإنتاج أدبي وفني غزير ومتنوع، مستفيدين من فضاءات التعبير المتاحة. ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن هذا الحراك يعاني من أزمة استقطاب حادة؛ إذ يتجاذب المشهد الثقافي انقسامات فكرية وأيديولوجية، وأحياناً مناطقية أو جغرافية، تنعكس على تقييم النتاج الأدبي والاحتفاء بالرموز. هذا الاستقطاب غالباً ما يحول دون تشكيل رؤية نقدية موحدة تسعف المشهد العام، وتجعل أحياناً من الانتماءات الجانبية معياراً للقبول أو الرفض على حساب القيمة الجمالية والمعرفية الخالصة.
3- تنشر مقالاتك في كبرى المنصات العربية والمحلية؛ ما هي القضية التي تجدها تفرض نفسها دائماً كأولوية قصوى على قلمك؟
إن القضية التي تفرض نفسها دائماً كأولوية قصوى على قلمي هي إعادة بناء الإنسان، والدفاع عن الهوية الروحية والأخلاقية للمجتمع في وجه عوامل التآكل والتغريب.. فالكتابة عندي ليست ترفاً فكرياً ولا عابراً كلامياً، بل هي امتداد لواجب الوعي الذي يربط الدين بالمجتمع، والوطن بالإنسان. إنني أكتب لأنني أؤمن أن أخطر ما يواجه أمتنا اليوم ليس الأزمات المادية فحسب، بل هو اختراق الوعي, وتفكيك منظومة القيم, والتي تشكل مناعة الروح والهوية. وحين أنطلق من هذه الزاوية، فإن قضايا الدين والوطن والمجتمع تندمج في بؤرة واحدة: هي السعي الدؤوب لاستعادة الإنسان لكرامته العقلية والروحية، ليكون فاعلاً لا مفعولاً به، وقادراً على مواجهة أسئلة العصر بإرادة أصيلة لا تنفصل عن جذورها ولا تنعزل عن إنسانيتها.
4- ما هي الخطوط الحمر أو الحدود الأخلاقية التي يضعها الكاتب لنفسه عند تناول الأزمات الفكرية والمجتمعية الحساسة؟
إن الحدود الأخلاقية الأعمق التي يضعها الكاتب لنفسه عند مقاربته للأزمات الحساسة هي عدم تحويل الألم الإنساني إلى مادة للمزايدة، والامتناع عن صبّ الزيت على نار الانقسامات. فالخط الأحمر الحقيقي يتمثل في ألا تصبح الكلمة معول هدم يمزق النسيج المجتمعي، بل يجب أن تبقى أداة واعية للشفاء والتبصير، تدرك أن حرية الفكر تنتهي حيث تبدأ كرامة الإنسان واستقرار روحه، وأن الواجب الأخلاقي للكاتب يفرض عليه أن يكون صوتاً للحكمة والعقل لا جزءاً من صخب الأزمة.
يحمل كتابكم "عبيد الدينار" صرخة ضد طغيان المادة؛ إلى أي مدى تعتقد أن الجشع نجح في تشويه العلاقات الإنسانية التقليدية في العراق؟
إن الجشع في زمننا لم يعد مجرد سلوك فردي طارئ، بل تحول إلى "نسق مهيمن" أعاد هندسة الروابط الإنسانية وأفرغها من قدسيتها، بحيث تراجعت قيم التكافل والتجرد لتفسح المجال أمام منطق النفعية والمصالح الضيقة. لقد استطاع طغيان المادة أن يخترق أطهر أواصر المجتمع في العراق؛ فحول العلاقات القائمة على المحبة والقرابة والجيرة إلى تبادلات مادية باردة، وبدل أن كان الإنسان غايةً بذاته، غدا وسيلةً تُستثمر وتُقايض. إن صرخة "عبيد الدينار" لم تكن سوى محاولة واعية لإيقاظ الروح من سباتها، والتنبيه إلى أن أخطر ما تفعله المادة حين تطغى ليس إفقار الجيوب، بل تجفيف ينابيع الإنسانية واغتراب الروح عن جوهرها الأصيل.
6- تعتمد المدرسة الواقعية في قصصك، فهل شخصياتك مستوحاة بالكامل من أزقة بغداد الواقعية أم للخيول الروائية مساحة في صياغتها؟
في عوالمي القصصية، لا تُكتب الشخصيات بمداد الحبر المجرد، بل تُعجن من طين بغداد ووجعها اليومي وناصية أزقتها العريقة. الواقعية لدي ليست مجرد مرآة فوتوغرافية تنقل ما ترى، بل هي نافذة للغوص في دواخل الإنسان البغدادي بصراعاته وهزائمه وأحلامه الصغيرة. لذا، فإن شخوصي ليست نقلاً حرفياً لأفراد حقيقيين بأعيانهم، وفي الوقت ذاته لا وليدة خيال محض منفصل عن جذوره. إنها شخصيات هجينة ومكثّفة؛ تنطلق شرارتها الأولى من ملامح ونبرات ومواقف التقطتها حواسي في شوارع بغداد وأزقتها المكتظة بالحياة والذاكرة، ثم يأتي دور "الخيال الروائي" ليقوم بدور النحات: يزيل الزوائد، ويضخ فيها روحاً درامية، ويصهر عدة نماذج بشرية واقعية في قالب شخصية واحدة قادرة على حمل دلالة أعمق وأبعد.
7- كيف ترى ردود فعل القراء على نهايات قصصك؟
أرى في دهشة القراء وتفاعلهم مع تلك الخاتمة المباغتة مرآة حقيقية لصدق النص؛ فالنهاية المفاجئة أو المكثفة ليست مجرد ضربة فنية عابرة، بل هي الرعشة الأخيرة التي تتركها الحكاية في الروح بعد أن يطوي القارئ آخر السطور. في سردية مستوحاة من نبض الشارع ووجع التفاصيل، لا أؤمن بالنهايات المريحة أو المكتملة بإفراط، لأن الحياة ذاتها لا تنتهي بضربة بندول هادئة. وحين يباغت القارئ بصدمة ناعمة أو تكثيف شعوري يقلب موازين الحكاية في اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يشبه صاعقة دافئة توقظ فيه التأمل وتدفعه لإعادة قراءة التفاصيل بعينين جديدتين. إنها اللحظة التي يتقاطع فيها صمت الكاتب مع دهشة المتلقي، ليترك الأثر الأعمق الذي لا يمحوه الزمن.
8- هل تميل لتقديم نهايات واقعية صادمة أم تترك دائماً نافذة للأمل والتضامن؟ في ظل انتشار أدب الفانتازيا والغموض، لماذا تصر على التمسك بالواقعية والانحياز لحياة الإنسان البسيط والمهمش؟
ينطلق الأدب الحقيقي من إيمان عميق بأن الواقع ليس مجرد سطح عابر، بل هو أعمق من كل تخييل، وأكثر تعقيداً من عوالم الفانتازيا المصنوعة. وحين نختار الانحياز لحياة الإنسان البسيط والمهمش، فلأننا ندرك أن ملحمته اليومية في مواجهة القسوة والنسيان تحمل من الدراما الإنسانية ما يعجز الخيال المجرد عن صنعه. إن الإنسان المهمش ليس مجرد رقم في هامش الحياة، بل هو المتراس الأخير للمعنى، وفي تفاصيله الصغيرة تكمن الحقيقة الكبرى للوجود... أما عن شكل النهايات، فالصدمة والأمل ليسوا خطين متوازيين لا يلتقيان؛ بل إن الصدمة الواقعية الأكثر وجعاً هي ذاتها التي تفتح -بشكل غير مباشر- نافذة للتضامن والوعي. الحياة لا تمنحنا دائماً خاتمة سعيدة ومريحة، والنهايات المفاجئة أو المفتوحة على تساؤلات قاسية تأتي لتوقظ المتلقي لا لتقفل دونه الأبواب. إنها صدمة تهدف إلى التطهير الفكري والوجداني، وتترك خلفها جمرة خفية من الأمل الإنساني المتجذر في التعاطف والتضامن، لا الأمل الزائف الذي يُخدع به الناس. بهذا المعنى، تصبح الواقعية وسيلة لاكتشاف النور من قلب العتمة، ويصبح الانحياز للبسيط والمهمش هو التزام أخلاقي وفني بأن يظل الأدب صوتا لمن لا صوت له.
9- كيف يمكن للأدب الواقعي اليوم أن يتحول من مجرد واصف للمأساة الاجتماعية إلى أداة حقيقية للتغيير ورفع الوعي؟
لا يتحقق التغيير بأن يكتفي الأدب الواقعي بدور الشاهد الذي يكتفي بتشريح الجثث ووصف الخراب، بل بأن يتجاوز عتبة التوثيق العاطفي إلى التأسيس للوعي النقدي. يتحول النص إلى أداة فاعلة حين ينزع قناع المألوف عن القبح والقسوة، ويدفع المتلقي من موقع المتفرج المستهلك إلى موقع الشريك المتورط في السؤال والمساءلة. فالواقعية الواعية لا تكتفي بدموع البكاء على المهمشين، بل تُعرّي الآليات الخفية للقهر، وتزرع الشك الخلاق في ثوابت الاستسلام، لتغدو الكلمات صاعقة توقظ العقول وتُعبّد الطريق نحو تغيير حقيقي ينطلق من إنسانية الإنسان.
10- هل تعتقد أن المقال الصحفي الرصين اليوم ما زال قادراً على تغيير قناعات المجتمع في عصر السوشيال ميديا السريع؟
في عصر تلتهم فيه الخوارزميات الوعي وتختزل الأفكار العميقة في ومضات عابرة، يبدو المقال الصحفي الرصين كصوت خافت وسط صخب هادر. لكن قيمته الحقيقية اليوم لا تكمن في قدرته على إحداث صخب موازٍ لصخب منصات التواصل، بل في كونه الملاذ الأخير للعمق والتروي... إن السوشيال ميديا تبيع الوهم السريع وتؤجج الانفعالات اللحظية، بينما المقال الرصين يخاطب العقل ويزرع الشك الخلاق في ثوابت السطحية. صحيح أنه لم يعد يمتلك القدرة السحرية على تغيير قناعات مجتمعة بجرة قلم، لكنه ما زال الحصن الذي يفكك التزييف، ويؤسس لوعي بطيء وثابت، ويترك أثراً عميقاً في وجدان النخبة والباحثين عن الحقيقة وسط ركام التفاهة. التغيير الحقيقي لا يحدث بالضجيج، بل بالكلمة التي تنحت في الصخر ببطء لتصنع وعياً لا يزول بزوال العاصفة...
11- كيف تصف الفجوة الحالية بين جيل المثقفين المخضرمين وبين المتلقي الشاب الذي يبحث عن إجابات سريعة؟
تتمظهر هذه الفجوة اليوم كصدع وجودي عميق بين ذاكرة تتأمل التفاصيل وعقل يسرع الوميض؛ فجيل المثقفين المخضرمين يحملون إرثاً من الركود التأملي والبطء الواعي في تفكيك الأسئلة، مؤمنين بأن الحقيقة شجرة تنبت ببطء، بينما يعيش المتلقي الشاب داخل طاحونة رقمية تلتهم الزمان والمكان، باحثاً عن إجابات ناجزة ومعلبة تمنح اليقين بلا عناء المخاض...ليست الأزمة هنا مجرد اختلاف في أدوات التلقي، بل هي اصطدام بين رغبة الكهولة في حراسة المعنى وتجذيره، وهروب الشباب نحو سيولة اللحظة وسط صخب الخوارزميات. وحين ينغمس المثقف في برجه العاجي متجاهلاً لهفة الجيل الجديد على اقتناص المعنى سريعاً، ويقابل الشاب كل تعقيد فكري بنفور عابر، يتسع الخندق وتضيع البوصلة؛ فلا المثقف يبلغ نبض الشارع، ولا الشاب يظفر بعمق الحقيقة التي تقيه غرق السطحية.
12- ما هي الآليات الفكرية التي تقترحها لإعادة صياغة الوعي الجمعي بعيداً عن الأفكار والمفاهيم المستوردة؟
تُبنى إعادة صياغة الوعي الجمعي لا بالانغلاق الشوفيني ولا بالاستيراد التبعي، بل بتفعيل النقد الجذري للذاكرة والتجربة؛ وذلك عبر ثلاث آليات فكرية: أولاً، تفكيك الموروث بعيداً عن تقديسه الأعمى لغربلة ما يعيق النهوض عما يلهم الإبداع. وثانياً، عبر إصلاح المفاهيم من الداخل وعبر إعادة قراءة أزماتنا الواقعية بلغة تخصنا لا بلغة مُعلّبة. وثالثاً، عبر إنتاج معرفة مستقلة تنطلق من وجع الإنسان المحلي وتحول أسئلته اليومية إلى فلسفة حية، ليكون الوعي مرآةً لروحه لا صدىً لأصوات الآخرين.
13- يلاحظ المتابعون لعملك اهتماماً لافتاً بتأريخ الرياضة والكرة العراقية؛ ما الرابط المشترك بين شغف الأدب وشغف المستطيل الأخضر؟
الرابط الخفي بين حبر الأدب وعشب المستطيل الأخضر يكمن في أن كلاهما محاولة بشرية لترويض الزمن وقهر الفناء. فكما تبحث الرواية عن الحقيقة الإنسانية المختبئة خلف تفاصيل الهامش، يفتش التأريخ الرياضي عن ملاحم البسطاء وأفراحهم العابرة على تخوم الكرة... ان المستطيل الأخضر ليس مجرد مساحة تتكدس عليها الأقدام وتتنافس على الأهداف، بل هو مسرح درامي مصغر للحياة، تختزل فيه الجماعات آمالها وانكساراتها وهويتها الجمعية؛ تماماً كما يفعل النص الأدبي حين يعجن وجع الواقع ويصوغه. وحين أكتب عن مواسم الكرة العراقية القديمة وأندية المحافظات، فأنا لا أمارس مجرد توثيق أرشيفي بارد، بل أنقذ الذاكرة من نسيان مقصود، وأعيد الاعتبار لبطولات إنسان النخيل والفقر الذي صنع من المستطيل متنفساً ومسرحاً لكرامته الكبرى. الأدب والكرة وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما يكتب تاريخ الروح الإنسانية وهي تقاوم الانطفاء.
14- كتبت عن مواسم كروية قديمة وأندية المحافظات، هل ترى الرياضة وجهاً آخر لتوثيق الهوية والتاريخ المجتمعي للعراق؟
نعم، إن المستطيل الأخضر لم يكن يوماً مجرد خطوط بيضاء مرسومة على عشب تذروه الريح، بل كان مسرحاً حياً تنبض فوقه روح العراق بكل ألوانها وتناقضاتها. حين أكتب عن مواسم الكرة القديمة وأندية المحافظات العريقة، فأنا لا أطارد مجرد أرقام أو نتائج باهتة في دفاتر الأرشيف، بل ألمس جراح الذاكرة وأفراحها الخفية. تلك الكرة التي كانت تتدحرج بين أقدام أبناء بغداد وسائر المحافظات، كانت تحمل فوق أديمها أحلام أمة بأكملها، وتختزل حكايات الهوية والانتماء بصدق يفوق أحياناً ما تكتبه الكتب الرسمية. إنها الحنين العذب إلى زمن كانت فيه البساطة تميمة، وكان الانتماء للنادي محبة صادقة ووفاءً مطلقاً للتراب والناس. فالرياضة هنا وجه آخر لروح العراق الخالدة؛ مرآة نقية تعكس كبرياء الوجدان الشعبي وتوثق نبض بقاء لا ينكسر.
15- كيف يرى النقاد هذا التنوع بين النقد الأدبي والتدوين الرياضي؟
ينظر النقاد الجادون إلى هذا التنوع المزدوج بين النقد الأدبي والتدوين الرياضي بوصفه امتداداً طبيعياً لذات الشغف بالإنسان وملاحمه اليومية، لا مجرد ازدواجية عابرة بين ضفتين متنافرتين. فالأدب والرياضة، في جوهرهما، حقلان يتشاركان ذات التربة البكر. انها محاولة توثيق النبض الحي، وقراءة وجع الذاكرة، والتنقيب عن الكرامة الإنسانية في تفاصيلها الأكثر بساطة.
حين يتحرك الكاتب بين مشرحة النص الأدبي وعشب المستطيل الأخضر، يرى الناقد المنصف أن هذا التلاحم يمنح التجربة السردية صلابة ودفئاً؛ فالأدب يمنح الوعي الرياضي عمقه الفلسفي وأبعاده الإنسانية، بينما يمنح التدوين الرياضي النص الأدبي طاقته الحية، وحركيته الدؤوبة، وصدقه المستمد من نبض الشارع والمدرجات. إنها ليست أدواراً متفرقة، بل هي قراءة متكاملة لوجه العراق وروحه، حيث يتبادل الحبر والعشب الأدوار لصياغة سردية وطنية ووجودية لا تموت.
16- هل أضاف هذا التنوع لأدبك أم أخذ من تفرغك الروائي؟
لم يُشكّل هذا التنوع يوماً عبئاً يقتطع من رصيد التفرغ الروائي، بل كان الرافد الأعمق الذي غذّى نبع السرد ومنحه طازج النبض. فالرواية الحقيقية لا تنبت في عزلة الأبراج العاجية أو التفرغ المطلق المتصلب، بل تتغذى على تقاطع الحيوات واحتكاك الوعي بتفاصيل الشارع والمدرجات والوجع اليومي. إن التدوين الرياضي والاشتغال على تأريخ الكرة العراقية لم يكونا انصرافاً عن الأدب، بل هما الوجه الآخر لذات الشغف: محاولة للإمساك بروح الجماعة وحكايات المهمشين والمحبين في أبسط تجلياتها. حين يخرج الكاتب من هدوء المكتبة إلى صخب العشب الأخضر، فإنه لا يبتعد عن فضاء الإبداع، بل يملأ رئتي نصه بأوكسجين الواقع الحي، لتعود الشخصيات الروائية أكثر امتلاءً بالحياة وأشد التصاقاً بنبض الأرض.
17- هل يمكن أن نرى قريباً عملاً روائياً لـ"أسعد الدلفي" يتخذ من عالم الرياضة أو كواليس كرة القدم خلفية لأحداثه؟
نعم، إن فكرة الاتكاء على عالم الرياضة وكواليس الكرة العراقية كمسرح رئيسي لعمل روائي قادم ليست مجرد احتمال وارد، بل هي امتداد طبيعي لتلاحم الحبر والعشب في مسيرتي... فحين تتحول الملاعب وأروقة الأندية والمدرجات إلى مسرح للأحداث، فإننا لا نكتب عن "الرياضة" بالمعنى التقني البحت، بل نكتب عن الإنسان وهو يصارع قدره، وعن ذاكرة مجتمع كامل تختزل صراعاته وهزائمه وأحلامه فوق رقعة خضراء. إن كواليس الكرة العراقية تحفل بتفاصيل درامية هائلة؛ حكايات الفقر، والشغف، والوفاء المطلق للقميص وسط قسوة الظروف، وهي طاقة سردية بكر لم تُستنفد بعد. وحين تتقاطع حبكة الروائي مع صخب المستطيل الأخضر، يولد نص ينبض بالحياة، ليكون العشب شاهداً على ملحمة إنسانية عميقة لا تختلف في جوهرها عن أوجاع الشارع وأزقة بغداد.
18-تشكل صفحتكم على فيسبوك منبراً حياً لنشر نتاجكم اليومي، كيف أثرت الردود والتفاعلات الفورية للقراء على مسار قلمك؟ هل ترى أن الفضاء الرقمي أنصف الكاتب المستقل بعيداً عن كواليس دور النشر التقليدية وإملاءاتها؟
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد نافذة افتراضية عابرة، بل تحول إلى ساحة حية ومختبر يومي تتشكل فيه ملامح النص وتختبر حيويته. إن التفاعلات الفورية والردود الحية على صفحتي تشكل مرآة صادقة؛ فهي لا تملي على القلم مساره، بل تمنحه طاقة تدفق مستمرة وتضعه في اشتباك مباشر مع نبض المتلقي، مما يجعل الكتابة فعلاً تشاركياً لا عزلة فيه. أما عن دور النشر التقليدية وإملاءاتها، فقد أنصف الفضاء الرقمي الكاتب المستقل بحق، إذ حطم تلك الأسوار البيروقراطية والجدران السميكة التي كانت تحاصر الكلمة وتخضعها لحسابات الربح التجاري والمزاج الرقابي. لقد منح المنبر الرقمي الكاتب حرية مطلقة في إيصال صوته من دون قيود، ليقيم جسراً مباشراً بلا وسيط بين روحه ووجدان القراء، مسقطاً احتكار المؤسسات التقليدية لقرار النشر وصناعة الوعي.
19- تنشر ومضات شعرية وقصصاً قصيرة جداً؛ هل فرضت وسائل التواصل الاجتماعي "أدب الإيجاز" كضرورة حتمية في عصرنا؟
لم تفرض منصات التواصل الاجتماعي "أدب الإيجاز" بوصفه موضة عابرة أو تسطيحاً لمعنى الكتابة، بل استجابت لعمق تحوّل بنيوي في إيقاع العصر وتلقي الإنسان المعاصر. فحين تختزل الخوارزميات الزمن وتلتهم البصريات طاقات التذكر، يصبح الإيجاز المكثّف مثل الومضة الشعرية والقصة القصيرة جداً ضرورة وجودية لا مجرد خيار فني؛ إنه محاولة لانتزاع المعنى الخالص من صخب الرهان الرقمي. إن هذا النوع الأدبي ليس هروباً من الرواية أو تطويلاً للفراغ، بل هو صاعقة لغوية قصيرة تحمل في بؤرتها طاقة انفجارية قادرة على اختراق سياج السطحية. لقد أعاد الإيجاز الاعتبار لدور القارئ بوصفه شريكاً في إنتاج التأويل، ليثبت أن الكلمة الأعمق هي تلك التي تقتصد في الحروف لتتسع في الروح، مواجهةً بذلك طوفان الثرثرة الرقمية بضربات محكمة لا تترك خلفها سوى الأثر الذي لا يزول.
20- كيف يتفادى الكاتب السقوط في فخ الانتشار الرقمي السريع على حساب جودة النص وعمقه الفكري؟
يتفادى الكاتب السقوط في فخ الانتشار الرقمي السريع واللهاث خلف صدى اللايكات الزائف, بأن يدرك أن الزمن الافتراضي زائل لا يُخلّد شيئاً، وأن العمق الحقيقي لا يُقاس بعدد المتفرجين بل بقدرة النص على النحت في الذاكرة. فالانتشار السريع غالباً ما يقتات على السطحية، ويستدرج القلم لتقديم وجبات سريعة ومستهلكة تداعب الانفعالات اللحظية وتخضع لمنطق الخوارزميات. لكي يحصن الكاتب مشروعه، عليه أن يمارس التعالي الواعي على بهرج الصدى الرقمي، متمسكاً ببوصلة الجودة وصنعة النص الرصين؛ فالكلمة التي تُكتب بإخلاص لعمق الوجع الإنساني تظل قادرة على البقاء، بينما يتبدد ضجيج الشهرة السريعة مع أول هبوب لعاصفة رقمية جديدة. صون القلم يعني أن يكون الكاتب سيد منبره لا أسيراً لتصفيق العابرين.
21- كيف يمكن إيجاد حركة نقدية رقمية حقيقية توازي غزارة النشر الذاتي على منصات التواصل الاجتماعي حالياً؟
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد نافذة افتراضية عابرة، بل تحول إلى ساحة حية ومختبر يومي تتشكل فيه ملامح النص وتختبر حيويته؛ فالاستجابة لـ "أدب الإيجاز" والومضات القصيرة عبر المنصات لم تكن موضة عابرة، بل استجابة لتحول بنيوي في إيقاع العصر وتلقي الإنسان المعاصر الذي يلتهمه صخب الخوارزميات. من هنا، يواجه الكاتب المستقل التحدي الأكبر مدركاً أن العمق لا يقاس بعدد المتفرجين بل بقدرة النص على النحت في الذاكرة والتعالي الواعي . ولحماية هذا النتاج من عشوائية الانطباعات وتأسيس حركة نقدية رقمية توازي طوفان النشر الذاتي، لا بد من الانتقال من التصفيق الافتراضي إلى المساءلة المنهجية الواعية، عبر بناء وعي تحليلي رصين، واستنبات منصات رقمية متخصصة تفرز الغث من السمين، وتحويل مساحات النقاش إلى اشتباك معرفي حقيقي يحمي النص من التلاشي ويمنح التجربة الرقمية عمقها واستمراريتها.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : مع الشاعرة بلادس الزبيد
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:حوار مع الشاعرة -نوال ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة الجزائرية عم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : حوار شامل مع الكاتبة ا
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار مع الشاعر مسعود بن
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعر والأكاديمي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الدكتور محمد عربي في حو
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الكاتبة الجزائرية كدوم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر والكاتب الجزائر
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر والمربي الجزائري
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رمضان ب
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رضا بوق
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:مع الأديب والشاعر ماهر حسن
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار شامل مع القاص والن
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: الشاعرة عبير دريعي في حوا
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: في فلسفة القصيدة والوجود
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:عرّافة المنفى وذاكرة الحجر
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:صدى الكلمة وقيد السجان: مع
...
-
الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:زهرة الخيمة: حوار مع الشاع
...
المزيد.....
-
شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
-
مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض-
...
-
شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة
...
-
هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
-
ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
-
إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
-
ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة
...
-
التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
-
ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا
...
-
اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|