أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد العالي لقدوعي















المزيد.....


الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد العالي لقدوعي


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 07:49
المحور: مقابلات و حوارات
    


بين صرامة الخليل ونبض الصحراء: الشاعر الجزائري عبد العالي لقدوعي في حوار شامل عن هندسة القصيدة وشواغل الأمة

تتجلّى في تجربة الشاعر والتربوي الجزائري عبد العالي لقدوعي أصالةُ الموروث الخليلي متلفّعةً بروح الجنوب وعمق الصحراء؛ حيث تخوض قصيدته العمودية معركة صلبة لصون الهوية والانتصار لقضايا الأمة والإنسان. من ولاية المنيعة، يعيد لقدوعي ترتيب البيت الشعري عبر موازنة دقيقة بين رصانة البحور الخليليّة وجسارة الموقف الاجتماعي والقومي. وفي هذا الحوار المطوّل والجامع، نفتح معه أوراق تجربته الأدبية والفكرية ليجيب عن أسئلة المحاور الخمسة بالتفصيل.
المحور الأول: الأسلوب الفني والهندسة الشعرية
س1: في زمن تتسيد فيه قصيدة النثر والتحولات الحداثية، ما زلت متمسكاً بالقصيدة العمودية الكلاسيكية؛ هل ترى في هذا الالتزام خياراً جمالياً واعياً أم حتمية لإثبات أصالة الصوت الشعري؟

ج1: الكتابة على الطريقة الكلاسيكية ووفائي للقصيدة العمودية ولالأوزان الخليلية هو التزام ناتجٌ عن تعلّقي الشديد بالشعر القديم في عصوره الأولى، ولأنّ محفوظاتي الأولى كانت الشعر الجاهلي، مرورًا بالشعر الأموي ثم وقوفًا عند الشعر العبّاسي (العصر الذهبي للشّعر). ومعلومٌ أنّ الشعر حتى هذا العصر كان خليليًا موزونًا مع تغيير في بناء القصيدة العربية من المقدمة الطللية إلى المقدمة الغزلية إلى المقدمة الخمرية عند أبي نواس إلى حذف المقدمة تمامًا، إلى الاكتفاء بمطلع القصيدة. وفائي اليوم للقصيدة العمودية يعود لأنّها الأصل، وكلّ ما عداها فرع منها، والرجوع إلى الأصل فضيلة (كما يقال).

س2: كيف توازن في هندستك العروضية بين صرامة القافية والوزن الخليلي، وبين تدفق العاطفة المعاصرة دون أن تسقط القصيدة في فخ الرتابة أو الصنعة اللفظية؟

ج2: هذا السؤال يحيل مباشرة إلى التمييز بين الشاعر وبين النّاظم؛ فأنا شاعرٌ ولست ناظماً، والقصيدة عندي تأتي بسلاسة ويسر، بل قد تفرض نفسها أحيانًا فتكتبني هي، ولا أكتبها (على حدّ تعبير نزار). كتابة القصيدة العمودية تقتضي حفظ موسيقى البحور الخليلية، وعندها يخرج البيت موزونًا بطبيعته، ويبقى للشاعر فقط تنقيح القصيدة بعد الفراغ من كتابتها، واختيار الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريدها.

س3: للمفردة التراثية حضور قوي في قاموسك اللغوي؛ كيف تنتقي ألفاظك لتجمع بين جزالة اللفظ القديم وسلاسة الفهم لدى المتلقي المعاصر؟

ج3: حضور المفردة التراثية في قاموسي اللغوي يعود إلى محفوظاتي التي يتصدّرها الشعر الجاهلي بلا شكّ، ثم المخزون اللغويّ من القرآن الكريم، وأنا أفضل توظيف المفردة التراثية لربط المتلقّي بماضيه، ولبعث روح جديدة في تلكم المفردات التي كادت تُنسى لعدم الاستعمال، ولأنّ اللغة العربية لغة حيّة لا يتغيّر مدلول ألفاظها بتغيّر الزّمان والمكان. المتلقّي المعاصر عليه أن يكون في مستوى الشعر (بإثراء ثقافته)، ولا ينتظر مثل الكسالى (على حدّ تعبير العقاد) أن تُفسّر له كلّ لفظة؛ فالشّعر إن فسّرتَه، أفسدتَه.

س4: يرى النقاد أن "القصيدة المحمدية" تمثل ذروة البناء المعماري المتماسك في نتاجك؛ ما هي الأدوات الفنية والجمالية التي اعتمدت عليها لتمييز هذا العمل عن إرث المدائح النبوية الطويل؟

ج4: في القصيدة المحمدية أردت أن أكون مختلفًا، فأردت أن أقول كلّ شيء باختصار شديد بعيدًا عن التطويل (كما فعل البوصيري وأحمد شوقي)؛ لأنّ المتلقّي الآن سريع الملل، يكره المطوّلات، ولا يقرأ من المقالات إلا عناوينها، ولا يقرأ من القصائد إلا الأسطر الأولى. لذا كتبتُ أهم المحطّات في سيرة النّبي الكريم (عليه أفضل الصلاة والسّلام) ثم عالجتها شعرًا، واخترت بحر الخفيف كما فعل البوصيري في همزيته، فكانت هذه القصيدة.

س5: في قصيدتيك "معلقة المنفى الجميل" و"سراب الحب"، كيف توظف الصورة البيانية والانزياح اللغوي لنقل التجربة الوجدانية من إطارها الشخصي الضيق إلى أفق إنساني رحب؟

ج5: معلقة المنفى الجميل هي حالة واقعية ذاتية عشتها لمدة 3 سنوات في الريف بعيدًا عن المدينة، وهي تعبّر عن معاناتي بصدق، ولأنّ المعاناة ليست حكرًا عليّ انتقل الانزياح اللغوي كما أشرتم إلى فضاءات أرحب ليشمل كلّ من كان في مثل هذه الحالة، وطالت معاناته. وفي سراب الحب، لم تكن القصيدة ذاتية، كانت عامة منذ البداية تعبّر عن هؤلاء (المجرمين) الذين حوّلوا الحب الطاهر العفيف إلى متع وشهوات، وقصروه على حب الجسد؛ فهذه دعوةٌ لتطهير الحب من الدّنس، فالصورة البيانية واضحة، والانزياح نحو العامة مقصودٌ منذ البداية.
المحور الثاني: الفلسفة الشعرية والمفهوم الوظيفي للشعر

س6: ما هي الفلسفة التي تنطلق منها في تعريفك لوظيفة الشاعر اليوم؟ هل الشعر عندك منصة للتغيير والالتزام، أم هو طقس من طقوس التطهر والبوح الذاتي؟

ج6: وظيفة الشاعر اليوم هي أن يضع يده على موضع الجرح. الشاعر ليس طبيبًا، لكنّه يرشد الطبيب إلى موضع الألم، فيعرف موضع العلاج. الشاعر كان في القديم هو النّاطق الرّسمي باسم القبيلة، وكانت القبيلة تحتفل إن ولد فيها شاعر، والشاعر اليوم هو صاحب رسالة، وله دور توجيه وإرشاد في المجتمع، وهو بعد ذلك المعبّر عن آلام الأمة وآمالها.

س7: تنعكس روح بيئة الجنوب والشرق الصحراوي في فضاءات قصائدك؛ كيف تصوغ فلسفة "الصحراء" كرمزية للامتداد، والعمق، والعزلة الإيجابية في رؤيتك الكونية؟

ج7: طبعًا، الشاعر ابن بيئته، أول ما تراه عينه هو البيئة وأول ما يخطه قلمه هو وصف هذه الطبيعة، والشعر منذ القديم يولد في الصحراء، والصحراء بحرارتها وقساوتها وقلة نباتها ومائها تعلّم الصبر والشدّة والحزم، والجود والكرم. هذه الصفات يمتاز بها كلّ من سكن الصحراء، وهذ الصفات تظهر في شعر أبناء الصحراء قديماً وحديثاً.

س8: في قصيدة "تحت ظل المنارة"، يمتزج البعد الروحي بالبعد المكاني؛ كيف يتجلى التصوف والبحث عن الحقيقة في رؤيتك الفلسفية للوجود من خلال الكلمة؟

ج8: في قصيدة تحت ظلّ المنارة وقف الشعر بخشوع يصف جامع الجزائر (ثالث جامع من حيث المساحة على مستوى العالم الإسلامي)، ورغم ذلك بقيتُ وفيًا لبناء القصيدة العمودية فبدأتها بمقدمة غزلية تناسب مشاعر الشوق والحنان، وركبتُ بحر السّريع لأوّل مرة، ليناسب مشاعري المضطربة بين الخشوع والرهبة والروعة والجمال، وجاءت القصيدة هنا طويلة لتناسب طول المنارة، وعظمة البناء.

س9: كيف تنظر إلى العلاقة الجدلية بين "الشاعر" و"الناقد"؟ وهل تعتقد أن المناهج النقدية الحديثة قادرة على سبر أغوار النص العمودي دون إجحاف؟

ج9: العلاقة بين الشاعر والناقد يجب أن تكون تكاملية، والنقد (لا الانتقاد) ضروريّ لتقويم النصّ الإبداعي وتقييمه، والمناهج النقدية الحديثة قادرةٌ على سبر أغوار النّص العمودي، لأنّ الشاعر الذي يكتب قصيدة عمودية اليوم أكيد ستكون معانيه حديثة وموضوعاته مستحدثة وإن حافظ على الأصل، مثل الصورة داخل الإطار؛ فنحن نحافظ على الإطار (القديم) ونغيّر الصورة التي أصبحت لا تتلاءم مع تجهيزات الغرفة.

س10: متى يشعر الشاعر عبد العالي لقدوعي بـ "عجز اللغة"؟ وكيف تتعامل فلسفياً مع المعاني العصية على التجسيد داخل البحور الشعرية المحددة؟

ج10: الحق يقال: لم أشعر يوماً بعجز اللغة، فاللغة العربية التي استوعبت كلام الله وتحصي أزيد من مليون و600 ألف لفظة، هي بحرٌ زاخرٌ تتّسع للجميع. العجز هنا يُنسب للشاعر، لا للغة، حين يعجزه البحث عن اللفظ المناسب للمعنى الذي يريده، أو يضطره الوزن أو القافية إلى اختيار لفظ آخر بديل غير اللفظ الذي يحقق المعنى المقصود.
المحور الثالث: الروح الوطنية وبطولات الثورة الجزائرية

س11: كتبت من وحي التاريخ النضالي في قصيدتك "من وحي الثورة"؛ كيف يستلهم الشاعر المعاصر قيم ثورة نوفمبر ليصنع منها رمزاً حياً يواجه تحديات الحاضر؟

ج11: الشاعر المعاصر يأخذ من ثورة نوفمبر قيم الإخلاص والوفاء والتضحية وحبّ الوطن، ويستثمرها أدبًا تربويًا تعليميًا لتنشئة هذا الجيل على هذه القيم، وغرس حب الوطن فيه منذ الصغر وغرس الاعتزاز أيضًا بماضيه المشرق والفخر بتضحيات الآباء والأجداد. وأنا في قصيدتي (من وحي الثورة) استحضرت شاعر الثورة، مفدي زكريا، كاتب النشيد الوطني الجزائري، وجعلت منه رمزًا وطنيًا، مستعرضًا من خلال القصيدة مسيرته النّضالية.

س12: تمجيد الشهداء وبطولات الماضي قد يقع أحياناً في التكرار؛ ما هي المقاربة الشعرية المختلفة التي قدمتها لتجسيد تضحيات الشعب الجزائري برؤية متجددة؟

ج12: حتى لا نقع في التّكرار، نستعمل الرمزية (كما فعلت أنا) من خلال استحضار شخصية وطنية مناضلة كالأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة والمقراني (أبطال المقاومات الشعبية)، أو أبطال ثورة نوفمبر الخالدة كمصطفى بن بولعيد والعقيد عميروش وزيغود يوسف وحسيبة بن بوعلي. استحضار هؤلاء الرموز والتذكير بمسيرتهم النضالية في ومضات شعرية، أو تخصيص قصيدة كاملة لاستعراض مسيرتهم النّضالية.

س13: الذاكرة الوطنية الجزائرية محملة بالجراح والانتصارات؛ كيف وظفت هذه الذاكرة الجماعية لتشكيل الهوية الثقافية في نصوصك الموجهة للأجيال الجديدة؟

ج13: الذاكرة الوطنية جراح (في بداية العهد الاستعماري) وانتصارات (في الختام)، وعلى الذاكرة الجماعية أن لا تنسى. هناك من يقول الآن (من قبل المستعمر)، ننسى الماضي، ونفتح صفحة جديدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية، ونحن نقلب الصفحة لكن لا نمزّقها، وفرنسا حتى الآن ترفض الاعتراف بجرائمها وبماضيها الاستعماري البشع.

س14: هل ترى أن المزاوجة بين ثراء البيئة الصحراوية وتاريخها النضالي وبين القضية الوطنية الكبرى قد أعطى لقصيدتك الثورية لوناً ومذاقاً خاصاً؟

ج14: للصحراء خلال الثورة التحريرية تميّزها الخاص، فالمجاهدون في الشمال ساعدتهم البيئة على المقاومة (الجبال التي تمكنهم من التحصّن وتصعّب على الآليات العسكرية الوصول إليها، والغابات التي تساعد على الاختباء ونصب الكمائن) في حين أنّ المجاهدين في الصحراء تضحياتهم مضاعفة؛ فالصحراء منبسطة ومكشوفة، ورملها يصعّب السير على المجاهدين وقوات العدوّ، فكان المجاهدون يستعينون في جهادهم بالجمال (كالشيخ آمود). وإذن، فقد شاركت الصحراء في المقاومة، وشاركت حتى حيواناتها، وجميع المعارك التي وقعت في الصحراء كان الغلبة فيها للمجاهدين في مواقع شهيرة. لذا لا عجب أن زاوجت بين البيئة الصحراوية وبين القضية الوطنية الكبرى، وعما إذا كانت هذه المزاوجة قد أعطت مذاقًا خاصًا فالأمر متروكٌ للنّقاد.

س15: إلى أي مدى تساهم القصيدة الوطنية في تحصين الوعي الجمعي ضد محاولات الطمس الثقافي، وكيف يمارس شعرك هذا الدور التوعوي؟

ج15: القصيدة الوطنية يفترض فيها أن تؤدّي دورها التربوي، والتوجيهي حتى لا تقع في الرتابة والتّكرار، وتصبح مجرّد استعراض جاف لكفاح الآباء والأجداد وترديد أجوف لأسماء الشهداء. يجب أن تنجح القصيدة الوطنية في تحريك المشاعر ونقل الأحاسيس التي تضطرم نارها في قلب الشاعر، كقصائد مفدي زكريا التي تجعلنا نعيش الثورة التحريرية كأنّنا شهود عيان.
المحور الرابع: القضايا الإنسانية، الاجتماعية، والقومية

س16: في قصيدة "زواج أم بيع؟! إلى ذئب بشري"، قدمت نقدًا اجتماعياً حاداً؛ كيف يمكن للقصيدة العمودية الرصينة أن تتحول إلى أداة تشريح جريئة لظواهر الجشع وسلب حقوق المرأة؟

ج16: المرأة المظلومة في مجتمعاتنا العربية (الذكورية)، المهضومة الحقوق غالبًا، أحاول من خلال نصوصي إنصافها، والمطالبة باستعادة حقوقها المسلوبة من خلال أمثلة من الواقع، لأنّني أعلم يقينًا أنّ ما يقع من هضم لحقوق المرأة في بلدي الجزائر، لا يختلف عنه في أيّ بلد عربيّ آخر بدرجات متفاوته قد تزيد وقد تنقص. حرمان المرأة من حقها في اختيار زوجها، وإجبارها على الزواج بمن اختاره لها الأهل، وحرمانها من الميراث، وحرمانها من إبداء الرأي، وحرمانها من أبنائها بعد الطلاق، وحرمانها من الوظيفة بعد الزواج، وحرمانها من حق التصرف في أموالها... كلّ هذه الأمور ما زالت موجودة في المجتمعات العربية، فأنا أحاول أن أنبّه إليها شعرًا (لأنّ الشاعر ليس طبيبًا كما أسلفت) ليعيد المختصون التطرّق إليها، وليواصل النّاشطون الجمعويون المطالبة بالحقوق المهضومة؛ فالقصيدة العمودية هنا تصبح وسيلة إعلام، وشريكًا في معالجة هذه الاختلالات في المجتمع.

س17: التفاعل مع نبض الشارع وهموم الإنسان البسيط يشكل ركيزة في نتاجك؛ كيف تصهر المعاناة اليومية والطبقية في قالب شعري دون الهبوط باللغة إلى مستوى المباشرة والتقريرية الصحفية؟

ج17: هذا السؤال يعود بنا إلى هذه الإشكالية الجدلية: هل على الشّعر أن ينزل إلى مستوى العامة، أم على العامة أن يرتقوا إلى مستوى الشّعر؟ الشعر (وهو أرقى درجات التعبير الإنساني) كان ينشر في القصور، وفي الصالونات الأدبية المتخصصة ولا يسمعه إلا عليّة القوم، ثم نزل الشّعر إلى الشارع فلامس مشاعر البسطاء (وهذا التحوّل حدث مع أحمد شوقي الذي انتقل من شاعر القصر في عهد الخديوي، إلى شاعر الشّعب بعد الثورة العرابية). أنا أنطلق من أنّ الشاعر صاحب رسالة، فيجب عليه أخلاقيًا أن يوصل آلام البسطاء علّها تجد الآذان الواعية. أمّا كيف أصوغ ذلك، فيكون باختيار البحر المناسب أولاً لنقل تلكم الأحاسيس، ثم بانتقاء الألفاظ الدقيقة المعبّرة عن المعنى المراد، وبذلك تسمو اللغة، ولا تسقط في فخّ النثرية والأسلوب التقريري المباشر.

س18: تحمل قصائدك الحديثة هجومًا لاذعًا على الانتهاكات في القدس وقطاع غزة؛ كيف تقرأ واقع القضية الفلسطينية اليوم من خلال موقعك كشاعر جزائري يربطه عمق قومي وتاريخي بهذه القضية؟

ج18: واقع القضية الفلسطينية اليوم مؤسفٌ حقًا، حين نرى الغرب الكافر يناصر ويخرج في المسيرات محتجًا ومندّدًا، ويتخاذل العربي المسلم، بل والجار القريب ويعجز عن تقديم رغيف خبز أو قارورة ماء، وتعجز الجامعة العربية عن عقد اجتماع طارئ، وتعجز منظمة العالم الإسلامي عن اتّخاذ موقف من حرب الإبادة. بالنسبة لنا نحن الجزائريين، موقفنا واضح عبّر عنه الرئيس الراحل هواري بومدين حين قال: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة". الجزائر مع فلسطين منذ زمن، وعلى أرضها تم إعلان قيام الدولة عام 1988، ولا تكاد تجد شارعًا أو محلاً إلا ويحمل اسم فلسطين ولا منزلاً إلا علّق على شرفته العلم الفلسطيني، وفلسطين حاضرة في جميع النشاطات الثقافية الرسمية والمدرسية. وأنا (قبل أن أكون شاعرًا) مواطنٌ جزائري، فلا يمكنني الانفصال عن مجتمعي.

س19: القومية العربية في شعرك ليست مجرد شعار، بل وجع دائم؛ كيف جسدت أزمة التمزق العربي الراهن في قصائدك، وأين تلمح بارقة الأمل للنهوض؟

ج19: أزمة التمزق العربي في شعري جسّدتها عدة قصائد: "تقدّم يا لبن غزّة"، "العراق يتحدّى"، "رسالةٌ إلى دمشق"، "إلى الوطن"... وأما أمل النّهوض فيبقى في الوحدة، ولا وحدة إلا بالعودة إلى الدين الإسلامي الذي يجمع العرب والمسلمين على لسان واحد وعلى قبلة واحدة، يدعون في صلاتهم ربًا واحدًا (وعدهم بالنّصر) ويحاربون عدوًا واحدًا هو الشيطان (من الإنس والجان).

س20: كيف تتقاطع القضية الإنسانية العامة مع القضية القومية الخاصة في نصوصك، لتجعل من الدفاع عن المظلومين قضية شعرية عابرة للحدود؟

ج20: الظلم بصفة عامة موجودٌ منذ ظهور الإنسان، ومستمرٌ إلى قيام السّاعة، والاضطهاد موجودٌ منذ ظهور الاستعمار الحديث ومستمرٌ إلى يوم النّاس هذا بأشكال وأساليب مختلفة. وإذن فظلم الأخ لأخته بمنعها حقها في الميراث مثلاً، هو نفسه في جميع الأقطار، والاضطهاد الذي عانى منه الشعب الجزائري من فرنسا هو نفسه الاضطهاد الذي عانت منه ليبيا زمن الاستعمار الإيطالي وعانت منه مصر زمن الإنجليز؛ فإذن الظلم هو هو، والمعاناة هي هي، وبالتالى حين أعبّر عن الأنا في هذه الحالة، فأنا أتكلّم بالضمير الجمعي، ويشعر السّامع المعني كأنّي أتكلّم باسمه، وكثيرًا ما يعلّق المتلقون حين يقرؤون قصيدتي بقولهم: "لقد قلتَ ما أردنا قوله، وعبّرت بلساننا عن أحاسيسنا ومشاعرنا".
المحور الخامس: الشهادة على المشهد الأدبي الجزائري المعاصر
21. بصفتك عضواً فاعلاً في اتحاد الكتاب الجزائريين بفرع المنيعة؛ كيف تقيم واقع الحراك الأدبي في منطقة الجنوب والشرق الصحراوي؟ وهل نال حقه من التغطية الإعلامية والمتابعة النقدية الوطنية؟

ج21: الحراك الأدبي في الجزائر عامة قليل (أقول الحراك الأدبي لا الثقافي)، وهو على قلّته محصورٌ في المدن الكبرى لوجود الفضاءات المتاحة، وللقرب من العاصمة (مركز القرار). الجزائر بلدٌ كبير (أكبر دولة في إفريقيا)، وهذه المساحة الشاسعة تجعل من الإشعاع الأدبي الذي ينطلق من وزارة الثقافة والهيئات الوطنية الفاعلة لا يصل إلى الجنوب (فضلاً عن أقصى الجنوب). المنيعة ارتقت حديثًا إلى ولاية (محافظة) بعدما كانت لعقود مدينة صحراوية (سنة 2021م)، وفرع المنيعة لاتحاد الكتاب الجزائريين حديث النّشأة، فهو يسعى أولاً إلى جمع الكتاب (في الشعر والنّثر) على مستوى المحافظة، على قلّتهم، ثم تنظيم أنفسنا لتمثيل ولاية المنيعة في المهرجانات الأدبية الوطنية، وهناك تبادل ثقافي الآن بين ولايات الشمال وولايات الجنوب المستحدثة، وهناك نشاطٌ محلّي الآن على مستوى المنيعة في مختلف المناسبات. من حيث التغطية الإعلامية، الجنوب لا يكاد يذكر لشساعة البلد ولتمركز وسائل الإعلام في الشّمال، أما الآن بعد استحداث ولايات جديدة في الجنوب فقد بدأت وسائل الإعلام تصل الجنوب لتغطية مختلف الفعاليات وإيصال صوت الجنوب المكتوم منذ عقود. بالنسبة للمتابعة النقدية الوطنية لا شيء يذكر لسببين: الأول أن النقاد ليسوا باحثين فهم يقرؤون ما تطبعه دور النّشر من كتب، أو ما ينشر عبر المنصّات الرقمية الإلكترونية. الثاني أن كتاب الجنوب أغلبهم لم يطبعوا كتبًا ولم ينشروا أدبهم، فكيف يعرفهم النقاد؟ كتاب الجنوب الذين نشروا أدبهم يعدّون على الأصابع (لغياب دور النّشر محليًا، ولتكلفة النّشر المرتفعة)، وأعدّ نفسي واحدًا من هؤلاء القلائل الذين نشروا أدبهم.

س22: ما هي شهادتك الصادقة على خارطة الأدب الجزائري المعاصر؟ هل تشهد الساحة طفرة إبداعية حقيقية أم هي حالة من الفوضى والاستسهال الإبداعي؟

ج22: الأدب الجزائري المعاصر يتطوّر، ليس هناك طفرة، لكن هناك أقلامٌ شابّة واعدة في الشعر والقصة والرواية أثبتت جدارتها ونال بعضهم جائزة رئيس الجمهورية (علي معاشي) للمبدعين الشباب. هذه الأسماء تعد الكثير، وتبشّر بميلاد روائيين كبار من طينة: الطاهر وطار وأمين الزاوي ورشيد بوجدرة، وشعراء كبار من أمثال: محمد العيد آل خليفة ومصطفى الغماري وصالح خرفي، وقصاصين من أمثال: محمد رضا حوحو.

س23: يشتكي الكثير من المبدعين في المحافظات الداخلية من "مركزية الثقافة"؛ كيف ترى أثر هذه المركزية على فرص بروز الشاعر والمفكر الجزائري البعيد عن العاصمة؟

ج23: هذا السؤال يعود بنا إلى ما سبق، لذا سأجيب باختصار: الشاعر والمفكّر الجزائري البعيد عن العاصمة كان يعاني حقيقة من العزلة والتهميش، ولا يستطيع حتى إسماع صوته، وهناك كتابٌ من الجنوب وشعراء كبار ولدوا وماتوا ولم يسمع بهم أحدٌ. أما الآن مع ترقية عديد المدن الصحراوية إلى محافظات، فقد بدأ يُسمع صوت الجنوب، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في نشر الأدب، وعرّفت هؤلاء المنسيين بزملائهم في وجع الكتابة، وقرّبتهم من القرّاء.

س24: كيف تقرأ اتجاهات الجيل الجديد من الشعراء الشباب في الجزائر؟ وما هي نصيحتك السلوكية والفنية لهم لإنقاذ الذائقة الشعرية العربية من التسطيح؟

ج24: الجيل الجديد من الشعراء الشباب في الجزائر، أغلبهم يكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النّثر، وبعضهم جرّب كتابة شعر الهايكو، وقيلةٌ منهم مثلي ما زال وفيًا للقصيدة العمودية. نحن نلتقي في الفعاليات الثقافية ونسمع لبعضنا دون أيّ تعصّب، وأصح هؤلاء فقط بالاهتمام بالبناء الفنّي للقصيدة، وكثرة المطالعة لما كتبه الرّواد لإثراء رصيدهم اللغوي والفنّي، كما أنصحهم بتقبّل النّقد، لأنّ النّقد يسعى للصلاح.

س25: ختاماً، من خلال مسيرتك الطويلة في قطاع التربية والتعليم؛ كيف يمكننا إعادة سحر المادة الشعرية واللغوية إلى المناهج التعليمية لنصنع جيلاً يتذوق الأدب الرفيع ويدافع عن هويته؟

ج25: يمكننا إعادة سحر المادة الشعرية واللغوية إلى المناهج التعليمية من خلال تحبيب هذا الجيل في اللغة العربية أولاً، ثم باختيار النّصوص الأدبية رفيعة المستوى لأدباء عصر النهضة لتدريسها من أمثال: أحمد أمين، والبارودي، وشوقي، وحافظ إبراهيم، ومطران، وجبران، واليازجي، وأبو القاسم الشابي، وطه حسين، وبدر شاكر السياب، وإيليا أبي ماضي، ونسيب عريضة، وعبد الرحمن شكري، و... بدراسة هذه النّصوص وتقديمها بأسلوب الترغيب، يجعل الطالب يحبّها ويستمتع بها، فيحاول لاحقًا محاكاتها والكتابة على منوالها، فينتج نصوصًا جيدة.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر والمربي الجزائري ...
- الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رمضان ب ...
- الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر الجزائري رضا بوق ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:مع الأديب والشاعر ماهر حسن
- الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار شامل مع القاص والن ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: الشاعرة عبير دريعي في حوا ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة: في فلسفة القصيدة والوجود ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:عرّافة المنفى وذاكرة الحجر ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:صدى الكلمة وقيد السجان: مع ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:زهرة الخيمة: حوار مع الشاع ...
- الحركة الإبداعية الكردية المعاصرة:ريبر هبون حوار حول الرواية ...
- بين إحساس العامية وأفق الصورة: حوار أدبي مع الشاعر محمود دخي ...
- حين يصبح الشعر موقفاً... ويصبح الحب وطناً: حوار أدبي مع الشا ...
- تزكية النفوس وبناء الإنسان: حوار مع الدكتور عيد كامل النوقي( ...
- تزكية النفوس وبناء الإنسان: حوار مع الدكتور عيد كامل النوقي( ...
- عيادة الأسنان وجزيرة موسى.. حوار غائر في دهاليز النفس والروا ...
- من قلب المعاناة إلى رحابة المجتمع: حوار أدبي وتربوي مع الكات ...
- نبض الوجدان وشرع الموسيقى: حوار مع روح الشعر الكلاسيكي والشا ...
- بين أصالة المفردة وشهامة المبدأ: حوار أدبي مع الشاعر محمود ع ...
- لسان الشعب وضمير الأمة: الشاعر محمد خميس قناوي في حوار الشغف ...


المزيد.....




- تصعيد مفاجئ بين أمريكا وإيران لأول مرة منذ أكثر من شهر.. ضرب ...
- 933 شخصا على الأقل عالقون في محطات توليد الطاقة الكهرومائية ...
- تصعيد في الخليج و-سنتكوم- ترد على بيان الحرس الثوري
- بزشكيان لدول المنطقة: لا نسعى للحرب وعدم الاستقرار لا يصب في ...
- الحرس الثوري الإيراني: احتراق ناقلة نفط مخالفة اصطدمت بلغمين ...
- صحيفة: الشرطة تعتقل 169 شخصًا في كرنفال الكاريبي بلندن
- حمية غذائية شائعة قد تسبب ارتفاعا خطيرا في الكوليسترول
- ما هي الدول التي تمتلك أكبر الجيوش؟ وهل هي الأفضل؟
- هل القادة الأوروبيون مستعدون لحوار مباشر مع موسكو؟
- البيت الأبيض يوافق على بناء محطة طاقة نووية في المملكة العرب ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد العالي لقدوعي