|
|
تزكية النفوس وبناء الإنسان: حوار مع الدكتور عيد كامل النوقي(2-2)
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 12:09
المحور:
مقابلات و حوارات
في الجزء الثاني من هذا اللقاء الإنساني والفكري المتعمق، نلتقي مع الدكتور عيد كامل النوقي؛ القامة الأكاديمية والتربوية التي جمعت بين أصول الشريعة الإسلامية وأعماق العلوم النفسية. يأخذنا الدكتور عيد في رحلة استكشافية تتجاوز النظريات التقليدية، ليقدم رؤيةً متكاملة تمزج بين الأصالة الشرعية والمعاصرة النفسية، مستندًا إلى خبرته الميدانية في القيادة التربوية والاستشارات الأسرية. نسبر معه أغوار النفس البشرية، ونبحث في سبُل حماية الأسرة، وتطوير المناهج التعليمية، وإعادة صياغة الخطاب الدعوي والتربوي ليكون قادرًا على مواجهة تحديات عصر "السيولة الرقمية" والتغريب الفكري. المحور الرابع: الفكر الإسلامي والدعوة والتجديد السؤال السادس عشر: تتحدث كثيرًا عن «القيادة القرآنية» وتزكية النفس، كيف يمكن إسقاط هذه المفاهيم في واقع اقتصادي وسياسي معقد؟ أرى أن «القيادة القرآنية» ليست مفهومًا مثاليًا منفصلًا عن الواقع، وإنما هي منهج لبناء الإنسان القادر على التعامل مع الواقع بإيمان ووعي ومسؤولية. فالقرآن لا يقدم لنا فقط أحكامًا وعبادات، وإنما يقدم منظومة متكاملة لبناء الشخصية وإدارة العلاقات وتحمل المسؤولية وصناعة القرار. وفي واقع اقتصادي وسياسي معقد، نحتاج إلى قيادات تجمع بين الكفاءة والأمانة، وبين القوة والرحمة، وبين التخطيط والتوكل على الله. فالقيادة في المنظور القرآني ليست امتلاك السلطة، وإنما تحمل الأمانة وتحقيق العدل وخدمة الإنسان. أما تزكية النفس فهي نقطة البداية؛ لأن إصلاح الواقع لا يمكن أن يتحقق بإنسان أسير للأنانية والطمع وحب السلطة. ولذلك فإن القائد الذي لا يستطيع أن يقود نفسه، ويضبط شهواته وانفعالاته، ويحاسب ذاته، سيكون أكثر عرضة لإساءة استخدام السلطة أو النفوذ. ومن هنا يمكن تحويل القيم القرآنية إلى ممارسات عملية في الإدارة والاقتصاد والسياسة: العدل في اتخاذ القرار، الأمانة في إدارة المال العام، الشورى في صناعة القرار، احترام الإنسان، محاربة الفساد، وإعطاء الأولوية للمصلحة العامة. كما أن القيادة القرآنية لا تعني رفض أدوات العصر، بل تعني استخدامها ضمن منظومة أخلاقية. فنحن بحاجة إلى العلم والتخطيط والتكنولوجيا والإدارة الحديثة، لكننا بحاجة في الوقت نفسه إلى ضمير يمنع تحول هذه الأدوات إلى وسائل للظلم أو الاستغلال. وأؤمن أن نهضة الأمة تبدأ من نهضة الإنسان من الداخل؛ ولذلك فإن تزكية النفس ليست هروبًا من الواقع، بل إعداد للإنسان الذي يستطيع إصلاح الواقع. وباختصار: القيادة القرآنية تبدأ بإصلاح الإنسان، ثم الأسرة، ثم المؤسسة، ثم المجتمع؛ فإذا استقامت القيم في الإنسان، أصبح أكثر قدرة على صناعة واقع أكثر عدلًا ورشدًا. السؤال السابع عشر: برأيك، لماذا يفشل الخطاب الدعوي التقليدي أحيانًا في جذب فئة المراهقين والشباب؟ أرى أن المشكلة ليست في الدعوة ذاتها، وإنما أحيانًا في الطريقة التي نقدم بها الدعوة. فالشباب اليوم يعيشون في عالم مختلف؛ لديهم أسئلة جديدة، ويتعرضون يوميًا لكم هائل من المعلومات والأفكار عبر المنصات الرقمية، ولذلك لم يعد الخطاب القائم على التلقين وحده قادرًا دائمًا على الوصول إليهم. ومن أهم أسباب ضعف التأثير أن بعض الخطابات الدعوية تتحدث إلى الشباب أكثر مما تستمع إليهم. والشاب يريد أن يشعر بأن أسئلته ومخاوفه وطموحاته مفهومة ومحترمة، وليس أن يُعامل دائمًا باعتباره مخطئًا أو متهمًا. كما أن استخدام لغة بعيدة عن واقع الشباب قد يجعل الرسالة الدينية تبدو منفصلة عن حياتهم. نحن بحاجة إلى أن نربط القيم الإسلامية بقضاياهم اليومية: الدراسة، والعمل، العلاقات، المستقبل، الضغوط النفسية، وسائل التواصل، الهوية، والطموح. وأرى أن الداعية المعاصر يحتاج إلى الجمع بين العلم الشرعي، والوعي النفسي والتربوي، والثقافة الرقمية، وفهم طبيعة الجيل الجديد. كما يحتاج إلى تطوير أدواته الإعلامية، واستخدام القصص والحوار والفيديوهات القصيرة والمحتوى التفاعلي، دون أن تتحول الدعوة إلى مجرد مطاردة للمشاهدات. ومن المهم كذلك أن نقدم الدين بوصفه رحمة وأملًا ومعنى ومسؤولية، لا بوصفه قائمة طويلة من الأوامر والنواهي فقط. فالترغيب والترهيب كلاهما مشروع، لكن الخطاب المتوازن هو الذي يفتح للإنسان باب الأمل، ويقوده إلى الله بالمحبة والوعي. وأؤمن أن الشباب لا يحتاجون إلى داعية يعيش خارج زمانهم، وإنما إلى داعية يفهم زمانهم دون أن يفقد ثوابته. وباختصار: إذا أردنا أن يصل الخطاب الدعوي إلى الشباب، فعلينا أن نقترب من أسئلتهم قبل أن نطالبهم بالاستماع إلى إجاباتنا. السؤال الثامن عشر: ما هو المنظور التربوي الإيماني الذي نحتاجه اليوم لإعادة إحياء مفهوم «نهضة الأمة»؟ أرى أن نهضة الأمة لا تبدأ من تغيير المباني والمؤسسات فقط، وإنما تبدأ من بناء الإنسان الذي يستطيع أن يصنع التغيير. فالأمم لا تنهض بمجرد امتلاك المال أو التكنولوجيا، وإنما تنهض عندما تمتلك إنسانًا واعيًا، صاحب قيم، وقادرًا على تحويل المعرفة إلى عمل. ومن هنا نحتاج إلى منظور تربوي إيماني يجمع بين العلم والإيمان، وبين الأخلاق والكفاءة، وبين بناء الفرد وخدمة المجتمع. فلا يكفي أن نربي إنسانًا متدينًا دون أن يمتلك مهارات الحياة، كما لا يكفي أن نربي إنسانًا متفوقًا علميًا دون أن يمتلك ضميرًا أخلاقيًا. وأرى أن التربية النهضوية ينبغي أن تقوم على عدة مرتكزات: تزكية النفس، وإعمال العقل، واحترام العلم، وإتقان العمل، وتحمل المسؤولية، وتعزيز روح المبادرة، وترسيخ قيمة الوقت، وخدمة المجتمع. كما نحتاج إلى الانتقال من ثقافة انتظار الحلول إلى ثقافة صناعة الحلول؛ فالإنسان المسلم ينبغي أن يشعر بأنه جزء من مشروع الإصلاح، وأن لديه دورًا مهما كان موقعه أو إمكاناته. وتبدأ النهضة الحقيقية من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الجامعة، ثم مؤسسات المجتمع، بحيث تعمل جميعها على بناء شخصية متوازنة تمتلك الإيمان والوعي والمهارة والقدرة على المشاركة. وأرى أن القرآن الكريم يقدم لنا أساسًا مهمًا لهذا التصور؛ فالتغيير يبدأ من الداخل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. لذلك فإن مشروع النهضة عندي ليس مجرد مشروع اقتصادي أو سياسي، بل هو قبل ذلك مشروع تربوي وإنساني وأخلاقي. وباختصار: إذا أردنا نهضة الأمة، فعلينا أن نربي إنسانًا يؤمن بالله، ويفهم عصره، ويتقن عمله، ويحترم الإنسان، ويشعر أن الإصلاح مسؤوليته وليست مسؤولية الآخرين فقط. السؤال التاسع عشر: في عصر المظاهر والشهرة الرقمية، كيف يحافظ الداعية أو المفكر على إخلاص التزكية ونقاء الطرح؟ أرى أن هذا من أصعب تحديات عصرنا؛ لأن الإنسان اليوم يستطيع في لحظات أن يتحول إلى شخصية عامة، وقد يصبح عدد المتابعين والمشاهدات معيارًا وهميًا لقيمة الإنسان وتأثيره. وهنا تصبح مجاهدة النفس ومراقبة النية ضرورة مستمرة. والبداية تكون بأن يسأل الداعية أو المفكر نفسه قبل أن يسأل الجمهور: لماذا أقول؟ ولمن أقول؟ وما الذي أريده من هذا الكلام؟ فإذا كان الهدف هو خدمة الناس ونشر الخير وطلب مرضاة الله، أصبحت الشهرة وسيلة وليست غاية. وأرى أن من أهم وسائل حماية الإخلاص أن يكون للإنسان عمل خفي لا يراه الناس؛ عبادة أو صدقة أو عمل نافع لا يرتبط بالتصوير أو النشر أو عدد المتابعين. فهذا يساعد النفس على التوازن ويذكرها بأن قيمتها الحقيقية ليست فيما يراه الناس. كما ينبغي ألا يسمح الداعية للأرقام بأن تتحول إلى معيار وحيد للحقيقة؛ فقد يكون المحتوى الهادئ والعميق قليل المشاهدات، لكنه أكثر أثرًا في حياة إنسان واحد. فالانتشار ليس دائمًا دليلًا على جودة الرسالة، كما أن قلة التفاعل ليست دليلًا على فشلها. وفي الوقت نفسه، لا أرى أن استخدام التكنولوجيا أو السعي إلى الوصول إلى جمهور واسع يتعارض مع الإخلاص؛ المشكلة ليست في الشهرة، وإنما في أن تتحول الشهرة إلى هدف يحكم الرسالة ويغير مضمونها. ولذلك يحتاج الداعية إلى مراجعة نفسه باستمرار، وقبول النقد، والابتعاد عن التنافس المرضي، وعدم تحويل المنبر الدعوي إلى ساحة لإثبات الذات أو تصفية الحسابات. وأؤمن أن الداعية الحقيقي يجب أن يبقى أكبر من المنصة التي يقف عليها، وأن تكون رسالته أهم من صورته، وأن يكون الحق عنده أهم من التصفيق. وباختصار: الإخلاص لا يعني أن نهرب من الشهرة، وإنما يعني ألا نسمح للشهرة أن تهرب بنا من الإخلاص. السؤال العشرون: كيف ترى العلاقة بين التدين الظاهري والوعي الأخلاقي السلوكي في مجتمعاتنا الحالية؟ أرى أن التدين الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الأخلاق والسلوك؛ فالعبادة في الإسلام ليست مجرد مظاهر خارجية، وإنما وسيلة لبناء الإنسان وتقويم سلوكه وعلاقته بنفسه وبالآخرين. وقد يكون الإنسان حريصًا على بعض المظاهر الدينية، لكنه في الوقت نفسه يمارس الكذب أو الظلم أو الغش أو الإساءة إلى الآخرين، وهنا تظهر مشكلة الفجوة بين التدين الظاهري والأثر الأخلاقي للتدين. والمشكلة ليست في المظهر الديني في ذاته، وإنما في أن يتحول المظهر إلى غاية مستقلة عن جوهر العبادة. فالقرآن الكريم يربط الإيمان بالعمل الصالح، والنبي ﷺ يقول: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولذلك فإن حسن الخلق ليس أمرًا هامشيًا في التدين، بل هو من أبرز ثماره. ومن هنا أرى أن معيار التدين لا ينبغي أن يكون فقط مقدار ما يظهره الإنسان أمام الناس، وإنما أيضًا كيف يتعامل مع الضعيف، وكيف يؤدي الأمانة، وكيف يختلف مع الآخرين، وكيف يتعامل مع أسرته، وكيف يضبط غضبه، وكيف يحفظ حقوق الناس. وفي المقابل، لا ينبغي أن نحكم على إيمان الإنسان من خلال أخطائه أو مظهره فقط؛ فالحكم على القلوب والنيات لله تعالى، ودورنا هو النصح والتربية والإصلاح، لا إصدار الأحكام على الناس. وأرى أن مجتمعاتنا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «التدين كصورة» إلى «التدين كسلوك»، بحيث يصبح الصدق والأمانة والرحمة والعدل والإتقان واحترام الإنسان علامات واضحة على أثر الإيمان. فالعبادة التي لا تُحدث أثرًا في الأخلاق والسلوك تحتاج إلى مراجعة في فهمنا وممارستنا، لأن المقصود النهائي هو أن يصنع الإيمان إنسانًا أكثر رحمة وعدلًا وأمانة. وباختصار: التدين الذي يراه الناس في المظهر ينبغي أن يلمسوه في السلوك، وأجمل صورة للدين هي إنسانٌ إذا تعاملت معه وجدت أثر إيمانه في أخلاقه. المحور الخامس: الإنتاج المعرفي والتوعية الرقمية ومواجهة التغريب السؤال الحادي والعشرون: في كتابك «قراءة معاصرة في سورة لقمان»، ما هي الرسالة الخفية التي أردت إيصالها للمربي الحديث؟ الرسالة الأساسية التي أردت إيصالها للمربي الحديث هي أن التربية في القرآن ليست مجموعة من المواعظ النظرية، وإنما مشروع متكامل لبناء الإنسان. وسورة لقمان تحديدًا تقدم نموذجًا تربويًا عميقًا في العلاقة بين المربي والمتربي، وتجمع بين الإيمان والعقيدة، والعبادة والأخلاق، والوعي والسلوك. وأردت أن أقول للمربي: لا تبدأ بتغيير سلوك الطفل قبل أن تبني قلبه وعقله، ولا تجعل التربية قائمة على الأوامر والنواهي وحدها، بل اجعل الحوار والقدوة والحكمة والرحمة أساسًا لها. ولعل من أجمل ما في وصايا لقمان أنه خاطب ابنه بقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، وهي كلمة تحمل في داخلها الحب والاحتواء والقرب النفسي، ثم انتقل معه بالتدرج من العقيدة إلى العبادة، ومن مراقبة الله إلى الأخلاق، ومن السلوك الفردي إلى التعامل مع المجتمع. وهذا يعطينا درسًا مهمًا في التربية المعاصرة: الطفل لا يحتاج إلى من يخيفه من الخطأ فقط، وإنما يحتاج إلى من يفهمه ويقنعه ويمنحه الأمان والثقة، ثم يعلمه كيف يختار الصواب بنفسه. كما أردت التأكيد على أن التربية لا يمكن أن تنجح إذا انفصلت عن واقع العصر؛ فالمربي اليوم مطالب بأن يفهم التغيرات النفسية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعيشها أبناؤنا، وأن يوظف أدوات العصر لخدمة القيم بدل أن يترك أبناءه فريسة لمؤثراته السلبية. ومن هنا فإن «القراءة المعاصرة» لسورة لقمان لا تعني تغيير النص أو تحميله ما لا يحتمل، وإنما تعني استخراج هداياته التربوية وتفعيلها في واقعنا المعاصر. وباختصار، رسالتي للمربي هي: ربِّ الإنسان قبل أن تطلب منه السلوك، وابنِ القيم في قلبه قبل أن تضع القوانين حوله، وكن له قدوة قبل أن تكون له معلّمًا. السؤال الثاني والعشرون: تواجه الأسرة المسلمة «غزوًا فكريًا وانحرافًا أخلاقيًا» منظمًا، فما هي أقوى الدروع التي يجب أن نتسلح بها؟ أرى أن أقوى درع للأسرة المسلمة ليس الانغلاق عن العالم، وإنما بناء إنسان واعٍ يمتلك مناعة فكرية وأخلاقية وإيمانية؛ لأننا لا نستطيع أن نعزل أبناءنا عن العالم الرقمي، لكن نستطيع أن نعلمهم كيف يتعاملون معه بوعي. والدرع الأول هو الإيمان الصحيح والوعي الديني المتوازن؛ فحين يفهم الأبناء دينهم فهمًا قائمًا على العلم والرحمة والعقل والحوار، يصبحون أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحرية المسؤولة والفوضى. والدرع الثاني هو الحوار داخل الأسرة. فالابن الذي يستطيع أن يسأل والديه بحرية عن الأفكار والمشكلات التي يواجهها، لن يكون مضطرًا إلى البحث عن إجابات مجهولة المصدر في الإنترنت. ولذلك يجب أن يكون البيت مكانًا للأمان والحوار، لا مكانًا للخوف والصمت. أما الدرع الثالث فهو التربية الإعلامية والرقمية؛ فنحن لا نريد أن نربي أبناءنا على الخوف من التكنولوجيا، وإنما على استخدامها بوعي، والتحقق من المعلومات، وفهم أساليب التأثير والإقناع، ومعرفة مخاطر المحتوى غير المناسب. والدرع الرابع هو القدوة؛ فلا يمكن أن نطالب أبناءنا بالابتعاد عن المظاهر السلبية ونحن نقدم لهم نموذجًا مختلفًا في البيت. الأب والأم هما أول مدرسة يتعلم منها الطفل القيم. كما أن بناء شخصية قوية ومستقلة لدى الأبناء أمر أساسي؛ فالابن الذي يمتلك الثقة بالنفس، والقدرة على التفكير النقدي، والشعور بالانتماء، والقدرة على اتخاذ القرار، يكون أقل عرضة للاستسلام لأي تأثير خارجي. وأؤكد أن مواجهة الانحراف لا تكون بالصراخ والتخويف فقط، وإنما بالحوار والتربية والاحتواء وتقديم البديل الصحيح. فالفراغ إذا لم نملأه بالعلم والقيم والمعنى، ستملؤه مصادر أخرى. وباختصار: أقوى حصن للأسرة هو ابنٌ يعرف دينه، ويفهم عصره، ويثق بأسرته، ويمتلك عقلًا ناقدًا وقلبًا حيًا وضميرًا أخلاقيًا. السؤال الثالث والعشرون: تقدم محاضراتك عبر الفضاء الرقمي، كيف وظفت التكنولوجيا لخدمة الفكر الإسلامي دون السقوط في فخ «السطحية»؟ أرى أن التكنولوجيا ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة من وسائل الوصول إلى الإنسان. ولذلك حاولت أن أتعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره منبرًا جديدًا يمكن أن نحمل إليه المعرفة والفكر والقيم، مع الحفاظ على عمق المحتوى وأصالته. وأحرص في المحتوى الذي أقدمه على أن يكون قائمًا على التأصيل العلمي، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وربط الفكرة بالواقع، حتى لا تتحول السرعة الرقمية إلى سبب في اختزال القضايا الفكرية والدينية في عبارات قصيرة أو أحكام متعجلة. كما أعمل على تنويع أساليب العرض؛ فهناك المحاضرة المطولة لمن يريد التعمق، وهناك المحتوى المختصر لمن يبحث عن فكرة مركزة، وهناك الحوار والمناقشة والتفاعل مع الجمهور. والمهم عندي أن يكون الاختصار في طريقة العرض لا في جوهر الفكرة. وأرى أن من أكبر تحديات العمل الدعوي الرقمي أن المنصات تكافئ أحيانًا المحتوى المثير والسريع أكثر من المحتوى العميق، ولذلك يجب ألا نجعل عدد المشاهدات هو المعيار الوحيد للنجاح. قد تصل فكرة عميقة إلى عدد محدود من الناس، لكنها تغير حياة أحدهم، وهذا في حد ذاته أثر حقيقي. كما أنني أحرص على أن يكون استخدام التكنولوجيا مرتبطًا بمشروع معرفي متكامل، من خلال المحاضرات والندوات والبرامج التدريبية والمقالات والحوارات، بحيث لا يكون المحتوى مجرد منشورات متفرقة، وإنما جزءًا من رسالة تربوية وفكرية مستمرة. وأؤمن أن الداعية والمفكر المعاصر مطالب بأن يتقن لغة عصره دون أن يفقد لغة العلم، وأن يستخدم أدوات التواصل الحديثة دون أن يسمح لها بأن تفرض عليه مضمون رسالته. وباختصار: نستخدم التكنولوجيا لتوسيع دائرة الوصول، لكننا لا نسمح لها بتقليص عمق المعرفة؛ فالمنصة تتغير، أما قيمة الكلمة وأمانة العلم فلا تتغير. السؤال الرابع والعشرون: كيف تقيم أثر الندوات والملتقيات الثقافية، كأكاديمية النجاح وكفرسوم، في إحداث تغيير حقيقي في الوعي المجتمعي؟ أرى أن الندوات والملتقيات الثقافية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في صناعة الوعي، لكن تأثيرها الحقيقي لا يُقاس بعدد الحضور أو التصفيق في نهاية اللقاء، وإنما بما تتركه من أفكار جديدة وسلوكيات إيجابية ومبادرات تستمر بعد انتهاء الفعالية. ومن خلال مشاركتي في مثل هذه الفعاليات، أؤمن أن الحوار المباشر بين المفكرين والمثقفين والتربويين وأفراد المجتمع يخلق مساحة مهمة لتبادل الخبرات، ومناقشة القضايا التي تمس حياة الناس، وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة. وأرى أن أهمية هذه الملتقيات تزداد عندما تنتقل من مجرد تقديم المحاضرات إلى إشراك الجمهور في الحوار وصناعة الحلول، خصوصًا الشباب؛ لأن بناء الوعي لا يتم من طرف واحد، وإنما من خلال التفاعل والسؤال والنقاش. كما أن الملتقى الثقافي الناجح لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء اللقاء، بل يجب أن تتحول مخرجاته إلى مشاريع وبرامج ومبادرات قابلة للتطبيق، وأن تستفيد من وسائل التواصل الرقمي لتوسيع دائرة التأثير والوصول إلى من لم يتمكن من الحضور. وأؤمن كذلك بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما هي جزء من الأمن الفكري والاجتماعي؛ فكلما ارتفع مستوى وعي الإنسان، أصبح أكثر قدرة على التمييز، وأكثر مقاومة للشائعات والتطرف والتضليل، وأكثر استعدادًا للمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع. ولهذا أرى أن قيمة الملتقيات الثقافية تكمن في قدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى مشروع إصلاحي. وباختصار: الندوة الناجحة ليست التي تنتهي بانتهاء التصفيق، وإنما التي تبدأ آثارها الحقيقية بعد أن يغادر الناس القاعة. السؤال الخامس والعشرون: ختامًا، لو لخصت رسالتك في الحياة ومسيرتك الحافلة في جملة واحدة للأجيال القادمة، فماذا تكون؟ لو أردت أن ألخص رسالتي في الحياة ومسيرتي العلمية والفكرية والدعوية في جملة واحدة، فسأقول: «أن أترك وراءي إنسانًا أكثر وعيًا بالله، وأكثر فهمًا لذاته، وأكثر نفعًا للناس، وأن أجعل من العلم وسيلة للإصلاح، ومن الكلمة جسرًا للنهضة، ومن التربية طريقًا لبناء الإنسان.» لقد تعلمت خلال مسيرتي أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد الشهادات أو الألقاب أو المناصب، وإنما بما يتركه من علم نافع، وأثر طيب، وإنسان أفضل. وأؤمن أن الرسالة الحقيقية للمثقف والداعية والمربي ليست أن يجمع الناس حول شخصه، وإنما أن يساعدهم على اكتشاف قدراتهم، وأن يفتح أمامهم أبواب العلم والوعي والأمل والعمل. ولذلك فإنني أرى أن الجمع بين الشريعة وعلم النفس والتربية والاستشارات والفكر ليس ترفًا معرفيًا، وإنما هو محاولة لفهم الإنسان بصورة أكثر شمولًا، ومساعدته على تحقيق التوازن بين الإيمان والعقل، وبين العلم والأخلاق، وبين النجاح وخدمة المجتمع. أما للأجيال القادمة فأقول: لا تجعلوا العلم وسيلة للحصول على المكانة فقط، ولا تجعلوا الشهرة غاية، ولا تخافوا من المستقبل. تعلموا، وابحثوا، وفكروا، وأحسنوا العمل، وتمسكوا بقيمكم، واجعلوا لأنفسكم أثرًا يبقى بعد رحيلكم. وأختم دائمًا بهذه القناعة: «عش للعلم لا للشهرة، وللرسالة لا للمنصب، وللإنسان لا للذات؛ فالعمر ينتهي، لكن أثر الإنسان الصالح قد يبقى أجيالًا بعده.» (أبيات شعرية من نظمي ) "رسالةُ علمٍ ونهضة" بِالعِلْمِ نَبْنِي لِلْحَيَاةِ مَنَارَا وَبِهُدَى الإِيمَانِ نَحْيَا أَحْرَارَا وَنُرَبِّي النَّشْءَ الكَرِيمَ عَلَى الهُدَى حَتَّى يَصُونَ العَهْدَ وَالأَخْلَاقَا وَالعِلْمُ إِنْ قَرَنَ الإِيمَانَ بِهِ صَارَتْ لَهُ فِي النَّاسِ أَجْرًا وَدَارَا وَالنَّفْسُ إِنْ زُكِّيَتْ بِصَالِحٍ تَرْقَى وَتَصْنَعُ لِلْحَيَاةِ نَهَارَا وَالقَائِدُ المَأْمُونُ يَحْمِلُ أَمْرَهُ بِالعَدْلِ يَبْنِي فِي البِلَادِ قَرَارَا وَالأُسْرَةُ الحُبْلَى بِحُبٍّ وَهُدًى تَبْنِي لَنَا جِيلًا يَصُونُ الدَّارَا وَإِذَا تَحَالَفَ فِي الطَّرِيقِ مُعَلِّمٌ وَالأُسْرَةُ الغَرَّاءُ صَارَ نَجَاحَا لَا نَبْتَغِي مِنْ عِلْمِنَا شَهْرَةً بَلْ نَبْتَغِي بِهِ لِلْوَرَى آثَارَا فَالكَلِمَاتُ إِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى عَمَلٍ غَدَتْ فِي النَّاسِ أَجْمَلَ نَارَا هَذِي رِسَالَتُنَا: بِنَاءُ إِنْسَانِنَا بِالعِلْمِ وَالإِيمَانِ نَصْنَعُ نَهْضَةً. ________ والله.ولي التوفيق
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عيادة الأسنان وجزيرة موسى.. حوار غائر في دهاليز النفس والروا
...
-
من قلب المعاناة إلى رحابة المجتمع: حوار أدبي وتربوي مع الكات
...
-
نبض الوجدان وشرع الموسيقى: حوار مع روح الشعر الكلاسيكي والشا
...
-
بين أصالة المفردة وشهامة المبدأ: حوار أدبي مع الشاعر محمود ع
...
-
لسان الشعب وضمير الأمة: الشاعر محمد خميس قناوي في حوار الشغف
...
-
محمد إبراهيم حجاج: في معية الحرف والكلمة.
-
في محراب الطفولة وسحر الخيال: حوار مع كاتبة أدب الطفل والياف
...
-
سيكولوجية الكلمة وأبجديات العشق: حوار مع الشاعرة الدكتورة سم
...
-
شال الأمل وصرخة الصبح: حوار مع روح الشعر ونبض الحقيقة مع الش
...
-
بين هندسة النص وعمق القصة القصيرة: حوار أدبي مع المبدع والنا
...
-
بين هدوء الريف وشجن الكلمة: حوار أدبي مع الشاعر ياسر بعث الل
...
-
بين مرارة السخرية وشموخ الأمل: حوار أدبي مع الشاعر وائل البط
...
-
سعد الشرقاوي.. -شاعر التوتة- الذي وثّق شجن الفلاح وواجه -صهد
...
-
بين رقة الحب وصهد -الفرن-.. رحلة في المعجم الشعري لأحمد الجو
...
-
أميمة شوقي.. حين تصبح الكتابة -هندسةً للروح- ومقاومةً للشجن
-
سيرة الخيانة الجمالية والمصير الشعري: حوار في الهوية والأبوة
...
-
خواتيم البئر وأسئلة الظل: ختام الحوار مع الشاعر مؤمن سمير(5-
...
-
حوار في أسئلة الواقع واللغة مع الشاعر مؤمن سمير(3-5)
-
حوار مع الشاعر مؤمن سميرفي البناء الفني وشعرية الموت والكواب
...
-
حوار مع مؤمن الهواري: بين دقة -صاحبة الجلالة- وغموض السرد ال
...
المزيد.....
-
رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا
...
-
الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ
...
-
وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس
...
-
عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه
...
-
ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر
...
-
فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ
...
-
الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و
...
-
الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و
...
-
ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث
...
-
عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|