أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - حين يصبح الشعر موقفاً... ويصبح الحب وطناً: حوار أدبي مع الشاعر محمود عمر















المزيد.....

حين يصبح الشعر موقفاً... ويصبح الحب وطناً: حوار أدبي مع الشاعر محمود عمر


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 10:44
المحور: مقابلات و حوارات
    


يمتلك الشعر العربي قدرة فريدة على صياغة الهوية، واقتناص لحظات الدهشة الإنسانية وسط صخب الحياة. وفي تجربة الشاعر محمود عمر، تتجلى هذه القدرة في الموازنة بين جلال الموسيقى الخليلية ورحابة التجديد المعاصر، حيث تتحول المفردة لديه إلى موقف إنساني، ويتحول الحب إلى سكن ووطن. في هذا الحوار الأدبي الشامل، يجري الكاتب والصحفي عطا درغام حوارًا عميقًا مع الشاعر محمود عمر، ليتتبع معه بدايات شغفه بالحرف، وأسرار ديوانه «لست أنا الذي تبغين»، ورؤيته للمرأة والوطن، والعلاقة الجدلية بين العمل اليومي وصفاء الذهن الشعري.
🌿 أولا: البدايات والأسلوب الشعري والأوزان
1- لكل شاعر نقطة تحول قادت خطاه نحو عالم القصيدة، كيف كانت بدايتك مع الحرف والكلمة؟
لم تكن بدايتي مع الشعر قرارا اتخذته، بقدر ما كانت حالة وجدت نفسي أنتمي إليها قبل أن أدرك معناها. بدأت علاقتي بالحرف من الدهشة؛ من تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن في داخله كلاما أكبر من أن يقال بصورة عادية. كنت أبحث عن الكلمة التي تشبه إحساسي، وعن الصورة التي تستطيع أن تقول ما يعجز الكلام المباشر عن قوله. ومع الوقت تحول الحرف من وسيلة للتعبير إلى مساحة للبوح والتأمل والمواجهة، وأصبح الشعر بالنسبة إلي ليس ترفا لغويا، وإنما طريقة في النظر إلى الحياة والإنسان والحب والوطن.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 2. في ديوانك «لست أنا الذي تبغين»، نلمس صوتا شعريا متميزا؛ ما هي الرسالة الأساسية التي رغبت في إيصالها عبر هذا العنوان؟
العنوان في ظاهره جملة عاطفية، لكنه في جوهره سؤال عن الهوية والاختيار والتوقعات. «لست أنا الذي تبغين» ليست مجرد عبارة يقولها عاشق لحبيبته، وإنما مواجهة هادئة بين الإنسان والصورة التي يرسمها الآخر له. أردت أن أقول إن الحب الحقيقي لا يقوم على محاولة تشكيل الآخر وفق رغباتنا، بل على الاعتراف به كما هو. ولذلك يحمل العنوان شيئا من العتاب، وشيئا من الكبرياء، وشيئا من الحزن، لكنه في النهاية يحمل احتراما للحقيقة؛ فليس كل من نحبهم يستطيعون أن يكونوا الصورة التي نريدها، ولسنا دائما الصورة التي يبحث عنها الآخر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 3. هل تميل في كتابتك إلى الشعر العمودي الكلاسيكي الملتزم، أم تجد نفسك أكثر في شعر التفعيلة؟ ولماذا؟
أنا لا أتعامل مع الشكل الشعري باعتباره سجنا للنص، ولا أرى أن القصيدة الجيدة تقاس فقط بانتمائها إلى العمود أو التفعيلة. لكل تجربة شكلها الذي يناسبها. أحب العمود لما فيه من جلال موسيقي وأصالة وانضباط، وأجد في التفعيلة مساحة أوسع للحركة النفسية والتعبير الحديث. المهم عندي أن يكون الشكل خادما للمعنى، لا أن يصبح المعنى ضحية للشكل. فالشاعر الحقيقي لا يختار البحر لأنه جميل فقط، وإنما لأنه البحر الذي يستطيع أن يحمل سفينته الشعورية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 4. الأوزان والبحور الشعرية هي نبض القصيدة، ما هي البحور القريبة إلى قلبك والتي تجدها قادرة على استيعاب مشاعرك؟
أميل إلى البحور التي تمنحني موسيقى مرنة وتستطيع أن تتلون بحسب الحالة النفسية، وأجد في الكامل والبسيط والوافر والمتقارب مساحات ثرية للتعبير. لكنني لا أريد أن أكون أسيرا لبحر بعينه؛ فالقصيدة هي التي تقودني أحيانا إلى موسيقاها. قد أبدأ بفكرة، فتولد معها نغمة، ثم أكتشف أن تلك النغمة تقودني إلى بحر معين. لذلك أؤمن أن الشاعر ينبغي أن يعرف البحور، لكن عليه في الوقت نفسه أن يصغي إلى موسيقى القصيدة الداخلية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 5. كيف توازن بين الحفاظ على أصالة الأوزان العربية وبين التجديد في المفردات والصور الشاعرية المعاصرة؟
الأصالة ليست أن نعيد إنتاج الماضي، والتجديد ليس أن نهدمه. الأصالة بالنسبة إلي هي معرفة الجذور، والتجديد هو أن ننبت منها أغصانا جديدة. يمكن للقصيدة أن تحافظ على موسيقاها العربية العريقة، وفي الوقت نفسه تتحدث عن الإنسان المعاصر بلغته وهمومه وأسئلته. أنا أؤمن بأن التراث ليس متحفا نضعه خلف الزجاج، بل نهر حي نستمد منه الماء ونواصل به الطريق.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 6. هل ترى أن دراسة علم العروض والأوزان شرط أساسي لولادة الشاعر، أم أن الموهبة الفطرية والأذن الموسيقية تكفيان؟
الموهبة هي الشرارة، لكن المعرفة هي التي تمنحها القدرة على الاستمرار. قد يولد الإنسان بأذن موسيقية وحس شعري جميل، لكن دراسة العروض تمنحه وعيا بما يكتب، وتجعله قادرا على اكتشاف الخلل وتصحيح المسار. لا أقول إن العروض يصنع شاعرا، لكنه يصقل الشاعر. وكما أن الموهبة بلا ثقافة قد تتعثر، فإن العلم بلا موهبة قد ينتج نصا صحيحا من الناحية الفنية لكنه بلا روح. الشعر في النهاية روح وموسيقى ومعرفة.
❤️ ثانيا: محور المرأة والحب
🔴 7. المرأة حاضرة بقوة في الوجدان الشعري؛ كيف يرى محمود عمر المرأة في قصائده؟ هل هي الحبيبة، أم رمز الأرض، أم الملهمة المطلقة؟
المرأة في تجربتي ليست شخصية واحدة يمكن حصرها في تعريف. قد تكون حبيبة، وقد تكون أما، وقد تكون وطنا، وقد تكون صورة للجمال الإنساني نفسه. وأحيانا تكون المرأة في القصيدة مرآة يرى الشاعر من خلالها ذاته. لذلك لا أحب اختزالها في كونها موضوعا للغزل؛ فالمرأة بالنسبة إلى الشعر أكبر من ذلك بكثير، إنها إحدى أكثر الصور الإنسانية قدرة على تحريك الذاكرة والوجدان والخيال.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 8. عاطفة الحب في شعرك هل تنبع من تجارب وواقع عشته، أم هي رصد لخيالات وأحلام يبحث عنها الشاعر؟
الشعر لا يكتب سيرة الحياة كما وقعت، وإنما يعيد اكتشافها كما شعرت بها الروح. لذلك قد تكون التجربة واقعية، وقد تكون متخيلة، وقد تكون مزيجا من الاثنين. الشاعر يستطيع أن يأخذ من الواقع بذرة صغيرة ثم يجعل منها شجرة كاملة في القصيدة. والحب تحديدا لا يحتاج دائما إلى أن يكون حدثا وقع؛ أحيانا يكفي أن يكون حلما صادقا حتى يتحول إلى حقيقة شعرية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 9. في قصيدة «لست أنا الذي تبغين»، عتاب مبطن أو مواجهة؛ كيف تصيغ لحظات الفراق والخذلان العاطفي في شعرك؟
أنا لا أحب أن أجعل الحزن صراخا، بل أفضل أن يكون وجعا هادئا يترك أثره بعد انتهاء القصيدة. الفراق عندي ليس لحظة رحيل فقط، وإنما هو اكتشاف الإنسان أن بعض الأشياء الجميلة لا تملك حق البقاء. لذلك أحاول أن أصوغ الخذلان بلغة تحفظ للآخر كرامته، وتحفظ للذات كبرياءها. فحتى حين ينكسر القلب، يجب ألا تنكسر اللغة.
🔴 10. هل تعتقد أن قصائد الحب والغزل في عصرنا الحالي ما زالت تحتفظ بنقاء الماضي، أم تغيرت بتغير طبيعة العلاقات العصرية؟
الحب لم يتغير في جوهره، لكن الظروف المحيطة به تغيرت كثيرا. قديما كان الانتظار طويلا، واليوم أصبحت الرسالة تصل في ثانية، ومع ذلك ما زال الإنسان ينتظر كلمة واحدة من شخص يحبه. التكنولوجيا اختصرت المسافات لكنها لم تختصر حاجة الإنسان إلى الأمان والصدق. ولذلك ما زال الحب قادرا على أن يكون نبيلا، إذا كتبناه من منطقة الروح لا من سطح العلاقات العابرة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 11. متى تصبح الكلمة عاجزة عن وصف مشاعر الحب، وكيف يتجاوز الشاعر هذا العجز؟
تصبح الكلمة عاجزة عندما يكون الشعور أكبر من القاموس. وهنا يبدأ الشعر الحقيقي؛ لأن الشاعر لا يبحث فقط عن الكلمات، بل عن الإيحاء والصورة والصمت والموسيقى. أحيانا تكون أجمل قصيدة هي التي تقول نصف ما نشعر به وتترك للنصف الآخر مساحة في قلب القارئ. فالصمت في بعض لحظات الحب أبلغ من ألف قصيدة.
🌍 ثالثا: الوطن والقضايا الإنسانية والحقوقية
🔴 12. يحمل الشاعر دائما هموم مجتمعه؛ كيف تنعكس القضايا الإنسانية والدفاع عن الحقوق في نصوصك الشعرية؟
لا أستطيع أن أفصل الشاعر عن الإنسان. حين يرى الشاعر ظلما أو ألما أو إنسانا مكسور الخاطر، فمن الصعب أن يظل صامتا. الشعر بالنسبة إلي ليس محكمة سياسية، لكنه يستطيع أن يكون ضميرا إنسانيا. وأنا أؤمن أن الكلمة التي تنحاز إلى الحق لا تفقد جمالها، بل تكتسب معنى إضافيا؛ لأن أجمل الشعر هو الذي يجعل الإنسان أكثر إنسانية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 13. الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو هوية وأمان؛ كيف يتجلى حب الوطن في قصائدك؟
الوطن عندي ليس خريطة معلقة على الجدار، بل ذاكرة تمشي معنا أينما ذهبنا. هو البيت الأول، ورائحة الأم، ووجوه الذين أحببناهم، والشوارع التي تركنا فيها جزءا من طفولتنا. لذلك حين أكتب عن الوطن لا أكتب عن التراب وحده، وإنما أكتب عن الإنسان الذي يمنح ذلك التراب روحه. الوطن الحقيقي هو المكان الذي إذا ابتعدنا عنه بقي في داخلنا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 14. تم تكريمك من «أكاديمية اليمامة العالمية للثقافة والسلام»، كيف يسهم الشاعر برأيك في نشر قيم المحبة والسلام وسط الصراعات؟
أرى أن تكريم الشاعر لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل مسؤولية إضافية. والشاعر يستطيع أن يقاوم الكراهية دون أن يكتب كراهية مضادة، وأن ينتصر للسلام دون أن يتنازل عن الحق. الكلمة تستطيع أن تبني جسرا بين قلبين، وربما تعجز عن إيقاف حرب، لكنها قادرة على أن تمنع قلبا من التحول إلى آلة للكراهية. وهذا في حد ذاته فعل من أفعال السلام.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 15. هل تؤمن بـ«الفن من أجل الفن» أم أن الشاعر ملتزم دائما بقضايا أمته وإيصال صوت المظلومين؟
أحترم الفن الذي يبحث عن الجمال، لكنني أؤمن أن الجمال نفسه يمكن أن يكون موقفا. لا أريد للشعر أن يتحول إلى منشور سياسي، كما لا أريده أن يعيش بعيدا عن الإنسان. الشاعر حر في موضوعه، لكنه حين يرى المظلوم ويملك القدرة على الكلام، فإن صمته يصبح موقفا أيضا. لذلك أؤمن بفن جميل، حر، وإنساني؛ فن لا يفقد جماله حين ينحاز للحق.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 16. كيف تجمع في ذاتك بين صرامة الدفاع عن الحقوق والعمل الإنساني، وبين رقة وعاطفة الشاعر؟
لا أرى تعارضا بين الأمرين. ربما كانت الرقة هي التي تجعلني أكثر صرامة أمام الظلم؛ لأن من يشعر بوجع الإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع الظلم باعتباره رقما أو خبرا عابرا. القلب الذي يعرف الرحمة يستطيع أن يكون قويا عندما يتعلق الأمر بالكرامة والحق. أنا أؤمن أن القوة الحقيقية ليست في قسوة القلب، وإنما في القدرة على أن تبقى إنسانا وأنت تواجه القسوة.
✍️ رابعا: طقوس الكتابة وأجواء الإبداع
🔴 17. ما هي الأجواء والطقوس الخاصة التي يحتاجها محمود عمر لتولد لديه القصيدة؟ هل تفضل الهدوء التام أم أن صخب الحياة يلهمك؟
لا أعتقد أن القصيدة تستأذننا قبل أن تأتي. قد تولد في لحظة هدوء، وقد تولد وسط الزحام. المهم أن يكون داخل الشاعر مكان قادر على الإصغاء. أحب الهدوء لأنه يمنحني فرصة لمراجعة ما يدور في داخلي، لكن صخب الحياة أيضا مادة شعرية هائلة؛ فالشاعر لا يعيش خارج العالم، بل يلتقط من ضجيجه نبضه الخفي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 18. هل تأتيك الفكرة الشعرية بغتة فتكمل القصيدة في جلسة واحدة، أم أنك من الشعراء الذين ينقحون ويعيدون صياغة الأبيات طويلا؟
قد تأتي القصيدة كاملة في ومضة، لكن اكتمالها الشعوري لا يعني بالضرورة اكتمالها الفني. أكتب أولا باندفاع الشعور، ثم أعود إليها بعين الشاعر لا بعين العاشق. التنقيح ليس خيانة للحظة الإبداع، بل هو احترام لها. القصيدة تولد عفوية، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى يد تعرف كيف تهذب جمالها دون أن تقتل روحها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 19. ما هو الوقت المفضل لديك للكتابة؟ هل هو هدوء الليل وسكونه، أم إشرافة الصباح الباكر؟
للليل سحر خاص بالنسبة إلى الشاعر، لأنه يخفف ضجيج العالم ويترك الإنسان أمام نفسه. وفي الليل تصبح الذاكرة أكثر وضوحا، وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر قدرة على الكلام. لكنني لا أؤمن بوقت مقدس للقصيدة؛ القصيدة الحقيقية لا تنتظر الساعة، وإذا جاءتني في منتصف النهار فلن أقول لها عودي في الليل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 20. هل تؤثر مهنتك اليومية وإدارتك لعملك التجاري على صفاء ذهنك الشعري، أم أن العمل يعتبر ملاذا يجدد فيك الطاقة للكتابة؟
الحياة العملية تمنح الشاعر شيئا لا تمنحه العزلة وحدها: الاحتكاك بالناس، ومشاهدة التفاصيل، وفهم اختلاف البشر. قد يأخذ العمل من الوقت، لكنه يعيد إلي الكثير من التجارب والمواقف التي تتحول لاحقا إلى مادة شعرية. أنا لا أرى أن الشاعر ينبغي أن يعيش في برج عاجي؛ عليه أن يعيش ويتعايش مع كل من حوله ويتفاعل مع الجميع حتى يستطيع أن يكون لسان حالهم متحدث بلسانهم معبراً عن أحلامهم وطموحهم ولا يكون أبداً في معزل عنهم.
🔴 20. هل تؤثر مهنتك اليومية وإدارتك لعملك التجاري على صفاء ذهنك الشعري، أم أن العمل يعتبر ملاذا يجدد فيك الطاقة للكتابة؟
العمل بالنسبة إلي ليس عائقا أمام الشعر، بل هو جزء من الحياة التي يستمد منها الشاعر تجربته. الاحتكاك بالناس، ومشاهدة تفاصيل الحياة، والاستماع إلى حكاياتهم ومواقفهم، كلها تتحول في وجدان الشاعر إلى مادة خام للكتابة. صحيح أن المسؤوليات اليومية قد تسرق بعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصادر الشعر من القلب؛ فالقصيدة الحقيقية لا تحتاج إلى فراغ كامل، وإنما تحتاج إلى روح تعرف كيف تصغي لما حولها. وربما كان العمل نفسه ملاذا أستعيد فيه توازني، ثم أعود إلى الكتابة بطاقة أكثر نضجا ووعيا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 21. من هم الشعراء الذين تأثرت بهم في قراءاتك وشكلوا وجدانك الأدبي في البدايات؟
قرأت لكثير من الشعراء، وكان لكل شاعر حقيقي أثره في تكوين ذائقتي الأدبية، لكنني لا أحب أن أكون ظلا لأحد. استفدت من جزالة الشعر العربي القديم وموسيقاه، وتأملت تجارب الشعراء المحدثين وقدرتهم على بناء الصورة والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر. أؤمن أن الشاعر في بداياته يتعلم من الآخرين، لكنه حين ينضج يبدأ في البحث عن صوته الخاص. فالغاية ليست أن نكتب مثل شاعر نحبه، وإنما أن نصل إلى المرحلة التي يستطيع فيها الآخرون أن يعرفوا أننا كتبنا دون أن نضع أسماءنا على النص.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 22. كيف ترى واقع الشعر العربي اليوم في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل خدم الحراك الأدبي أم أثر على جودة النصوص؟
وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة حقيقية في المشهد الأدبي؛ فقد كسرت الحواجز بين الشاعر والقارئ، ومنحت المبدع فرصة للوصول إلى جمهور واسع دون المرور عبر الأبواب التقليدية. لكنها في الوقت نفسه صنعت مشكلة السرعة؛ فبعض النصوص أصبحت تنشر قبل أن تنضج، وأصبح عدد الإعجابات أحيانا معيارا للحكم على جودة القصيدة. وأنا أرى أن الشهرة الرقمية شيء، والقيمة الأدبية شيء آخر. قد تنتشر قصيدة في ساعات، بينما تحتاج قصيدة أخرى إلى سنوات حتى يكتشف الناس قيمتها. لذلك تبقى الموهبة الحقيقية هي التي تصمد أمام الزمن، لا أمام خوارزميات المنصات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 23. ما هي النصيحة التي تقدمها للمواهب الشابة التي تمتلك الموهبة لكنها تخشى الخوض في أوزان الشعر وبحوره؟
أقول لهم: لا تخافوا من العروض، بل اقتربوا منه؛ فهو ليس قيدا على الشاعر، وإنما مفتاح من مفاتيح الموسيقى الشعرية. ابدؤوا بالاستماع إلى الشعر قبل محاولة كتابته، واقرؤوا كثيرا، واحفظوا القصائد، وتعلموا كيف تتحرك الموسيقى داخل البيت. ولا تجعلوا الخوف من الخطأ سببا في التوقف، فالخطأ مرحلة من مراحل التعلم. والأهم ألا تستعجلوا الشهرة؛ لأن القصيدة التي تبقى في وجدان قارئ واحد بصدق، أثمن من قصيدة تحصل على آلاف الإعجابات ثم تختفي بعد أيام.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 24. بعد ديوانك البارز، هل هناك مشروع ديوان جديد يلوح في الأفق؟ وما هو الطابع العام الذي سيغلب عليه؟
ما دام في القلب شيء لم يقل، فمشروع الشعر لا ينتهي. هناك دائما أفكار وتجارب تتشكل بهدوء، وربما يكون القادم أكثر اقترابا من الإنسان في أسئلته وتحولاته، وأكثر انفتاحا على الحب والوطن والذاكرة ومفارقات الحياة. لا أحب أن أستعجل الإعلان عن أي مشروع قبل أن ينضج، لأن القصيدة عندي ليست سباقا مع الزمن. وما أستطيع قوله إن القادم سيكون امتدادا لتجربتي، لكنه لن يكون تكرارا لها؛ فالشاعر الذي يكرر نفسه يفقد جزءا من روحه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🔴 25. إذا أردت أن تختتم هذا الحوار ببيت شعر تلخص فيه فلسفتك في الحياة والحب، فماذا ستقول؟
أحببت حتى صار قلبي موطنا
فإذا رحلتِ... تركتِ فيَّ أوطانا
ولعل هذا البيت يختصر شيئا من فلسفتي؛ فالحب عندي ليس امتلاكا، وإنما انتماء، والوطن ليس مكانا فقط، وإنما إحساس يسكن الإنسان. أؤمن أن علينا أن نعيش بكرامة، ونحب بصدق، ونختلف دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نترك خلفنا أثرا جميلا حتى لو لم نملك شيئا آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
🌹 كلمة أخيرة:
الشعر بالنسبة إلي ليس مجرد أبيات تنتهي عند آخر قافية، وإنما رحلة داخل الإنسان؛ أبحث فيها عن المعنى خلف الكلمات، وعن الإنسان خلف المواقف، وعن الجمال وسط قسوة الحياة. تعلمت أن الحب لا يكتمل بالامتلاك، وأن الوطن لا يسكن الخرائط وإنما يسكن القلوب، وأن الحق يحتاج إلى صوت، وأن الكلمة الصادقة قد تعجز عن تغيير العالم كله، لكنها قادرة على تغيير إنسان واحد، وربما كان ذلك الإنسان هو البداية الحقيقية للتغيير. لذلك سأظل أكتب ما دمت أملك قلبا يشعر، وذاكرة لا تنسى، وروحا تؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله هو كلمة صادقة وذكرى طيبة وأثر لا يموت.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تزكية النفوس وبناء الإنسان: حوار مع الدكتور عيد كامل النوقي( ...
- تزكية النفوس وبناء الإنسان: حوار مع الدكتور عيد كامل النوقي( ...
- عيادة الأسنان وجزيرة موسى.. حوار غائر في دهاليز النفس والروا ...
- من قلب المعاناة إلى رحابة المجتمع: حوار أدبي وتربوي مع الكات ...
- نبض الوجدان وشرع الموسيقى: حوار مع روح الشعر الكلاسيكي والشا ...
- بين أصالة المفردة وشهامة المبدأ: حوار أدبي مع الشاعر محمود ع ...
- لسان الشعب وضمير الأمة: الشاعر محمد خميس قناوي في حوار الشغف ...
- محمد إبراهيم حجاج: في معية الحرف والكلمة.
- في محراب الطفولة وسحر الخيال: حوار مع كاتبة أدب الطفل والياف ...
- سيكولوجية الكلمة وأبجديات العشق: حوار مع الشاعرة الدكتورة سم ...
- شال الأمل وصرخة الصبح: حوار مع روح الشعر ونبض الحقيقة مع الش ...
- بين هندسة النص وعمق القصة القصيرة: حوار أدبي مع المبدع والنا ...
- بين هدوء الريف وشجن الكلمة: حوار أدبي مع الشاعر ياسر بعث الل ...
- بين مرارة السخرية وشموخ الأمل: حوار أدبي مع الشاعر وائل البط ...
- سعد الشرقاوي.. -شاعر التوتة- الذي وثّق شجن الفلاح وواجه -صهد ...
- بين رقة الحب وصهد -الفرن-.. رحلة في المعجم الشعري لأحمد الجو ...
- أميمة شوقي.. حين تصبح الكتابة -هندسةً للروح- ومقاومةً للشجن
- سيرة الخيانة الجمالية والمصير الشعري: حوار في الهوية والأبوة ...
- خواتيم البئر وأسئلة الظل: ختام الحوار مع الشاعر مؤمن سمير(5- ...
- حوار في أسئلة الواقع واللغة مع الشاعر مؤمن سمير(3-5)


المزيد.....




- رجل يخدع السياح بمدرَّج تاريخي مزيف في إيطاليا لسنتين كاملتي ...
- -فخر العرب-.. أحمد زاهر وأشرف زكي وروجينا يدعمون محمد صلاح ف ...
- حرائق سريعة الانتشار تلتهم آلاف الأفدنة وتدفع لإخلاءات عاجلة ...
- تزايد مخاوف التعبئة لدى الروس مع تصاعد التجنيد القسري من الك ...
- قطر تواصل جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.. وترامب يتحدث عن - ...
- الصين تؤكد أنها ستحمي مصالحها بعد تهديد واشنطن لشركاء إيران ...
- ترامب يُغازل كيم.. هل تهتز المظلة الأمنية الأمريكية في آسيا؟ ...
- البرص المصري يغزو إسرائيل
- الشرطة الإسرائيلية تمنع مؤتمرا للسلطة الفلسطينية في القدس وت ...
- ميزات أمان ChatGPT للمراهقين تثير شكوك خبراء سلامة الأطفال


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - حين يصبح الشعر موقفاً... ويصبح الحب وطناً: حوار أدبي مع الشاعر محمود عمر