أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نطارد الأرقام؟ – مقال رأي














المزيد.....

الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نطارد الأرقام؟ – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 11:29
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


خلال السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن التصنيفات العالمية جزءاً ثابتاً من خطاب الجامعات العراقية. تكاد لا تمر فترة من دون إعلان عن دخول جامعة في تصنيف، أو تقدمها عشرات المراتب، أو زيادة عدد الجامعات العراقية الظاهرة في منصة دولية. وهذا بحد ذاته تطور إيجابي، لأن الجامعة التي تقارن نفسها بالعالم أفضل من جامعة تعمل داخل دائرة مغلقة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التصنيف من أداة لقياس بعض جوانب الأداء إلى هدف قائم بذاته، وعندما يصبح السؤال الإداري: كيف نرفع الرقم؟ بدلاً من السؤال الأكاديمي الأصعب: كيف نرفع الجودة؟
الأرقام الأخيرة تعكس صورة تستحق القراءة الهادئة. ففي تصنيف Times Higher Education العالمي لعام 2026 تظهر 90 جامعة عراقية، بينما يضع التصنيف أفضل الجامعات العراقية في الفئة 1001–1200 عالمياً. وفي تصنيف الجامعات العربية للجهة نفسها كان العراق الأكثر تمثيلاً بوجود 57 جامعة، لكن أعلى جامعة عراقية، وهي الجامعة التكنولوجية، جاءت في المرتبة 80 عربياً. وفي QS لعام 2027 جاءت جامعة بغداد ضمن الفئة 801–850 عالمياً، بعد أن كانت في الفئة 741–750 في إصدار 2026. أما تصنيف شنغهاي ARWU لعام 2026، الذي ينشر أفضل ألف جامعة من بين أكثر من 2500 جامعة يجري تصنيفها، فلا تظهر فيه جامعة عراقية ضمن القائمة المنشورة. هذه النتائج لا تعني وجود تناقض، بل تكشف أن كل تصنيف يقيس الجامعة بطريقة مختلفة.
وهنا توجد نقطة كثيراً ما تضيع في الاحتفال بالأرقام. Times Higher Education مثلاً يستخدم 18 مؤشراً موزعة على خمسة محاور تشمل التعليم، و بيئة البحث، و جودة البحث، و الانفتاح الدولي، و العلاقة مع الصناعة. أما تصنيفات أخرى فتعطي أوزاناً مختلفة للسمعة الأكاديمية، و الاستشهادات، و التدويل، و مخرجات البحث، و الجوائز العلمية. لذلك قد تتقدم الجامعة في تصنيف و تتراجع في آخر من دون أن تكون قد أصبحت فجأة أفضل أو أسوأ. الأدبيات العلمية نفسها تشير إلى أن التصنيفات أدوات مفيدة للمقارنة، لكنها لا تقدم قياساً كاملاً لجودة الجامعة، و قد تعطي نتائج مختلفة حتى عند محاولة قياس المفهوم نفسه.
ومن الإنصاف أيضاً ألا نذهب إلى الاتجاه المقابل و نعتبر التصنيفات بلا قيمة. فهي تكشف جوانب ضعف كانت الجامعات تستطيع سابقاً تجاهلها، مثل محدودية التعاون الدولي، أو ضعف التأثير البحثي، أو انخفاض الارتباط بالصناعة. كما أنها تفرض قدراً من جمع البيانات و المقارنة و الشفافية، و تمنح إدارات الجامعات مؤشرات يمكن متابعة تطورها عبر الزمن. المشكلة ليست في القياس نفسه، بل في تحويل المؤشر إلى غاية، لأن المؤسسة عندها قد تبدأ بتحسين ما يُقاس فقط، و تهمل ما يصعب تحويله إلى رقم.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما تتكيف المؤسسة مع المؤشر بدلاً من أن تستخدم المؤشر لتطوير المؤسسة. إذا أصبح عدد البحوث هو الهدف، فقد نزيد عدد الأوراق المنشورة من دون زيادة مماثلة في قيمتها العلمية. وإذا أصبحت الاستشهادات هدفاً مستقلاً، فقد ينشغل الباحث بعدد الاستشهادات أكثر من انشغاله بالسؤال العلمي. وإذا أصبح الحضور الدولي رقماً مطلوباً، فقد تتحول بعض الاتفاقيات و النشاطات الدولية إلى ملفات توثيق أكثر منها شراكات بحثية منتجة. هذه ليست مشكلة عراقية فقط، فاليونسكو ناقشت حديثاً كيف يمكن للضغط المرتبط بالتصنيفات و المقاييس أن يدفع الجامعات إلى ملاحقة الهيبة و المؤشرات على حساب بعض وظائفها التعليمية و الاجتماعية.
في الحالة العراقية، نحن بحاجة إلى التصنيفات، لكن ليس إلى حمى التصنيفات. الجامعة الجيدة لا تُعرف فقط بعدد بحوثها المنشورة، بل بنوعية ما تنتجه، و قدرة مختبراتها، و نزاهة بياناتها، و قوة برامجها الدراسية، و مستوى خريجيها، و قدرتهم على العمل، و مقدار ما تقدمه من حلول للصناعة و المجتمع. وقد تكون كلية هندسية ناجحة في حل مشكلة صناعية محلية أكثر قيمة للمجتمع من عشرات الأوراق التي لا يقرأها إلا أصحابها، مثلما أن بحثاً واحداً أصيلاً قد يكون أهم من عشرين بحثاً أُنجزت فقط لاستكمال متطلبات تقييم سنوي.
لذلك يفترض أن تستخدم الجامعات العراقية التصنيفات كلوحة عدادات، لا كبوصلة وحيدة. المطلوب أن نتابع موقع الجامعة، لكن بالتوازي مع مؤشرات داخلية أكثر صرامة: جودة التدريس، نسبة المختبرات الفاعلة، زمن تحديث المناهج، فرص تدريب الطلبة، توظيف الخريجين، التمويل التنافسي للبحث، براءات الاختراع القابلة للتطبيق، البحوث المشتركة الحقيقية، و عدد المشكلات المحلية التي أسهمت الجامعة في حلها. كما يجب أن نميز بين جامعة بحثية كبيرة و جامعة حديثة أو تعليمية، لأن مطالبة الجميع بالمؤشرات نفسها قد تنتج سلوكاً شكلياً بدلاً من تطوير حقيقي.
برأيي المتواضع فإن دخول الجامعات العراقية إلى التصنيفات العالمية أمر مطلوب و مهم، و ينبغي دعمه لا السخرية منه. لكن النجاح لا يكون بكثرة الأخبار التي تعلن صعود المراتب، بل بأن نشعر أن الجامعة نفسها تتغير من الداخل. التصنيف الجيد يجب أن يكون نتيجة لتحسن الجامعة، لا أن يصبح سبباً لإعادة ترتيب نشاطها كله حول معادلة رقمية. عندما تتحسن المختبرات و المناهج و البحث العلمي و بيئة الأستاذ و الطالب و العلاقة مع سوق العمل، ستأتي الأرقام لاحقاً بصورة أكثر استقراراً. أما إذا طاردنا الأرقام وحدها، فقد نحصل على ترتيب أفضل لبعض الوقت، لكننا لن نضمن جامعة أفضل.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...


المزيد.....




- رحّالة تُفاجئ بـ-مسّاج سمك- طبيعي في قلب وادي لجب بالسعودية ...
- من -الرقصة الأخيرة- إلى مزاد بـ15 مليون دولار.. هل يحطم قميص ...
- سوريا.. رواج إعلان مظلوم عبدي حل -قسد- وتعليق مبعوث ترامب
- سبيس إكس تعلن عن بناء -قاعدة النجوم- للوصول إلى المريخ وما ...
- عُمان وإيران تناقشان -ممراً ملاحياً مؤقتاً- في هرمز.. وترامب ...
- الخباز.. حرفة تجذب اهتمام الراغبين بالعمل في ألمانيا
- تسريبات عن عزم واشنطن إعادة دبلوماسييها للشرق الأوسط
- حرفي ينجح في ألمانيا ومهندس يطرق باب الحكومة في العراق
- هذا ما تكشفه خيالاتك الجنسية عن شخصيتك
- واشنطن ترفع تمويل عقود المسيرات لأجهزة إنفاذ القانون الأوكرا ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نطارد الأرقام؟ – مقال رأي