أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاقتصاد المرن – مقال رأي














المزيد.....

جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاقتصاد المرن – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 15:43
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لم تعد العلاقة بين التعليم العالي و العمل تسير في خط واضح كما كانت تُتصور سابقاً: يدخل الطالب الجامعة، يحصل على الشهادة، ثم ينتقل إلى وظيفة مستقرة تستمر سنوات طويلة. هذا المسار لم يختفِ تماماً، لكنه لم يعد متاحاً للجميع، لأن الاقتصاد نفسه تغيّر، و المؤسسات أصبحت أكثر حذراً في التوظيف، و التكنولوجيا أعادت توزيع كثير من المهام، فيما ظهرت أنماط عمل جديدة تعتمد على العقود المؤقتة، و المشروعات القصيرة، و العمل المستقل، و المنصات الرقمية. أمام هذه التحولات، يبدو جيل كامل كأنه يبحث عن نافذة في جدار قديم، بينما ما تزال بعض أنظمتنا التعليمية تتعامل مع سوق العمل كما لو أنه لم يتغير.
المشكلة لا تكمن في أن الجامعات توقفت عن أداء دورها، و لا في أن الشهادة فقدت قيمتها، بل في اتساع المسافة بين سرعة التغيير في الاقتصاد و قدرة المؤسسات التعليمية على الاستجابة. الجامعة مؤسسة علمية و تربوية، و ليست مكتباً للتوظيف، لكن من غير المنطقي أيضاً أن تبقى البرامج الأكاديمية بعيدة عن التحولات المهنية التي سيواجهها الخريج. فالمعرفة التخصصية ضرورية، إلا أنها لم تعد كافية ما لم تقترن بالقدرة على التواصل، و استخدام الأدوات الرقمية، و تحليل البيانات، و حل المشكلات، و العمل ضمن فرق متعددة التخصصات.
تظهر خطورة المسألة بوضوح في المنطقة العربية. فقد قدّرت منظمة العمل الدولية معدل بطالة الشباب في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا بنحو 24.4% عام 2023، و هو من أعلى المعدلات عالمياً. كما أشارت المنظمة إلى أن نمو الطلب على الشباب الحاصلين على تعليم عالٍ لا يواكب دائماً الزيادة في أعداد الخريجين، بما يضعف العائد المتوقع من التعليم لدى بعض الفئات (منظمة العمل الدولية، 2024). هذه الأرقام لا تعني أن التعليم العالي سبب البطالة، بل تكشف أن الاقتصاد لا يولّد وظائف نوعية بالسرعة التي يخرّج بها النظام التعليمي شباباً مؤهلين.
في العراق تبدو الصورة أكثر تعقيداً بسبب الاعتماد التاريخي على الوظيفة الحكومية، و ضعف قدرة القطاع الخاص المنظم على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين. وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن بطالة الشباب العراقيين الذكور بين 15 و 24 عاماً بلغت نحو 28.1%، بينما لم تتجاوز مشاركة النساء في قوة العمل 10.9% (البنك الدولي، 2026). خلف هذه النسب توجد سنوات من الانتظار، و أسر تتحمل تكاليف التعليم، و خريجون يكتشفون أن الشهادة التي كانت تمثل وعداً اجتماعياً لا تضمن وحدها فرصة مناسبة.
هنا يظهر ما يسمى بالاقتصاد المرن، الذي يشمل العمل المستقل، و العمل عن بعد، و العقود المحددة، و تقديم الخدمات عبر المنصات الرقمية. هذا الاقتصاد قد يمنح الشاب فرصة للعمل مع شركة خارج مدينته أو حتى خارج بلده، و يفتح مجالات في البرمجة، و التصميم، و الترجمة، و التسويق، و الاستشارات، و التعليم الإلكتروني. لكن المرونة ليست اسماً آخر للعدالة. فتحويل العامل إلى متعاقد مؤقت قد يعني دخلاً متقلباً، و غياب التأمين و التقاعد، و ضعف القدرة على الاعتراض أو التفاوض. وقد حذرت منظمة العمل الدولية من أن عمال المنصات غالباً ما يفتقرون إلى الأمان الوظيفي و المنافع و الضمانات القانونية المتاحة في العمل النظامي.
لذلك لا ينبغي تقديم الاقتصاد المرن للخريجين بوصفه حلاً سحرياً لأزمة التوظيف. هو نافذة ممكنة، لكنه قد يتحول إلى باب جديد للاستغلال إذا لم ترافقه تشريعات تنظم العقود و الأجور و الضمان الاجتماعي و الضرائب و حقوق العاملين عبر المنصات. المطلوب ليس دفع الشباب بعيداً عن الوظائف المستقرة، بل توسيع خياراتهم مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية و الكرامة المهنية.
أما داخل التعليم العالي، فالحاجة أصبحت واضحة إلى مراجعة هادئة للبرامج، لا إلى هدمها أو إخضاعها بالكامل لمتطلبات السوق الآنية. يمكن للجامعات إدخال مسارات اختيارية قصيرة في المهارات الرقمية، و إدارة المشروعات، و ريادة الأعمال، و الذكاء الاصطناعي، و اللغة المهنية، مع توسيع التدريب العملي و إشراك أصحاب العمل و النقابات في تقييم المخرجات. كما ينبغي إنشاء وحدات جامعية لمتابعة الخريجين، ليس للاحتفال بأعدادهم، بل لمعرفة أين يعملون، و ما المهارات التي افتقدوها، و لماذا تعثر بعضهم في الانتقال إلى العمل.
برأيي المتواضع فإن أزمة هذا الجيل ليست في نقص الطموح، بل في أنه تلقى وعداً قديماً داخل اقتصاد جديد. لا يجوز أن نقول للخريج إن شهادته تكفي، ثم نلومه عندما لا يجد وظيفة، كما لا يجوز أن نحمله وحده مسؤولية بنية اقتصادية ضعيفة. النافذة الحقيقية تبدأ حين تعترف الجامعة بتحولات العمل، و يعترف الاقتصاد بقيمة المعرفة، و تعترف الدولة بأن حماية العامل يجب أن تمتد إلى الوظيفة التقليدية و العمل المرن معاً. عندها لا يعود الخريج منتظراً أمام باب التعيين، بل يصبح قادراً على رؤية أكثر من طريق إلى المستقبل.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- -جدار مائي- يغمر مدينة في تكساس.. فيضانات تتجاوز كارثة العام ...
- الكنيست الإسرائيلي يصوت على حل نفسه والانتخابات في هذا الموع ...
- FDA الأمريكية توافق على أول بديل فموي لحقن الكوليسترول المكل ...
- آندي بيرنهام: لماذا يعد رئيس الوزراء البريطاني الجديد لغزاً ...
- نفوق الأسد الصيني -هان هان- صاحب التسريحة الفريدة (صور)
- كييف تواصل تمجيد النازيين رغم التحذيرات الأوروبية
- الهند تدشن أول قطار هيدروجيني محلي الصنع (فيديو)
- جعجع: لبنان قطع 70% من طريق الدولة الفعلية و-حزب الله- لم يع ...
- الدفاع الروسية تحصي خسائر قوات كييف خلال أسبوع
- الكرملين ردا على ترامب: نرفض اتهام روسيا بالتدخل في الانتخاب ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاقتصاد المرن – مقال رأي