أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول -مسلمة- - مقال رأي














المزيد.....

العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول -مسلمة- - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 14:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كلما طُرحت العلمانية في العراق عاد الجدل نفسه: هل هي ضرورة لبناء الدولة؟ أم أنها تتعارض مع هوية المجتمع؟ و غالباً ما يتحول النقاش إلى مواجهة فكرية بين مؤيد و معارض، في حين يبتعد النقاش عن القضايا العملية الأكثر إلحاحاً. لكن إذا نظرنا إلى تجارب الدول المسلمة التي حققت مستويات أفضل من الاستقرار أو التنمية أو بناء المؤسسات، سنجد أن نجاحها لم يكن نتيجة نموذج أيديولوجي واحد، بل نتيجة قدرتها على بناء دولة مؤسساتية فاعلة.
تركيا تُطرح عادة بوصفها النموذج الأشهر للعلمانية في الشرق الأوسط. فمنذ تأسيس الجمهورية اتجهت الدولة بقيادة اتاتورك إلى بناء نموذج علماني هدفه تحديث الإدارة و التعليم و القانون و مؤسسات الدولة. و قد ساعد ذلك في تكوين جهاز إداري حديث و دعم التحول الاقتصادي و الاجتماعي. لكن التجربة التركية نفسها تكشف درساً مهماً؛ فبعد عقود من العلمانية الصارمة عاد الدين بقوة إلى المجال العام دون أن تنهار الدولة. و هذا يشير إلى أن نجاح التجربة لم يكن في إضعاف الهوية الدينية، بل في بناء مؤسسات الدولة أولاً.
أما تونس فقد سلكت مساراً مختلفاً. فمشروع الحبيب بورقيبة ركز على تحديث المجتمع و التعليم و الإدارة و إصلاح قوانين الأحوال الشخصية و توسيع دور المرأة. و رغم الجدل المستمر حول بعض السياسات، بقيت التجربة التونسية إحدى أكثر التجارب العربية ارتباطاً بفكرة الدولة المدنية. اللافت أن تونس حققت خلال العقود الماضية مستويات مرتفعة نسبياً في التعليم و التنمية البشرية مقارنة بعدد من دول المنطقة، رغم محدودية مواردها الطبيعية.
لكن النموذج الأكثر إثارة للاهتمام ربما يكون ماليزيا. فماليزيا لم تتبن علمانية صارمة على النمط التركي، ولم تتحول إلى دولة دينية بالمعنى التقليدي، بل ركزت على التنمية. خلال العقود الماضية تحولت من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على المواد الأولية إلى اقتصاد صناعي و تقني متنوع. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر وفق خط الدخل الأعلى انخفضت إلى نحو 2.3% فقط عام 2021، بينما حافظت البلاد على مؤشرات تشغيل مستقرة نسبياً، إذ بلغ معدل البطالة نحو 3.1% في عام 2025.
في هذه النماذج الثلاثة لا نجد وصفة واحدة جاهزة يمكن نقلها أو استنساخها، بل نجد مسارات مختلفة تشكلت وفق خصوصية كل مجتمع و ظروفه، إلا أن جميعها اشتركت في هدف أساسي يتمثل ببناء دولة قادرة على تحقيق التنمية و إدارة التنوع و تعزيز الاستقرار. تركيا اتجهت نحو العلمانية المؤسساتية، تونس ركزت على الإصلاح الاجتماعي، و ماليزيا جعلت التنمية أولوية. لكن العامل المشترك بينها كان بناء الدولة و الاستثمار في الإنسان.
في العراق، تبدو المسألة أكثر تعقيداً، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بالأفكار بقدر ارتباطها ببنية الدولة و طريقة إدارتها للمجتمع و التنوع. فمنذ عام 2003 لم يكن الجدل الحقيقي حول مقدار حضور الدين في الحياة العامة، بل حول شكل الدولة نفسها. فالنظام السياسي تأسس ضمن بيئة المحاصصة الطائفية و الإثنية، و تحولت الانتماءات الفرعية تدريجياً من مكونات اجتماعية إلى عناصر مؤثرة في تنظيم المجال السياسي و الإداري.
و في الوقت الذي يمتلك فيه العراق موارد نفطية كبيرة، ما زالت تحديات البطالة و تنويع الاقتصاد و بناء المؤسسات قائمة. كما أن دول العالم الإسلامي نفسها تواجه تحديات سوق العمل، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن بطالة الشباب في دول منظمة التعاون الإسلامي تقارب 10.9%، مع وجود أكثر من ربع الشباب خارج التعليم أو التدريب أو العمل. و هذه الأرقام تجعل سؤال التنمية و بناء الدولة أكثر إلحاحاً من الجدل النظري وحده.
العراق لا يحتاج بالضرورة إلى استنساخ التجربة التركية أو التونسية أو الماليزية. فلكل دولة ظروفها التاريخية و الاجتماعية. لكنه يحتاج إلى الاستفادة من الدرس المشترك بينها: لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون مؤسسات قوية، و تعليم فعال، و اقتصاد منتج، و هوية وطنية تتجاوز الانقسام.
برأيي المتواضع، فإن مستقبل العراق لن يُحسم بسؤال بديهي: هل نريد العلمانية أم لا؟ بل بسؤال أكثر جوهرية: هل نستطيع بناء دولة تكون المواطنة فيها الهوية العليا التي تتقدم على جميع الانتماءات الفرعية؟ فالهويات الفرعية قد تبقى ضمن المجال الاجتماعي أو الشخصي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أساس لتنظيم الدولة أو إدارة مؤسساتها. و على المدى البعيد، قد يكون تطور مفهوم المواطنة و ترسخه كفيلاً بتراجع هذه الانقسامات تدريجياً لصالح هوية وطنية جامعة. لأن نجاح الدول لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، و اقتصاد منتج، و مجتمع يرى في المواطنة أساس الانتماء و مرتكز العلاقة بين الفرد و الدولة.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- ناسا تسابق الزمن لبناء قاعدة دائمة على سطح القمر
- رغم خطط التنويع.. اعتماد ألماني متصاعد على الصين في قطاعات ح ...
- تراجع -تاريخي- في عدد المواليد بالمغرب وتونس والجزائر يهدد ا ...
- جنوب الصومال: كارثة إنسانية صامتة تتوسع مع اشتداد الجفاف
- فتح تحقق في شبهات حملات تشهير خارجية طالت مرشحين من حزب -فرن ...
- بين التخويف والطمأنة.. كيف أخفقت الصحافة في تغطية الأوبئة؟
- الصدر يعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار والتحاقها بالدولة ا ...
- فلسطينيو الضفة يستقبلون عيد الأضحى برواتب منقوصة وأسواق راكد ...
- وصفه الاحتلال بـ-آخر القادة الكبار-.. غزة تشيع القيادي في ال ...
- السعودية: الحجاج يؤدون طواف الإفاضة وسط خدمات متكاملة


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول -مسلمة- - مقال رأي