أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين المستمر – مقال رأي















المزيد.....

الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين المستمر – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 09:43
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


حصول أي برنامج أكاديمي على الاعتماد البرامجي ليس خبراً إدارياً عابراً، و لا مجرد إضافة شكلية إلى سجل المؤسسة التعليمية. هو، في جوهره، اعتراف بأن البرنامج قطع شوطاً مهماً في بناء منظومة تعليمية قابلة للتقييم، و أن أداءه لم يعد يُقاس فقط بعدد الطلبة المقبولين أو المتخرجين، بل بمدى وضوح أهدافه، و سلامة مخرجاته، و وجود آليات حقيقية للمراجعة و التحسين المستمر.
تزداد أهمية هذا الموضوع اليوم لأن التعليم العالي لم يعد قطاعاً محدوداً أو نخبوياً كما كان في السابق. فبحسب بيانات اليونسكو، تجاوز عدد طلبة التعليم العالي في العالم 264 مليون طالب، بعد أن كان أقل من نصف هذا العدد تقريباً في بداية الألفية. هذا الاتساع الكبير جعل السؤال عن الجودة أكثر إلحاحاً: هل كل توسع في أعداد الطلبة يقابله توسع مماثل في جودة التعليم؟ هل تعني زيادة عدد الجامعات و البرامج زيادة تلقائية في كفاءة الخريجين؟ الجواب الواقعي هو لا. لذلك أصبح الاعتماد البرامجي واحداً من الأدوات المهمة التي تساعد على التمييز بين التعليم بوصفه نشاطاً إدارياً، و التعليم بوصفه منظومة مخرجات قابلة للقياس.
الاعتماد البرامجي يعني أن البرنامج خرج من دائرة العمل التعليمي التقليدي، الذي يركز غالباً على إكمال المفردات و إجراء الامتحانات، إلى دائرة أكثر نضجاً تسأل أسئلة جوهرية: ماذا تعلم الطالب فعلاً؟ هل يمتلك الخريج الحد المقبول من المعرفة و المهارات؟ هل يستطيع تطبيق ما تعلمه في سياقات عملية؟ هل توجد أدلة موثقة على تحقق مخرجات التعلم؟ و هل يمتلك البرنامج القدرة على مراجعة نقاط ضعفه و معالجتها؟ هذه الأسئلة هي جوهر التعليم الحديث، لأنها تنقل الجامعة من منطق تقديم المحاضرة إلى منطق بناء الكفاءة.
بالنسبة لأي قسم أو برنامج أكاديمي، يمثل الاعتماد البرامجي نقطة قوة واضحة، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة. فهو يمنح البرنامج صفة موثقة أمام الطلبة، و أولياء الأمور، و سوق العمل، و المؤسسات الأكاديمية الأخرى. لكنه لا يعني أن البرنامج بلغ نهاية الطريق. على العكس، الاعتماد الحقيقي يبدأ بعد الحصول عليه، لأن المحافظة عليه تتطلب عملاً مستمراً في تحديث المناهج، و تطوير طرائق التدريس، و تحسين أدوات التقويم، و تحليل نتائج الطلبة، و إشراك أصحاب المصلحة في مراجعة مسار البرنامج.
و تكشف التجارب الدولية أن الاعتماد لم يعد ممارسة محلية ضيقة. فمثلاً، تشير بيانات ABET إلى وجود آلاف البرامج المعتمدة في مئات الجامعات و الكليات عبر عشرات الدول، مع تخرج أكثر من مئتي ألف طالب سنوياً من برامج معتمدة لديها. قد لا تكون هذه التجربة نسخة جاهزة لكل بلد، و لا ينبغي التعامل معها بوصفها النموذج الوحيد، لكنها توضح أن العالم يتجه نحو لغة مشتركة في التعليم الهندسي و التقني: مخرجات تعلم محددة، تقييم دوري، مراجعة خارجية، و تحسين مستمر.
أما على مستوى الجامعة، فإن اعتماد أحد برامجها يعزز صورتها بوصفها مؤسسة قادرة على إدارة التعليم وفق معايير واضحة، و ليس فقط وفق التقاليد الأكاديمية المتوارثة. فالجامعة اليوم لا تستطيع أن تعتمد على تاريخها أو اسمها وحدهما. السمعة الأكاديمية الحديثة تحتاج إلى أدلة: خطط دراسية، مخرجات تعلم، تقارير تقييم ذاتي، مؤشرات أداء، لجان مراجعة، و خطط تحسين موثقة. و كلما زاد عدد البرامج المعتمدة داخل الجامعة، اقتربت المؤسسة من بناء ثقافة جودة راسخة، لا تقوم على الجهد الفردي فقط، بل على النظام المؤسسي.
في العراق، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة. فقد أشار البنك الدولي إلى أن التعليم العالي العراقي شهد توسعاً واضحاً، مع زيادة تقارب 25% في الالتحاق بالجامعات الحكومية خلال سنوات سابقة، لكنه أشار أيضاً إلى أن نسبة الوصول إلى التعليم العالي بين الفئة العمرية الجامعية بقيت بحدود 19%، وهي أقل من بعض بلدان المنطقة. و الأهم أن أكثر من ربع خريجي التعليم العالي في العراق كانوا عاطلين عن العمل أو خارج قوة العمل. هذه الأرقام لا تقلل من قيمة الجامعة، لكنها تضعها أمام سؤال حقيقي: كيف يمكن أن يصبح الخريج أكثر جاهزية، و كيف يمكن أن يتحول البرنامج الدراسي إلى مسار واضح نحو الكفاءة، لا مجرد سنوات دراسية تنتهي بشهادة؟
الأهمية الأعمق للاعتماد البرامجي أنه يعيد الطالب إلى مركز العملية التعليمية. فالطالب ليس رقماً في قاعة دراسية، و لا اسماً في سجل الامتحانات، بل هو الناتج الحقيقي للبرنامج. لذلك يصبح السؤال الأكثر أهمية هو: هل خرج الطالب من البرنامج بقدرة أفضل على التفكير، و التحليل، و حل المشكلات، و العمل ضمن فريق، و التواصل، و الالتزام بأخلاقيات المهنة؟ عندما تُقاس هذه الجوانب بصورة منتظمة، تصبح الشهادة الجامعية أكثر معنى، لأنها لا تعبر فقط عن سنوات دراسة، بل عن مستوى محدد من الكفاءة.
و من الناحية المهنية، يساعد الاعتماد البرامجي على تضييق الفجوة بين الجامعة و سوق العمل. فهو لا يضمن التوظيف المباشر، و لا يحل وحده مشكلات الاقتصاد أو محدودية فرص العمل، خصوصاً في بلد تشير تقديرات دولية حديثة إلى أن بطالة الشباب فيه تدور حول ثلث قوة العمل الشابة تقريباً. لكنه يرفع ثقة الجهات المستفيدة بأن الخريج جاء من برنامج يخضع للمراجعة، و أن المنهج لا يُدار بعشوائية، و أن هناك محاولة حقيقية لربط التعليم بمتطلبات المهنة. و في عالم تتغير فيه المهارات المطلوبة بسرعة، تصبح هذه النقطة ذات قيمة كبيرة.
لكن من الضروري ألا يُتعامل مع الاعتماد كوثيقة للاحتفال فقط. التحدي الأهم هو ألا يبقى الاعتماد مجرد صفة إدارية، بل أن ينعكس على القاعة الدراسية، و المختبر، و مشروع التخرج، و التدريب، و طرائق التقييم. ببساطة، الاعتماد الجيد يجب أن يُترجم إلى إجراءات ملموسة: تحديث مستمر للمفردات، تقوية الجانب العملي، تدريب التدريسيين، تحسين البنية التحتية، متابعة الخريجين، و الاستفادة من ملاحظات الطلبة و أرباب العمل. من دون هذه الخطوات، يفقد الاعتماد جزءاً مهماً من قيمته العملية.
برأيي المتواضع، فإن حصول أي برنامج أكاديمي على الاعتماد البرامجي يمثل خطوة إيجابية نحو تعليم جامعي أكثر انضباطاً، و أكثر قدرة على إثبات جودته. لكنه أيضاً تكليف قبل أن يكون تشريفاً. فهو يضع البرنامج و الجامعة أمام مسؤولية المحافظة على المستوى، و تطوير الأداء، و تحويل الجودة من ملف إداري إلى ممارسة يومية. و إذا تم التعامل معه بجدية، فإن أثره لن يقف عند حدود وثيقة رسمية، بل سيمتد إلى خريج أكثر كفاءة، و برنامج أكثر وضوحاً، و جامعة أكثر قدرة على المنافسة و الاعتراف الأكاديمي.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- سفير إسرائيل في أمريكا يتحدث لـCNN عن -الخلافات- مع واشنطن ب ...
- أول تعليق لترامب على سقوط مروحية أمريكية قرب مضيق هرمز
- ترامب: قد نتوصل لاتفاق مع إيران في غضون يومين أو ثلاثة.. وسي ...
- ترامب: المفاوضات بشأن الاتفاق مع إيران في مراحلها الأخيرة.
- أوكرانيا: غارات روسية دامية على خاركيف وزيلينسكي يبحث المفاو ...
- غارديان: العلاقة المعقدة بين ترمب ونتنياهو تهدد هدنة الشرق ا ...
- رحيل سليمة المختار.. كيف حفظت العائلة ذاكرة عمر المختار عبر ...
- أخيرا.. -سيري- يتحول إلى مساعد ذكاء اصطناعي متكامل
- سباق تسلح محتدم.. تقرير يكشف الدولة الأكثر إنفاقا نوويا
- سقوط هليكوبتر أميركية قرب مضيق هرمز.. وإنقاذ طاقمها


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين المستمر – مقال رأي