أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-















المزيد.....

المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 13:07
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


بصورة عامة فأن المرأة لا تسعى للجوء لأنها تحب الرحيل، و لا تغادر بيتها أو مدينتها أو بلدها كما يغادر الإنسان مكاناً ضاق به مؤقتاً. في الكثير من الحالات، يكون اللجوء آخر خيار لها بعد أن تفشل الأسرة، و المجتمع، و الدولة في توفير الحد الأدنى من الأمان. لذلك، فإن السؤال العادل ليس: لماذا تركت المرأة وطنها؟ بل: ما الذي جعل البقاء مستحيلاً إلى هذه الدرجة؟ خلف كل امرأة لاجئة توجد غالباً شبكة من العوامل المتداخلة: عنف سياسي، فقر، خوف، تمييز ديني، ضغط اجتماعي، و أحياناً اضطهاد قومي أو إثني يحوّل الهوية نفسها إلى خطر يومي.
الأرقام العالمية تكشف أن هذه ليست ظاهرة هامشية. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصل عدد النازحين قسراً في نهاية عام 2024 إلى نحو 123.2 مليون إنسان، أي ما يعادل شخصاً واحداً من كل 67 شخصاً في العالم. هذا الرقم لا يصف حركة بشرية عادية، بل يصف عالماً تتوسع فيه الحروب، و النزاعات الداخلية، و الاستقطاب الاجتماعي القائم على الانتماء، و فشل الدولة في حماية مواطنيها. و عندما يتحول المجتمع إلى بيئة طاردة، تدفع المرأة الثمن مضاعفاً، لأنها لا تواجه العنف العام فقط، بل تواجه أيضاً العنف الخاص داخل البيت و العائلة و الجماعة.
أحد الأسباب المهمة للجوء النساء هو التفسير الديني المتشدد الذي يُستخدم لتبرير السيطرة على الجسد و الحركة و التعليم و الزواج و الاختيار الشخصي. المشكلة هنا ليست في وجود الدين كإيمان فردي، بل في تحويله إلى سلطة اجتماعية قسرية تُستخدم ضد المرأة. في بعض البيئات، تُمنع المرأة من التعليم أو العمل باسم “الحماية”، و تُجبر على الزواج باسم “الستر” بل و حتى اختيار الشريك و انتماءه بغض النظر عن ملائمته، و تُراقب حركتها باسم “الشرف”. و إذا رفضت، تتحول إلى متهمة أخلاقياً قبل أن تُسمع قصتها. هذا النوع من الضغط قد لا يظهر دائماً في نشرات الأخبار، لكنه يدفع كثيرات إلى الهرب من عائلة أو جماعة أو بلد كامل.
العامل الاجتماعي لا يقل قسوة. فالمجتمعات التي تربط كرامة العائلة بسلوك المرأة تضعها في موضع هش دائماً. قد تكون ضحية عنف، لكنها تُعامل كأنها سبب الفضيحة. و قد تطلب الطلاق أو الحماية، فتُتهم بأنها خرجت على العرف. و قد تسعى إلى التعليم أو العمل، فيُنظر إليها كأنها تهدد سلطة الأسرة. هنا يصبح المجتمع سجناً ناعماً؛ لا يحتاج دائماً إلى السلاح، لأنه يستخدم الخوف و السمعة و العزل و الضغط النفسي. و في حالات الزواج المبكر، تذكر UNICEF أن الفقر، و الأعراف الاجتماعية، و مفاهيم الشرف، و بعض القوانين العرفية أو الدينية التي تتسامح مع الممارسة، كلها عوامل تزيد تعرض الفتيات لهذا النوع من الانتهاك.
أما السبب القومي أو الإثني، فهو من أكثر أسباب اللجوء قسوة، لأنه يجعل المرأة مستهدفة لا بسبب فعل قامت به، بل بسبب أصلها أو لغتها أو انتمائها. حالة الروهينغا مثال واضح على ذلك؛ فهم أقلية مسلمة عديمة الجنسية إلى حد كبير في ميانمار، و يعيش نحو 1.2 مليون منهم في بنغلادش، بينما وصل نحو 150 ألفاً آخرين منذ أوائل عام 2024 بسبب تجدد العنف. في مثل هذه الحالة، لا تهرب المرأة من الفقر فقط، بل من هوية أصبحت مهددة، و من نظام سياسي و اجتماعي يطردها من معنى المواطنة قبل أن يطردها من الأرض.
و في العراق، تكشف مأساة الإيزيديات الوجه الأشد قسوة لهذا النوع من الاضطهاد. فقد وصفت لجان و هيئات أممية ما تعرض له الإيزيديون على يد التنظيم الإرهابي بأنه حملة إبادة، لم تقتصر على القتل و التهجير، بل شملت السبي، و الاستعباد الجنسي، و النقل القسري للنساء و الأطفال. و تشير تقديرات حقوقية إلى أن نحو 7000 امرأة و فتاة إيزيدية تعرضن للأسر و الاستعباد، و أن آلافاً منهن ظللن مفقودات لسنوات. لكن الجريمة لم تنتهِ دائماً بخروج النساء من قبضة التنظيم؛ فقد بدأت بعدها محنة أخرى، أكثر صمتاً و التباساً. فالعديد من الناجيات عُدن إلى مجتمع جريح حاول احتضانهن و الاعتراف بمعاناتهن، غير أن الأطفال الذين وُلدوا خلال فترة السبي ظلوا في حالات عديدة خارج دائرة القبول. و بذلك، وُضعت بعض الأمهات أمام معادلة لا إنسانية: النجاة من السبي، ثم الاختيار بين الانتماء إلى الجماعة و البقاء مع الطفل. هنا يصبح اللجوء مرة ثانية ليس بحثاً عن بلد أفضل، بل دفاعاً عن طفل مهدد بالرفض، و عن أمومة لا تقبل أن يتحول الطفل إلى امتداد رمزي للجاني. إن هذه المأساة تكشف أن العنف ضد المرأة لا ينتهي بانتهاء الفعل الإجرامي الأول، بل قد يستمر في الذاكرة، و القانون، و الأعراف، و في الأسئلة القاسية التي يتركها المجتمع بلا جواب.
أما قضية القبطيات في مصر فتحتاج إلى تناول حذر، لأنها تقع في منطقة متداخلة بين الشهادات الحقوقية و الرواية الرسمية. تطرح منظمات قبطية و حقوقية اتهامات متكررة عن اختفاء نساء و فتيات قبطيات، و عن حالات زواج أو تغيير دين تحت ضغط اجتماعي أو عائلي أو طائفي، بينما تميل السلطات غالباً إلى تفسير بعض الحالات بوصفها قرارات فردية أو نزاعات أسرية. و حتى مع هذا الجدل، فإن مجرد تكرار القلق داخل أقلية دينية يكشف هشاشة وضع المرأة عندما تتقاطع أنوثتها مع انتمائها الديني. فالمرأة في هذه الحالات لا تُرى كفرد كامل الإرادة فقط، بل قد تتحول إلى رمز صراع بين جماعتين، و هذا بحد ذاته شكل من أشكال العنف الرمزي و الاجتماعي.
و مع ذلك، فإن اللجوء لا يعني نهاية الظلم. المرأة التي تهرب من العنف قد تجد نفسها في مخيم مزدحم، أو نظام لجوء بطيء، أو سوق عمل مغلق، أو بيئة جديدة تستغل حاجتها. حذرت UNHCR في عام 2024 من أن أكثر من 60 مليون امرأة و فتاة نازحة قسراً أو عديمة الجنسية يواجهن مخاطر مرتفعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي. و تشير UN Women إلى أن تمويل برامج الحماية من هذا العنف لم يشكل في عام 2024 سوى 1.3% من التمويل الإنساني المستلم. هذا يعني أن العالم يعترف بالمشكلة لغوياً، لكنه لا يمول حمايتها بما يكفي عملياً.
إن اختزال المرأة اللاجئة في صورة الضحية وحدها ظلم آخر. هي ضحية ظروف قاسية، نعم، لكنها أيضاً إنسانة قادرة على بناء حياة جديدة إذا توفرت لها حماية قانونية، و تعليم، و عمل، و دعم نفسي، و مسار آمن للاندماج. ما تحتاجه ليس الشفقة، بل العدالة. و العدالة تبدأ من الاعتراف بأن اللجوء النسوي ليس حادثاً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لمنظومات دينية متشددة، و اجتماعية خانقة، و قومية عنيفة، و دول فشلت في حماية مواطنيها.
برأيي المتواضع، فإن المرأة لا تهرب من وطنها إلا عندما يتحول الوطن إلى مساحة خوف. و حين تصل إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال عن جرأتها في الرحيل، بل عن جبن العالم في تركها وحيدة أمام واقع ظالم.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- هذا الغضب كله كان حبا يومًا ما.. حكاية النساء اللواتي أبقين ...
- شهادات عن جرائم جنسية بحق ناشطات من -أسطول الصمود- على يد جن ...
- إصابة امرأة إثر سقوط قذائف صاروخية شمالي إسرائيل والجبهة الد ...
- هان سيونج-سوك مرشحة لرئاسة وزراء كوريا الجنوبية كأول امرأة م ...
- مركز حقوقي يطالب بتحقيق في اغتصاب صحفية ألمانية بسجن إسرائيل ...
- تسهيلات بن غفير في تراخيص السلاح تعود للواجهة: تقرير عبري يك ...
- الأولى منذ 20 عاما.. كوريا الجنوبية ترشح امرأة لرئاسة الوزرا ...
- مريم ساترابي: المرأة التي أبدعت طريقة جديدة لرواية قصة إيران ...
- هل يستغل التيك توك أجساد النساء؟
- الكويت: الحكم بسجن الإعلامية زينب دشتي 3 سنوات


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-