أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون تغيير آليات الدولة؟ - مقال رأي














المزيد.....

الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون تغيير آليات الدولة؟ - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كثيراً ما يُختزل الحديث عن الإصلاح الحكومي في العراق بتغيير وزير، أو استبدال مدير عام، أو تشكيل لجنة جديدة، أو إطلاق شعار إداري يبدو جذاباً في الإعلام. و رغم أن تغيير الأشخاص قد يكون ضرورياً أحياناً، إلا أنه يبقى إصلاحاً ناقصاً إذا لم يمسّ الآليات التي تنتج الخلل نفسه. فالمشكلة في الدولة العراقية لا تكمن دائماً في الوجوه فقط، بل في طريقة عمل المؤسسات، و في منظومة القرار، و في علاقة السياسة بالإدارة، و في غياب القياس الحقيقي للأداء. لهذا فإن تغيير الأشخاص داخل آليات قديمة يشبه استبدال السائق في سيارة معطلة؛ قد يتغير أسلوب القيادة، لكن نفس العطل سيبقى في المحرك.
الإصلاح الجاد يبدأ من سؤال بسيط: كيف تعمل الدولة؟ لا من سؤال: من يشغل هذا المنصب؟ ففي الدول المستقرة لا تعتمد الإدارة العامة على المزاج الشخصي للمسؤول، بل على إجراءات واضحة، و صلاحيات محددة، و أنظمة رقابة، و بيانات قابلة للفحص، و مساءلة مرتبطة بالنتائج. أما عندما تكون المؤسسة قائمة على العلاقات، و المحاصصة، و التعليمات المتغيرة، فإن أي مسؤول جديد سيجد نفسه محكوماً بالمنطق القديم نفسه، حتى لو امتلك نية حسنة أو خطاباً إصلاحياً مقنعاً.
الأرقام العراقية تكشف حجم المشكلة. فالعراق، بحسب بيانات البنك الدولي، بلغ عدد سكانه أكثر من 46 مليون نسمة في عام 2024، و هذا يعني أن الدولة تتعامل مع مجتمع واسع و شاب و سريع النمو. و في المقابل، بلغ معدل البطالة الكلي 15.5% في عام 2024، بينما أظهر مسح قوة العمل لعام 2021 أن بطالة الشباب وصلت إلى 35.8%. هذه ليست أرقاماً هامشية، بل مؤشرات على أن الجهاز الاقتصادي و الإداري لا ينتج فرصاً كافية، و أن الدولة تحولت في نظر كثيرين إلى جهة توظيف لا إلى جهة تنظيم و تمكين و تخطيط.
تزداد الصورة تعقيداً حين نرى أن معدل المشاركة في قوة العمل في العراق بلغ 39.5% فقط في مسح عام 2021، و أن مشاركة النساء لم تتجاوز 10.6%. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من الطاقة البشرية خارج النشاط الاقتصادي المنظم. و حين تفشل الدولة في تحويل السكان إلى قوة إنتاج، فإنها تضطر لاحقاً إلى إدارة نتائج الفشل: بطالة، فقر، اعتماد على الوظيفة العامة، ضغط اجتماعي، و توسع في الاقتصاد غير الرسمي. هنا لا يعود الإصلاح مجرد تبديل إداري، بل يصبح إعادة بناء للعلاقة بين الدولة و المجتمع و السوق.
ومن أخطر مظاهر الخلل أن الاقتصاد العراقي ما زال شديد الارتباط بالنفط. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النفط شكّل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و 88% من إيرادات الحكومة، و 91% من الصادرات السلعية. هذه البنية تجعل الدولة حساسة جداً لأي هبوط في أسعار النفط أو اضطراب في التصدير. و عندما تكون الإيرادات العامة مرتبطة بمصدر واحد، تصبح السياسة المالية أسيرة الدورة النفطية، و يصبح الإصلاح الإداري مؤجلاً كلما ارتفعت الأسعار، و مؤلماً كلما انخفضت.
في مثل هذا السياق، لا يكفي أن يأتي مسؤول جديد و يعد بمحاربة الفساد. فالعراق حصل في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 على درجة 28 من 100، و جاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. هذا الرقم لا يعني فقط وجود فساد مالي مباشر، بل يشير إلى ضعف الثقة العامة في نزاهة القطاع العام. و الفساد هنا ليس مجرد رشوة فردية، بل منظومة حوافز تسمح بتسييس القرار، و إضعاف المنافسة، و تعطيل الكفاءة، و تحويل المنصب العام إلى مورد نفوذ.
الإصلاح الحقيقي يجب أن ينتقل من الأشخاص إلى القواعد. اذ لا يمكن بناء إدارة كفوءة من دون وصف وظيفي واضح، و لا يمكن تقييم المؤسسات من دون مؤشرات أداء، و لا يمكن ضبط الإنفاق من دون موازنات برامج، و لا يمكن تقليل الفساد من دون أتمتة الإجراءات و تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن و الموظف. كما لا يمكن تطوير الخدمات إذا بقيت التعيينات، و العقود، و الترقيات، و الإحالات، و المشاريع خاضعة للتوازنات السياسية أكثر من خضوعها للجدوى و الكفاءة.
المشكلة أن الخطاب الإصلاحي في العراق كثيراً ما يفضل الحلول المرئية السريعة: إقالة، نقل، دمج شكلي، حملة تفتيش، أو إعلان منصة إلكترونية. هذه الإجراءات قد تكون نافعة جزئياً، لكنها لا تكفي إذا بقيت قواعد العمل كما هي. فالإصلاح ليس استعراضاً إدارياً، بل هندسة مؤسسية. و الهندسة المؤسسية تعني أن تكون الصلاحية مرتبطة بالمسؤولية، و الإنفاق مرتبطاً بالمخرجات، و القرار مبنياً على البيانات، و الإدارة محمية نسبياً من التدخل السياسي اليومي.
برأيي المتواضع، فإن الإصلاح الحكومي المفترض في العراق يجب أن يبدأ من خمس نقاط عملية: إعادة تعريف دور الدولة من التوظيف إلى التنظيم و تقديم الخدمة؛ بناء نظام وطني لقياس أداء الوزارات و المحافظات؛ أتمتة الخدمات ذات الاحتكاك العالي للحد من الفساد؛ إصلاح نظام التعيين و الترقية على أساس الكفاءة؛ و ربط الموازنة بالنتائج لا بمجرد الأبواب التقليدية للإنفاق. من دون ذلك سيبقى الإصلاح يدور في حلقة مغلقة، حيث تتغير الأسماء و تبقى الآليات، و تتبدل الشعارات و تستمر النتائج نفسها.
الخلاصة أن العراق لا يحتاج فقط إلى وجوه جديدة، بل إلى طريقة جديدة في تشغيل الدولة. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد المسؤولين الذين يتحدثون عن الإصلاح، بل بقدرتها على إنتاج خدمات أفضل، و فرص عمل أكثر، و إنفاق أكثر عقلانية، و ثقة أعلى بين المواطن و المؤسسة. أما تغيير الوجوه من دون تغيير آليات الدولة، فهو ليس إصلاحاً؛ إنه إعادة تدوير للمشكلة بملامح مختلفة.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- هجوم روسي كبير على كييف بالصواريخ والمسيرات.. إليك ما خلّفه ...
- فيديو يوثّق لحظة انفجار ضخم بمصنع للألعاب النارية في مالطا
- ترامب يقول إنّ إسرائيل وحزب الله وافقا على وقف القتال
- نزاع استثماري في دمشق .. -ماروتا سيتي- بين زمني الأسد والشرع ...
- وداعا جمال مسلم وداعا المناضل الاستثنائي
- الحرس الثوري يعلن استهداف سفينة ردا على هجوم أمريكي مماثل
- دقيقة حركة كل ساعة، هل تحمينا من مخاطر الجلوس الطويل؟
- قتلى بهجمات روسية على أوكرانيا وبوتين يتوعد منفذي هجوم كلية ...
- ترامب يضع نفسه في صدارة احتفالات الولايات المتحدة بمرور 250 ...
- ترمب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان وغوتيريش يطرح خيارات للوجود الأ ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون تغيير آليات الدولة؟ - مقال رأي