أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق إلى عدالة المواطنة – مقال رأي














المزيد.....

حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق إلى عدالة المواطنة – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 18:17
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


ليست حقوق المرأة منحة اجتماعية، و لا تفضلاً من الدولة أو العائلة أو المؤسسة. هي حقوق أصلية، تبدأ من التعليم و الصحة و العمل و حرية الاختيار، و تنتهي عند سؤال أعمق: هل تُعامل المرأة بوصفها مواطنة كاملة، أم بوصفها كائناً يحتاج دائماً إلى وصاية؟
في العراق، لا تكمن المشكلة غالباً في غياب النصوص فقط، بل في ضعف انتقالها إلى الحياة اليومية. فالدستور العراقي ينص على المساواة أمام القانون و تكافؤ الفرص و حرية الفكر و الضمير، لكن الواقع الاجتماعي و الإداري كثيراً ما ينتج مسافة واسعة بين النص و التطبيق. لذلك تبدو حقوق المرأة أحياناً كأنها موجودة على الورق، لكنها تتعثر عند باب المدرسة، و المستشفى، و دائرة الدولة، و سوق العمل.
تظهر هذه الفجوة بوضوح في التعليم. تشير اليونيسف إلى أن نحو 3.2 مليون طفل عراقي في سن الدراسة هم خارج المدرسة، و أن الفتيات أقل تمثيلاً في المرحلتين الابتدائية و الثانوية، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزاع و النزوح. هذا الرقم لا يعني أزمة تعليم فقط، بل يعني أن جزءاً من مستقبل النساء يبدأ بالتقلص مبكراً. فالفتاة التي تُبعد عن المدرسة، أو تُدفع إلى تركها، لا تفقد مقعداً دراسياً فقط، بل تفقد جزءاً من قدرتها اللاحقة على العمل، و العلاج، و الدفاع عن نفسها.
و الأخطر أن المدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة معرفة و أمان، قد تتحول أحياناً إلى أول مؤسسة تمارس الضبط الرمزي على جسد الطفلة. إلزام الطالبات و هن دون سن الرشد بزي ديني محدد لا يندرج في إطار حرية الاختيار، بل يدخل في مساحة الإكراه المبكر. فالمشكلة ليست في الزي بحد ذاته، بل في تحويل جسد الطفلة إلى موضوع للضبط الاجتماعي قبل أن تمتلك القدرة القانونية و النفسية على اتخاذ قرار حر. فالطفلة في هذا العمر تحتاج إلى بيئة تعليمية مطمئنة، لا إلى رسالة ضمنية تقول لها إن حضورها في المجال العام مشروط بالخوف و الامتثال. المشكلة هنا ليست في اختيار شخصي ناضج، بل في سلطة تُمارس على طفلة لم تكتمل قدرتها على الاختيار.
و حين ننتقل إلى الصحة، تصبح الفجوة أكثر قسوة. بيانات المرصد العالمي للسرطان لعام 2022 تقدر أن العراق سجل 21,558 حالة سرطان جديدة بين النساء، منها 8,626 حالة سرطان ثدي، أي نحو 40% من سرطانات النساء، مع 11,133 وفاة بالسرطان بين النساء. هذه ليست أرقاماً طبية باردة؛ إنها دليل على أن حق العلاج لا يبدأ عند الدواء، بل عند الفحص المبكر، و كلفة الوصول، و وجود مؤسسة صحية تستقبل المرأة بلا تأخير أو إهمال أو خجل اجتماعي.
كما أن الحق في العمل يكشف وجهاً آخر من المشكلة. تشير بوابة بيانات النوع الاجتماعي في البنك الدولي إلى أن مشاركة النساء في قوة العمل في العراق بلغت 10.9% مقابل 72.6% للرجال في 2025، و أن امتلاك الحسابات المالية عام 2024 كان 18.8% للنساء مقابل 40.8% للرجال. هذه الأرقام تقول ببساطة إن المرأة قد تحمل شهادة، لكنها لا تدخل الاقتصاد بالفرصة نفسها، و قد تكون مواطنة قانونياً، لكنها أقل قدرة على امتلاك أدوات الاستقلال المالي.
حتى التمثيل السياسي لا يكفي وحده. فوجود النساء في البرلمان بنسبة 28.9% عام 2024 لا يعني بالضرورة أن حياة النساء اليومية أصبحت أكثر عدلاً. التمثيل مهم، لكنه لا يتحول إلى إصلاح حقيقي ما لم ينعكس في قوانين حماية، و خدمات صحية، و بيئة تعليمية آمنة، و فرص عمل، و آليات شكوى فعالة.
و من المفارقات أن المخيلة القديمة في حضارات الرافدين لم ترَ المرأة كائناً هامشياً، بل ربطتها بالخلق و الخصب و تجدد الحياة. فقد ظهرت الإلهة الأم و عشتار بوصفهما رمزين للطاقة الكونية و دورة الطبيعة، لا مجرد شخصيات أسطورية بعيدة عن حياة الإنسان. لكن هذه المكانة الرمزية القديمة لا ينبغي أن تخدعنا؛ فالمجتمع الذي مجّد الأنثى في الأسطورة قد لا ينصف المرأة في الواقع الحاضر. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس استعادة صورة المرأة كرمز مقدس، بل الاعتراف بها كمواطنة كاملة الحقوق، لها حق التعليم و العلاج و العمل و الاختيار، من دون وصاية أو انتقاص.
برأيي المتواضع فإن اختبار حقوق المرأة لا يكون في العبارات الجميلة، بل في التفاصيل اليومية التي تكشف موقعها الحقيقي داخل المجتمع: هل تستطيع الفتاة أن تكمل تعليمها؟ هل تستطيع المريضة أن تصل إلى العلاج؟ هل تستطيع العاملة أن تدخل سوق العمل من دون إذلال أو خوف؟ و هل تستطيع الطفلة أن تكبر من دون أن تُحمّل مبكراً عبء جسدها و نظرة الآخرين إليه؟ هنا فقط نفهم أن حقوق المرأة ليست امتيازاً، و لا صورة رمزية نحتفي بها في الماضي، بل مقياس حيّ لمدنية الدولة و عدالة المجتمع.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- بطرسبورغ تخصص مشروع -الجسور المغنية- للاحتفال بيوم الأسرة وا ...
- بلجيكا.. تجربة رائدة في رعاية ضحايا العنف الجنسي ومرافقتهم
- منزل بلا عنوان ثابت.. امرأة تترك منزلها على اليابسة للاستمتا ...
- الجزائر: حرقها أمام طفلتهما.. مقتل عمور سعيدة على يد زوجها
- “أنقذوا أختي من القتل”.. استغاثة مواطنة أردنية بالسلطات لحما ...
- الفلسطينية مريم بشارات تفوز بذهبية الدوري العالمي للكاراتيه ...
- سوريا: احتجاج نسائي للمطالبة بتمثيل عادل في مجلس الشعب
- قرد ينهش امرأة حتى الموت في جنوب روسيا (فيديو)
- دراسة جدلية جديدة تنفي صلة الباراسيتامول أثناء الحمل بالتوحد ...
- -لو فيغارو-: الاشتباه بامرأة ثلاثينية في تفجير موناكو والتحق ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق إلى عدالة المواطنة – مقال رأي