أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عابراً - مقال رأي














المزيد.....

الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عابراً - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 23:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما يُذكر الفساد، يتجه التفكير غالباً إلى الرشاوى الكبيرة، و العقود الضخمة، و الأموال التي تتداولها وسائل الإعلام. لكن هذا التصور، على أهميته، يخفي شكلاً آخر من الفساد قد يكون أكثر انتشاراً و أشد تأثيراً على حياة الناس. إنه الفساد الهادئ؛ ذلك النوع الذي لا يظهر دائماً في ملفات التحقيق أو نشرات الأخبار، لكنه يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى يصبح جزءاً من المألوف.
الفساد الهادئ لا يبدأ من اختفاء ملايين الدولارات، و لا ينتهي بدفاتر الامتحانات المتوجهة الى كييف، بل من قبول الرداءة و القبح باعتبارهما أمراً طبيعياً. يبدأ عندما يعتاد المواطن على معاملة إدارية بطيئة، أو خدمة عامة متدنية، أو مشروع لا يكتمل في موعده، أو طريق يُعاد تأهيله أكثر من مرة خلال سنوات قليلة. هنا لا يكون السؤال: من سرق؟ بل لماذا أصبح الأداء الضعيف أمراً مقبولاً إلى هذه الدرجة؟
في العلوم الإدارية توجد قاعدة معروفة تقول إن الأنظمة لا تنتج ما تتمنى إنتاجه، بل ما صُممت لإنتاجه. وعندما تتكرر الأخطاء نفسها لعقود من دون مساءلة حقيقية، فإن المشكلة لا تعود مجرد أخطاء فردية، بل تتحول إلى جزء من آلية عمل النظام الاداري نفسه. عند هذه النقطة تصبح الرداءة في الاداء و القبح في الناتج سمة مستقرة و قابلة للتكرار، حتى لو لم يكن هناك فاسد واحد يجلس خلف كل قرار.
في العراق، لا يمكن فصل هذا الواقع عن المؤشرات الدولية الخاصة بالحكم الرشيد و مكافحة الفساد. فمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة Transparency International منح العراق 26 نقطة من أصل 100 في تقرير عام 2024، ووضعه في المرتبة 140 من أصل 180 دولة شملها التصنيف. ورغم أن النتيجة تمثل تحسناً مقارنة ببعض السنوات السابقة، فإنها ما تزال تعكس تحديات كبيرة في مجال الشفافية و مكافحة الفساد.
لكن الأرقام وحدها لا تشرح الواقع بالكامل. فالمواطن لا يقيس الفساد عبر التقارير الدولية فقط، بل من خلال تجربته اليومية. عندما يتأخر إنجاز مشروع خدمي سنوات إضافية عن المدة المعلنة، أو عندما تتعطل بنية تحتية جرى افتتاحها حديثاً، أو عندما تُهدر الموارد بسبب سوء التخطيط، فإن النتيجة العملية بالنسبة للمواطن لا تختلف كثيراً عن نتائج الفساد المالي المباشر.
لكن التركيز على القضايا الكبرى وحدها قد يجعلنا نتجاهل المشكلة الأعمق. فالدولة لا تُستنزف فقط عبر الصفقات الكبيرة، بل أيضاً عبر آلاف القرارات الصغيرة غير المدروسة، و المشاريع المتعثرة، و الوظائف التي لا ترتبط بإنتاجية حقيقية، و غياب معايير الكفاءة في بعض مواقع العمل. هذه الممارسات قد لا تُصنف دائماً كجرائم فساد، لكنها تؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها: هدر الموارد العامة و تراجع جودة الخدمات.
ومن اللافت أن بعض المؤشرات الرسمية تشير إلى وجود تحسن نسبي في جوانب الحوكمة. فقد أظهرت بيانات مؤشرات الحوكمة العالمية أن درجة العراق في بعض مؤشرات الفاعلية الحكومية و السيطرة على الفساد سجلت تحسناً خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسن المؤشرات فقط، بل في قدرة المواطن على ملاحظة هذا التحسن في حياته اليومية.
المشكلة أن الفساد الهادئ يمتلك قدرة كبيرة على التكيف. فهو لا يحتاج إلى شبكات معقدة أو مؤامرات كبيرة. يكفي أن يعتاد المجتمع على عبارة "هاي هية - هذا هو الوضع"، أو أن تصبح المعايير المنخفضة هي المعيار الطبيعي الجديد. عندها يتحول التراجع التدريجي في الأداء إلى ثقافة عامة، ويصبح التميز استثناءً يحتاج إلى تفسير، بينما تصبح الرداءة هي القاعدة.
لهذا فإن مواجهة الفساد لا تبدأ فقط من المحاكم و هيئات النزاهة، على أهميتها، بل تبدأ أيضاً من بناء ثقافة مؤسسية تجعل الجودة و الكفاءة و المساءلة جزءاً من الحياة اليومية. فالمجتمعات لا تتضرر فقط عندما ينتشر الفساد الكبير، بل عندما تفقد حساسيتها تجاه الفساد الصغير و الرداءة المتكررة.
برأيي المتواضع، فإن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يثير الضجيج و العناوين الكبرى، بل ذلك الذي يمر بصمت حتى يعتاد عليه الجميع. فعندما تصبح الرداءة أمراً طبيعياً، و تتحول الأخطاء المتكررة إلى مشهد مألوف، يكون المجتمع قد دخل مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد الفساد المالي؛ مرحلة يصبح فيها تراجع المعايير جزءاً من النظام اليومي نفسه. وعندها لا تكون المشكلة في المال المهدور فقط، بل في الثقة المهدورة أيضاً، وهي الخسارة التي تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- كيف تضاربت تصريحات إيران وترامب بشأن إعلانه عن -الاتفاق النه ...
- بعد ساعات من التهديد.. ترامب يلغي الضربات ضد إيران ويعلن موا ...
- بعد تصريحات ترامب.. وكالة -فارس- تنشر رواية مختلفة لمسار الم ...
- ترامب: توصلنا لتفاهم قوي للغاية مع إيران
- تسويات معلقة.. من الليطاني إلى الغبار النووي
- اعتراف جديد من فانس عن الأزمة بين إسرائيل وأمريكا والخلاف بي ...
- اليمن.. مقتل 3 بينهم زوجان سوريان في هجوم مسلح استهدف منزل م ...
- مقاتلة -تايفون- بريطانية تطلق نداء استغاثة في أجواء المملكة ...
- الخارجية الروسية: الولايات المتحدة لم توجه بعد دعوة إلى بوتي ...
- -بينها 5 بلدان عربية-.. ترامب يعلن عن محادثاته مع قادة دول ع ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عابراً - مقال رأي