أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إلى فكرة الحق العام - مقال رأي















المزيد.....

عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إلى فكرة الحق العام - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 16:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كل حديث عن الإصلاح في العراق، نذهب غالباً إلى السلطة، و الأحزاب، و الحكومات، و القوانين، و الفساد الإداري، و هذا كله صحيح و ضروري، لكنه لا يكفي وحده لفهم المشكلة. فالإصلاح لا يفشل فقط لأن الدولة ضعيفة أو لأن المسؤولين لا يريدون التغيير، بل يفشل أيضاً لأن جزءاً من الناس لا يتعاملون مع الإصلاح كحق عام، بل كخطر محتمل على امتياز صغير حصلوا عليه داخل نظام غير عادل. ولهذا تبدو أزمة الإصلاح في العراق أعمق من تبديل الوجوه، لأنها تمس طريقة تفكير المجتمع بالدولة، و القانون، و الحق، و المصلحة.
هنا يمكن استحضار النموذج القاسي الذي استخدمه مالكوم أكس في خطابه المعروف "Message to the Grass Roots"، حين تحدث عن الفرق بين "عبد المنزل" و "عبد الحقل". هذا النموذج لا ينبغي أن يُفهم بمعناه التاريخي الضيق فقط، بل يمكن أن يُقرأ كصورة نفسية و اجتماعية عن طريقة تعامل الإنسان المقهور مع السلطة. فـ "عبد المنزل" يعيش قريباً من السيد، يحصل على بعض الفتات، يشعر أنه أفضل حالاً من غيره، و مع الوقت يبدأ بالدفاع عن البيت الذي لا يملكه. أما "عبد الحقل" فهو بعيد عن مركز الامتياز، يتحمل القسوة المباشرة، و لذلك تكون رؤيته للظلم أوضح و اكثر حرية، لأنه لا يملك ما يخسره سوى قيوده.
في الحالة العراقية، تبدو هذه المقاربة موجعة لكنها مفيدة. فالعراق لا يعاني من انطباعات عامة فقط، بل من مؤشرات واضحة. في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل العراق على 28 درجة من 100، و جاء في مرتبة متأخرة عالمياً، وهذا الرقم لا يعني فساد الدولة وحدها، بل يعني أن الفساد صار جزءاً من صورة القطاع العام في عيون الخبراء و المتعاملين معه. كما يشير البنك الدولي إلى أن معدل البطالة في العراق بلغ نحو 13.5%، مع مشاركة ضعيفة في سوق العمل تقارب 38%، وهي أرقام تكشف أن الدولة بقيت، في وعي كثيرين، مصدر الوظيفة و الحماية و الامتياز أكثر من كونها إطاراً عادلاً لتنظيم الحقوق.
ومن هنا تتضح المشكلة، فكثير من الناس يتحدثون عن الإصلاح، لكنهم في لحظة الاختبار يدافعون عن المنفعة الخاصة، لا عن الحق العام. يطالب المواطن بدولة عادلة، لكنه يبحث عن واسطة عندما تتعطل معاملته. يرفض الفساد في الخطاب العام، لكنه يدفع الرشوة إذا كانت ستختصر له الطريق. ينتقد المحاصصة عندما تحرم أبناءه من فرصة، لكنه يفرح بها إذا جاءت له بوظيفة أو عقد أو استثناء. وهنا تظهر ثقافة "عبد المنزل" بوضوح، ليس لأنها حالة عبودية فعلية، بل لأنها حالة تعلق نفسي و مصلحي بخلل كبير مقابل امتياز صغير.
المشكلة أن الامتياز الصغير في العراق صار أحياناً بديلاً عن المواطنة. فبدلاً من أن يشعر الإنسان أن حقه مضمون بالقانون، يشعر أن أمنه مربوط بشخص، أو حزب، أو شيخ، أو مسؤول، أو علاقة عائلية، أو بطاقة انتماء. هذا النوع من العلاقة لا يصنع مواطناً حراً، بل يصنع شخصاً قلقاً، يعرف أن ما حصل عليه ليس حقاً مستقراً، و لذلك يدافع عن الجهة التي منحته هذا الامتياز حتى لو كانت جزءاً من المشكلة. هو لا يدافع عن الدولة، بل يدافع عن الباب الخلفي الذي دخل منه إلى الدولة.
وتزداد خطورة هذه الحالة عندما نضعها إلى جانب مؤشرات الفقر و الهشاشة الاجتماعية. فبحسب موجز الفقر و الإنصاف للبنك الدولي، بلغ معدل الفقر الوطني في العراق 17.5% في 2023/2024، مع تفاوت واضح بين إقليم كردستان و بغداد و بقية المحافظات الاتحادية، إذ ترتفع النسبة في المحافظات الاتحادية خارج بغداد إلى أكثر من 21%. هذه الأرقام تعني أن ملايين العراقيين يعيشون تحت ضغط يومي يجعلهم أكثر قابلية للقبول بأي امتياز صغير، حتى لو كان امتيازاً غير عادل. فالإنسان الذي يخاف على رزقه قد لا يفكر دائماً كمواطن، بل كفرد يريد النجاة بأي طريقة.
ورغم شيوع التدين الاجتماعي عند الأغلبية، فإن هذا التدين لم يتحول دائماً إلى وعي أخلاقي عام يحمي المال العام و القانون و العدالة. كثيرون يرفعون لغة القيم، لكنهم في السلوك اليومي يقتربون من نموذج "عبد المنزل" أكثر مما يقتربون من نموذج "عبد الحقل". فهم لا يرفضون الظلم من حيث المبدأ، بل يرفضونه عندما يقع عليهم فقط. و لا يكرهون الفساد لأنه فساد، بل يكرهونه عندما لا يكونون جزءاً من فائدته. أما عندما يعطيهم النظام المريض شيئاً صغيراً، فإنهم يتصالحون معه بسرعة، و ربما يتحولون إلى مدافعين عنه، و كأن العدالة العامة يمكن أن تُؤجل إذا حصل الفرد على مصلحة خاصة.
هذا لا يعني أن "عبد الحقل" نموذج مثالي دائماً. فالأغلبية المتضررة قد تكون غاضبة، لكنها ليست بالضرورة منظمة أو واعية أو مستعدة لدفع كلفة الإصلاح. في العراق توجد طبقات واسعة تعاني من البطالة، و ضعف الخدمات، و رداءة التعليم، و تراجع الثقة بالمؤسسات، لكنها كثيراً ما تبقى في موقع الشكوى لا الفعل. وفي استطلاع الباروميتر العربي لعام 2024، ارتفعت نسبة العراقيين الذين يعتقدون أن الحكومة تعمل على مكافحة الفساد إلى 42%، لكنها بقيت أقل من نصف المجتمع، وهذا يعكس شيئاً مهماً: الناس تريد أن ترى الدولة تتحرك، لكنها لا تزال غير مقتنعة تماماً بأن الإصلاح أصبح مساراً ثابتاً و جدياً.
برأيي المتواضع فإن الخطر الأكبر على الإصلاح في العراق لا يأتي من الفاسد الكبير وحده، بل من آلاف التنازلات الصغيرة التي يقدمها الناس كل يوم. حين يقبل المواطن أن يأخذ حق غيره لأنه يستطيع، فهو يضعف فكرة الإصلاح. و حين يصمت الموظف على خطأ إداري لأنه لا يريد أن يخسر موقعه، فهو يضعف الإصلاح. و حين يبرر المتعلم الرداءة لأنها تخدم جماعته أو مؤسسته أو مصلحته، فهو يضعف الإصلاح. و حين يتحول القانون إلى شيء جميل في الخطب و مزعج في الحياة اليومية، فإن الدولة لا يمكن أن تنهض مهما تغيرت الوجوه.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الناس من عقلية الامتياز الصغير إلى فكرة الحق العام. والفرق بينهما كبير. الامتياز الصغير يقول: المهم أن أنجو أنا. أما الحق العام فيقول: لا أكون آمناً فعلاً إذا كان القانون لا يحمي الجميع. الامتياز الصغير يقول: أقبل بالفساد إذا خدمني. أما الحق العام فيقول: الفساد الذي يخدمني اليوم سيأكل مستقبل أبنائي غداً. الامتياز الصغير يصنع تابعاً ذكياً في تدبير حياته الفردية، لكنه عاجز عن بناء مجتمع عادل. أما الحق العام فيصنع مواطناً قد يخسر منفعة عابرة، لكنه يربح دولة يمكن أن يُطمأن إليها.
لذلك، لا يكفي أن نطالب بإصلاح الحكومة و المؤسسات إذا بقي المجتمع نفسه يتعامل مع الدولة كغنيمة. و لا يكفي أن نلعن الفساد إذا كنا نبحث عن نسخة صغيرة منه عندما نحتاج إلى خدمة أو تعيين أو عقد أو معاملة. الإصلاح ليس شعاراً فوقياً، بل تدريب يومي على رفض الاستثناء غير العادل، و احترام القانون حتى عندما يعطل مصلحتنا المباشرة، و الدفاع عن حق لا يخصنا وحدنا. عندها فقط ينتقل الناس من موقع التابع الذي يحرس بيتاً لا يملكه، إلى موقع المواطن الذي يعرف أن البيت الحقيقي هو الدولة العادلة، لا الامتياز العابر.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- زلزال يهز طائرة على المدرج في فنزويلا.. شاهد ذعر الركاب
- ما نعرفه للآن عن جنسيات ضحايا زلزالي فنزويلا وعدد القتلى
- هل الخليج هو الخاسر الأكبر بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية م ...
- تشارلز الثالث: قصر لا يليق بملك – مقال في صحيفة ديلي إكسبريس ...
- تقرير: واشنطن تراجع وجودها العسكري في الشرق الأوسط إثر تعرض ...
- مبعوث أممي: تصاعد القتال في -الأبيض- يهدد بتكرار سيناريو دار ...
- صحف دولية.. الإكوادور تصنع التاريخ على حساب ألمانيا!
- تشغيل أول سفينة من مشروع L390 للنقل النهري في إقليم بيرم الر ...
- يبدو أن الولايات المتحدة قد خسرت الحرب العالمية فعليا...
- الدفاع الروسية تعلن عن تبادل للأسرى مع كييف بصيغة 160 مقابل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إلى فكرة الحق العام - مقال رأي